عن الفلسطينيين وأزماتهم المستعصية../ ماجد كيالي

طوال عام كامل لم يستطع الفلسطينيون التوصل إلى حال من التوافق على إدارة كيانهم الناشئ، وإيجاد معادلة تتيح التعايش إن بين نظام الرئيسين (السلطة والحكومة)، أو بين الحركتين الكبيرتين فتح وحماس، اللتين باتتا تحتكران الحياة السياسية الفلسطينية، التي باتت مهدّدة جدّيا بأفول حال التنوع والتعددية فيها.

هكذا باتت الأزمة السياسية الفلسطينية عصية على الحل، فلا فتح راغبة في هضم تآكل مكانتها في القيادة والسلطة، ولا حماس تستطيع ممارسة السلطة، أو استيعاب معنى تحولها من مجرد حركة معارضة، أو حركة أيدلوجية، إلى قيادة حكومة منبثقة من عملية التسوية، ومن اتفاقات أوسلو، التي تناصبها العداء.

والحال فإن رئيس السلطة (أبو مازن) لا يملك الأخذ بقرار حل الحكومة، وتشكيل حكومة طوارئ، لأنه لا يملك الصلاحية لذلك في ظل وجود مجلس تشريعي بأغلبية "حماسية"، في حين أن "حماس" لا ترغب بالتضحية بتمتعها ولو بحكومة سلطة، لا تعترف بإطارها السياسي (المنظمة واتفاقات أوسلو)، في سبيل تمرير الأزمة، أو في سبيل رفع الحصار وتشكيل حكومة وحدة وطنية، لا بالتخلي عن رئاستها للحكومة أو عن أغلبيتها فيها، ولا بالتخلي عن بعض الوزارات السيادية (أو قل سلطوية)، في حكومة ليس لها سيادة على شيء (كوزارتي الداخلية والمالية).

تحاول "حماس" في رفضها أي مخرج، أن تحيل الوضع المتأزم إلى نوع من مؤامرة عليها، وإلى حال من الانقلاب على الانتخابات، من قبل رئيس السلطة، وحركة "فتح"، في حين أنها تدرك بأن الرئيس بالذات، وحركة فتح إياها، مهدا الطريق أمامها للانخراط في النظام السياسي، والمشاركة في الانتخابات، ونقل السلطة إليها. وهي تدرك بأن الرئيس وفتح قاوما املاءات إسرائيل، والإدارة الأمريكية، المطالبة بالحؤول دون إدخالها في النظام الفلسطيني، وبالتالي الانتخابات، بسبب معارضتها اتفاقات أوسلو، التي انبثقت عنها الانتخابات والسلطة، وأن الرئيس وفتح قاوما أيضا المطالبات بضرب البنية التحتية لها.

على ذلك فإن اتهامات "حماس" ليس لها من معنى، لأن الأزمة الفلسطينية الحاصلة، هي نتاج الحصار الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، والعزل الدولي للحكومة، وامتناع الدول المانحة عن تقديم التزاماتها المادية، أكثر من كونها أزمة فلسطينية. والحاصل فإن المجتمع الدولي، الممثل بالدول المانحة، هي التي تتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن معاقبة الشعب الفلسطيني على خياراته الديمقراطية، وعن تدهور أحواله المعيشية، وتسهيل استفراد إسرائيل به، ومن العبث توجيه اللوم إلى أطراف فلسطينية معينة بدعوى التواطؤ، أو السكوت عن هذا الواقع، فهذه الأطراف لا تتحمل مسؤولية ذلك، لأن احتضان المجتمع الدولي للكيان الفلسطيني، وتقديمات الدول المانحة المالية للسلطة الفلسطينية، تم ترتيبها وفق معايير سياسية معينة، وضمنها التزام عملية التسوية، مع إسرائيل، وليس أية عملية أخرى، وهذا ما يعرفه القاصي والداني. ثم من الذي قال أن هذه الدول معنية بدعم أو بتمويل وضع سياسي لا يتفق مع معاييرها؟ أليس في ذلك سذاجة أو خفة سياسية؟ ولعل مشكلة حماس تكمن في أنها وافقت على الانخراط في انتخابات، ومن ثم تشكيل حكومة لسلطة، لا تعترف بمرجعيتها، ولا بالشروط التي أوجدتها، سواء كانت منظمة التحرير أو اتفاقات أوسلو، أي من دون أن تستوعب، أو تدرس، التداعيات أو الاستحقاقات الناجمة عن كل ذلك.

عموما فإن الأزمة الحاصلة ليست فقط نتاج التعارض بين موقعي الرئاسة، أو نتاج الخلاف على المشروع السياسي بين فتح وحماس، ولا تتعلق بكيفية إدارة كل طرف للعبة السياسية، فحسب، على أهمية كل ما تقدم، فهذه الأزمة، هذه المرة، هي من النوع المعقّد والصعب والمتداخل، بسبب احتكامها للعوامل والمحددات التالية:

أولاً، إن الأزمة الفلسطينية الراهنة هي بمثابة إرهاصات لانتهاء مرحلة قديمة، بما لها وما عليها، وولادة مرحلة جديدة، بكل معنى الكلمة. والمشكلة أن إرهاصات الموات والولادة، هذه، لا تقتصر، فقط، على أفول قيادة قديمة وولادة قيادة جديدة، وإنما هي تشمل، أيضا، مجمل بني الساحة الفلسطينية، وشعاراتها، وأشكال عملها. والمشكلة، أيضا، أن هذا الأمر يتم من دون توافقات فلسطينية داخلية، وأنه يتم في ظل تنافسات وتصارعات بين القوى المعنية في هذه الساحة.

ثانيا، كما قدمنا، فإن هذه الأزمة لا تطال فقط الخلاف السياسي (البرنامجي)، ولا تقتصر على التحديات الجمّة والكبيرة التي تواجهها الساحة الفلسطينية، فحسب، وإنما هي فوق هذا وذاك تشمل الفاعلين السياسيين في هذه الساحة، وبخاصة حركتي فتح وحماس. ويمكن القول بأننا لا نغالي كثيرا إذا جزمنا بأن هذه الأزمة في الحقيقة ترتبط تماما بأزمة هاتين الحركتين، اللتين باتتا تشكلان القطبان الرئيسان في الساحة الفلسطينية. هكذا فإن مشكلة "فتح"، مثلا، على رغم دورها الريادي في العمل الفلسطيني، إنها أخفقت في الخيارات السياسية التي اعتمدتها في قيادتها لهذا العمل، فهي لم تنجح في خيار التسوية، ولا في تجربة بناء الكيان، وأنها أخفقت في إدارة الانتفاضة، ولم تستطع التحكم بمسار المقاومة. وعموما فإن "فتح" لم تستطع أن تستوعب المتغيرات الحاصلة في الساحة الفلسطينية، ولم تع أهمية إجراء مراجعة نقدية لبناها وشعاراتها وطرائق عملها، لإدخال التجديد عليها. ومن ناحية "حماس"، فإن هذه الحركة لم تستطع بعد فرض صدقيتها في إدارة الوضع الفلسطيني، فهي لم تستطع الخروج من عباءة المعارضة، ومن الروح الشعاراتية التي تتملكها. وهي شكلت حكومة السلطة، رغم معارضتها لاتفاقات أوسلو (1993)، وقبلت بهذه المسؤولية على رغم ارتهان هذه الحكومة للمساعدات الخارجية. وكل ذلك وضع حماس في مأزق أيدلوجي وسياسي، تصر على تجاهله، بدعوى صدّ "التآمر" على مكانتها!

ثالثا، إن الأزمة الفلسطينية مرهونة هذه المرة، وأكثر من السابق، للعوامل الخارجية، بحكم الاتفاقات والالتزامات (الإسرائيلية والدولية والإقليمية) التي انبثقت عنها السلطة، وخصوصا بحكم ارتهان حوالي 160 ألف موظف للدعم المادي الذي تقدمه الدول المانحة (وضمنها أوروبا والولايات المتحدة واليابان وكندا..الخ). وبديهي أن تشترط هذه الدول التزام الفلسطينيين بعملية السلام، ونبذ العنف، في مقابل استئناف دعمها للسلطة، بما في ذلك تأمين موازناتها ورواتب موظفيها (بغض النظر عن رأينا بذلك).

رابعا، تأتي هذه الأزمة في ظل انسداد الخيارات السياسية للفلسطينيين. ومثلا، فإن خيار المضي بعملية التسوية بات صيغة لمضيعة الوقت، لا سيما في ظل التملصات والالتفافات والاملاءات الإسرائيلية. في حين أن الإبقاء على الوضع الراهن بات بمثابة فرصة مناسبة لإسرائيل لفرض الأمر الواقع، من خلال تشريع عمليات الاستيطان، واستكمال بناء الجدار الفاصل، والإمعان في تهويد القدس، وتصعيب الأوضاع الحياتية على الفلسطينيين، وتقويض الكيان الفلسطيني. أما التوجه لانتفاضة جديدة فبات جد صعبا في ظل انهاك حال الفلسطينيين، طوال السنوات الماضية، بنتيجة الممارسات الإسرائيلية، وأيضا بنتيجة التصارعات الفلسطينية. في حين أن ولوج خيار المقاومة يبدو خيارا باهظا جدا في ظل الأوضاع الدولية والإقليمية الحالية.

خامسا، وأخيرا فإن الأزمة الفلسطينية المستعصية اليوم باتت محكومة بالتطورات الدولية والإقليمية، وخصوصا بكيفية إنفاذ الإدارة الأمريكية لسياساتها في المنطقة، من العراق إلى لبنان، إلى إيران، كما بكيفية تعاطي القوى الإقليمية الفاعلة، من إيران إلى سورية إلى حزب الله مع هذا الأمر. وبمعنى أخر فإن هذه الأزمة باتت محكومة بالصراع في الشرق الأوسط، وبالصراع على الشرق الأوسط، بين القوى المعنية، بحيث أنها باتت مرتبطة، بشكل ما، بما سيحصل في هذا الشرق الأوسط، وخصوصا في لبنان وفي العراق؛ ما يصعّب على القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية التحكم بهذه الأزمة، وإيجاد حلول مناسبة لها.

هكذا يمكن إدراك كم هي الأزمة الفلسطينية الحالية جد صعبة ومستعصية على الحل، خصوصا أن محاولات الفلسطينيين لحل هذه الأزمة، أو السيطرة عليها، لم تعد بأيديهم بالذات.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الأزمة الفلسطينية الراهنة لن تجد حلها بمجرد حوارات هنا أو هناك، على الأرجح، على أهمية ذلك، فهذه الأزمة تحتاج إلى علاجات ومعطيات نوعية مختلفة، من ضمنها:

1 ـ إيجاد حل للأزمة السياسية المعشعشة في بني العمل الفلسطيني، وخصوصا في حركتي فتح وحماس، ما يتطلب تجديد بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، وشعاراتها وأشكال عملها، بما يتلاءم والتطورات الحاصلة.

2 ـ توليد نظام فلسطيني جديد، يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التنظيمية والسياسية الحاصلة في الساحة الفلسطينية، وعلى صعيد الصراع ضد إسرائيل، وضمنها المتغيرات المتعلقة بقيام كيان فلسطيني، على خلفية عملية التسوية، ما بتطلب التوافق على استراتيجية سياسية، وعلى استراتيجية ميدانية تنسجم معها.

3 ـ إيجاد معادلة سياسية مناسبة، متوافق عليها بين القوى الفاعلية في الساحة الفلسطينية، للتعاطي مع التغيرات والتطورات الحاصلة أو المحتملة في الشرق الأوسط، تضع في أولوياتها الأجندة الوطنية الفلسطينية، من دون أن تفرط بتحالفاتها العربية والإقليمية، وعلاقاتها الدولية.

في كل الأحوال فإن الأزمة الفلسطينية الراهنة هي نوع من أزمة تاريخية متعضية، ولذلك فإن حلها يحتاج إلى معطيات سياسية جديدة، وإلى تحولات نوعية وتاريخية، ولا شك بأن طريق المعالجة والتوافق عن طريق الحوار الجاد والمسؤول والمثمر هي الأفضل، وإذا تعذر ذلك فمن البديهي أن اللجوء لخيار الانتخابات هو الحل للخروج من المأزق الراهن، على الأقل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018