أطراف النهار: مثل فراشات مسممة!../ حسن البطل

اكتشفت، أمس الأحد، أن معظم زملائي في "الأيام" ضربوا صفحاً عن أهم صفحة في عدد السبت من جريدتهم، وهي تغطية أحد زملائي لمحاضرة بروفيسور الفيزياء والرياضيات ستيفان هوكينغ.

مما يؤخذ، بعامة، على الصحافيين غرامهم بمطالعة صحيفة أخرى، كما يفضل بعض الطباخين، أطباق مطاعم أخرى.. أو يشتهي بعض الرجال نساء غيرهم. النفس أمّارة بالسوء وبالتغيير (وبالإصلاح وبالانتخابات) هذا صحيح.

مع هذا، يبدو لي أن المغنية المغناجة مادونا خامة صحافية ممتازة، ليس لصحف الفضائح و"التابلويد" أو قراصنة حياة النجوم، بعد تبنيها طفلاً أسود.. لكن لأنها تركض على شاطئ البحر بعد أداء أغنية صاخبة ـ راقصة سعياً إلى تفريغ الطاقة، أو إعادة شحنها، كما يفعل متسابقو رياضة التجديف، الذين يدربون مفاصل أذرعهم على حركة معاكسة لحركة التجديف. افتل الحبل.. ثم أتركه يفرغ طاقته.

كان عدد السبت من "الأيام" مشحوناً (وكذا الأحد.. وقادم الأيام والأسابيع.. والشهور) لأن الواقع الوطني مشحون. مع ذلك، لا عذر لصحافي أو قارئ إن أهمل قراءة متمعنة لتحذير أبرز علماء الفلك، بعد البرت اينشتاين، من أن العرق البشري قد لا يعيش إلى الألفية الثالثة.. إن لم يجد له مهرباً إلى مستقر وكوكب آخر يتمتع ببيئة حياة شبه أرضية.

كنت، مرة، أجوب الشاطئ الغربي من البحر الميت، حيث تبدو المسافات أقرب مما هي في الواقع، فقال لي بدوي هذه الحكمة: "بتقول ساعة مشي.. فتمشي يوماً".

كيف "تسافر" إلى كوكب آخر يبعد آلاف وملايين السنوات الضوئية.. خلال عشر ساعات من عمرك الإنساني؟ دون حل هذه المعضلة الفيزيائية ـ الرياضية.. لن يحتفل الجنس البشري بالألفية الثالثة. حاجز سرعة الصوت في مثل تعليم الطفل أبجدية لغوية، وأما حاجز سرعة الضوء فهو مثل حل عالم الفضاء والفيزياء والبيولوجيا أبجدية الأبدية. كيف؟.

في أفلام الخيال العلمي، مثل مسلسلات "ستار تريك" و"انتر برايز"، يقوم رواد الفضاء بـ "القفز" متجاوزين سرعة الضوء عدة مرات. اعترف بأنني أتابع هذه المسلسلات (والكتب والأخبار والكشوف) منذ صغري.

العالم هوكينغ يرى استحالة فيزيائية في قدرة المادة على اختراق "حاجز الضوء" مع بقائها مادة (جامدة أو حية). إنه يكتفي بسرعة تشارف سرعة الضوء (290 الف كم/ثا).. لكن هذا إذا أمسك الإنسان بزمام تكنولوجيا "الطاقة الخالصة"، أو "الفناء المتبادل للمادة والمادة المضادة". بالاستناد إلى نظرية "تمدد الزمن" أو "تباطئه"، يمكن للإنسان أن يجتاز 10 ملايين سنة أرضية خلال عشر ساعات من عمره.

شرح هوكينغ نظريته بشكل مبسط، ويمكنك فهمها بمثال قرأته لعالم بيولوجي آخر، وعلماء فيزياء آخرين. مثلاً: لو أن فراشة عاقلة رأت انفجار برميل بارود، فستراه "بطيئاً" نسبياً قياساً إلى عمرها المقدر بأسبوع مثلاً، لكن قياساً إلى عمر إنسان (70 سنة مثلاً) سيكون انفجاراً خاطفاً.

العالم هوكينغ طرح مقاربة أخرى، وهي نسبية الجهات الأرضية الأربع إلى الجهات الكونية المطلقة، ذلك أن "القطب الشمالي" هو شمالي، لمجرد أن معظم البشر عاشوا وصنعوا الحضارات "شمال" الكرة الأرضية.. فلو أنهم عاشوا جنوب الكرة الأرضية، لاعتبروا القطب الجنوبي هو "الشمال". هذه هي مراوغة الأيديولوجيا للعقول.

***

تبدو الكلمات السابقة نوعاً من "هروب" بينما زمننا الفلسطيني الراهن مشحون بشدة.. لكن رحابة الصدر من سعة العقل، وهذا من قدرته على مزج العلم بالواقع.. وبالخيال.
حسناً، صار الفلسطينيون مثل "فراشات مسممة" في زجاجة مغلقة (بالاستعارة من وصف الجنرال رفائيل ايتان لنا بـ "صراصير في زجاجة مغلقة").

.. وإلا، كيف لا يلتفت الصحافي والقارئ الفلسطيني إلى ثلاثة قرارات لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، مثل: شروط تعديل تعويض "قانون مصابي الانتفاضة"، وتلاها قرارها إقامة "غيتو بير نبالا".. ثم قرارها تقنين اغتيال نشطاء المقاومة، وكذا اغفالنا معالجة قرار دولي بحساب خسائر متضرري الجدار العازل، وآخر عن اللاجئين الفلسطينيين.

***
غرقنا تماماً، منذ الانتفاضة الثانية وبخاصة منذ تسلم حماس زمام الحكم، في أمور تبدو "مصيرية"، ولكنها تجعل أعصابنا تلتهب.. وعقولنا تنغلق، وأحاسيسنا تتبلد، وقلوبنا تتحجر.. وتماسكنا ينفجر!.

تأتي إلى فنجان قهوة الصباح مع بطارية الليلة السابقة المشحونة، وإلى الجريدة اليومية بعد شحن المحطات الفضائية، وإلى الشارع المشحون بدوره.. فإلى الكتابة المشحونة.


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018