الأميركيون يوقظون الأزمات النائمة في لبنان والعراق وفلسطين ويفتحونها على رياح "الفوضى ‏الخلاقة"‏/ طوني عيسى

بعد «سكرة» عميقة في احضان الأحلام الوردية التي فرشها الأميركيون للبنانيين منذ أكثر من ‏عامين، بدأت «الفكرة» تطل برأسها. فالدعم اللامحدود الذي وعد به الرئيس جورج بوش ‏وطاقمه لمسيرة استعادة لبنان حياته الطبيعية تراجع الى مستويات تثير القلق في الأوساط التي ‏وعدت نفسها بهذا الدعم على مدى الفترة الممتدة ما بين صدور القرار 1559 وحتى اليوم. ‏وعلى رغم التطمينات المتلاحقة من جانب ادارة بوش والعديد من المسؤولين الأميركيين بأن لا ‏تغيير في درجة التمسك بالحلفاء اللبنانيين وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وبأن لا صفقة ‏يمكن أن يعقدها الأميركيون مع سوريا او ايران او كلتيهما على حساب لبنان، فإن العديد ‏من الأوساط السياسية والديبلوماسية وطرح أسئلة عما يمكن أن تؤول اليه أي عملية تفاوض ‏بين واشنطن والمحور الشرق اوسطي المناوىء لها، وانعكاسات ذلك على الساحة اللبنانية.‏

ويقول سفير سابق في واشنطن إن مسألة دعم ادارة بوش للبنان ليست متعلقة بالتغيير الأميركي ‏الداخلي الناتج عن انتخابات الكونغرس وتشكيل الغالبية الديموقراطية، بل هي مرهونة ‏بمدى رغبة بوش الحقيقية وقدرته في تقديم الحلول المناسبة للمنطقة، وهو ما لم يظهر حتى في ‏ذروة تمتعه بالقوة السياسية شبه المطلقة التي بها تم التجديد له لولاية ثانية في 3 تشرين ‏الثاني 2004، عندما حصل على تفويض شعبي لم يسبق لأي رئيس أميركي ان ناله، إضافة الى ‏إحرازه غالبية المجمع الإنتخابي آنذاك. فبدا فعلاً أقوى رجل في العالم. ومع ذلك كانت طلائع ‏الإضطراب الأميركي في العراق تزداد يوماً بعد يوم، وترتفع حصيلة الخسائر الأميركية غير ‏المتوقعة. فيما ادى غياب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد فترة قصيرة من بداية عهد بوش ‏الى ولادة معطيات غامضة في الملف الفلسطيني تظهر تداعياتها يوماً بعد يوم وتنذر بكوارث ‏حقيقية. وأما في لبنان، فكان القرار 1559 فاتحة تطورات لا تقلّ خطورة عما يجري في العراق ‏وفلسطين، بما تخللها من اغتيالات واهتزازات في البنية السياسية والطائفية اللبنانية ‏وتشققات على مستوى السلطة لا تجد حلولاً لها. ‏

الطريق الى الفوضى

ويقول السفير السابق: لقد كان بوش وراء قانون محاسبة سوريا واستعادة لبنان سيادته، ‏وأعقب ذلك بتعاون مع فرنسا انتهى الى استصدار القرار 1559 الذي اخرج القوات السورية ‏من لبنان. ثم بدأحملة على دمشق متهماً اياها بدعم «حزب الله» والقوى الفلسطينية المقاومة ‏لاسرائيل، إضافة الى دعم المناهضين للوجود الأميركي العسكري في العراق. واوحى الرئيس ‏الأميركي بأنه سيمضي في تنفيذ عملية ترتيب لمجمل هذه الملفات. لكنه في الواقع قام بما تفعله ‏الإدارات الأميركية عادة في الشرق الأوسط: إيقاظ الملفات النائمة، وتركها مفتوحة من دون ‏حلول. وهذه هي الطريق المثلى الى الفوضى.‏

وفي تقدير السفير السابق ان واشنطن في عهد جورج بوش خرجت من ضوابط استراتيجية لطالما ‏اتبعتها على امتداد عهود الجمهورية والديموقراطيين خلال ثلاثة عقود، أي حتى في خلال الصراع ‏الثنائي مع الإتحاد السوفياتي السابق. وهذه الضوابط كانت تقضي بعدم تجاهل معطيات ‏وخصوصيات اقليمية دقيقة وتوازنات حسّاسة، وهي لذلك منحت دمشق دوراً في رعاية الوضع ‏اللبناني على مدى زمني طويل. وهذه الضوابط كان سيحافظ عليها الأميركيون لو لم يقدّر ‏للرئيس بوش الفوز بالرئاسة لولاية ثانية. ذلك أن منافسه الديموقراطي جون كيري معروف ‏بالتزامه رعاية المساعي مع الفلسطينيين واقتناعه بالدور الإقليمي لسوريا، وهو كان يرفع ‏شعار إحياء عملية التفاوض على المسارين السوري والفلسطيني. ومعلوم ان هذه العلمية ‏وضعها رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ارييل شارون في غيبوبة قبل دخوله هو في غيبوبته. ‏وما زالت كل المحاولات لتحريك عملية السلام تصطدم بالمماطلة الإسرائيلية والأميركية، وآخرها ‏ما تحاول الجامعة العربية تحقيقه من خرق في هذا المجال عبر طرح المبادرة العربية الصادرة عن ‏قمة بيروت وتحويلها الى ورقة عمل في داخل مجلس الأمن.‏

‏«القرار المستقلّ» عنوان جذاب

فالرئيس بوش فتح على أنقاض ازمة نظام الرئيس صدام حسين ازمة تفوقها خطورة في العراق. ‏وعلى أنقاض نظام الرئيس ياسر عرفات ازمة مفتوحة على المجهول في الاراضي الفلسطينية، ‏وعلى انقاض المرحلة السابقة التي كانت واشنطن راعيتها في لبنان تنفتح ازمات لا تجد وسيطا ‏قادرا على حلّها، وهنا تطرح اوساط سياسية: ماذا قدّم بوش لمساعدة لبنان فعلا، واين هي ‏الثغرات؟ وتستطرد: لقد كان عنوان «القرار اللبناني المستقل» جذابا للجميع وما من شك ‏في أن خروج القوات السورية من لبنان كان نتيجة للقرارات الدولية ولا سيما القرار 1559 ‏الذي ضغطت الولايات المتحدة لاستصداره، ولكن كل الاستحقاقات التي عبرها لبنان منذ اكثر من ‏عامين، ظهر فيها الراعي الاميركي غائبا عن الدعم الفعلي. وهنا تسرد الأوساط العديد من ‏هذه الاستحقاقات وابرزها:‏

‏1- لقد ادت سياسة بوش الى إخراج القوات السورية من لبنان في اجواء من التحدّي ‏والاستفزاز المتبادل انعكست سلبا على الملفات اللبنانية - السورية ولا سيما تلك المتعلقة ‏بالنقاط التي عالجتها طاولة الحوار في لبنان اي التمثيل الديبلوماسي وتراسيم الحدود بدءا ‏من مزارع شبعا وضبط نقاط العبور.‏
وكان واضحا منذ اللحظة الأولى لتجديد ولاية بوش ان الرئيس الاميركي لن يقوم بتوجيه اي ‏ضربة الى سوريا او الى إيران... لكنه في الوقت عينه لم يفتح حوارا معهما حول سبل معالجة ‏النقاط الاقليمية الحساسة. وهذا ما يدفع ثمنه اللبنانيون والفلسطينيون والعراقيون.‏

‏2- قامت اسرائيل بتنفيذ اعتداء كبير على لبنان في تموز الفائت، وكان الاميركيون خلاله ‏يمارسون دورا داعما للمعتدين، ولم يسمحوا بوقف للنار سعيا الى تحقيق هزيمة بالمقاومة. ‏وهذا يعني انهم تركوا لبنان بشعبه واقتصاده يدفع ثمنا لا يقدر على تحمله. كما ان واشنطن ‏لا تمارس اي ضغط على اسرائيل لوقف استفزازاتها او للإنسحاب من مزارع شبعا على الاقل ‏لإحراج لبنان ومقاومته التي تضع ملف تحرير شبعا في طليعة الأهداف التي تبرّر لها استخدام ‏السلاح.‏

‏3- ليس واضحا تماما كم تملك الولايات المتحدة معلومات في ما يتعلق بالعمليات التي يشملها ‏نطاق تحرك اللجنة الدولية للتحقيق، وهل هي فعلا بقدراتها المعلوماتية والتقنية ‏والاستخبارية الهائلة عاجزة عن تقديم دلائل ذات وزن الى هذه اللجنة. فهل ان هناك عناصر ‏معلوماتية منها باتت في ايدي اللجنة ولا تكشف عنها؟ أم ان شيئا ما يمنع تزويد اللجنة ‏بما تحتاجه؟

وفي أي حال، تتساءل الاوساط: هل منطقي ان تترك الولايات المتحدة للبنان ان يمرّر بصعوبة ‏فائقة - اذا استطاع - مشروع المحكمة الدولية في مؤسساته الدستورية المنقسمة في هذا المجال ‏حتى حدود الإنفجار، فيما هي قادرة على الأرجح ممارسة الضغوط الدولية اللازمة لإنشاء المحكمة ‏بقرار عن مجلس الأمن وفقا للفصل السابع، وإن لم يكن اللبنانيون ميالين الى خيار كهذا؟

‏4- على رغم المصاعب الاقتصادية الهائلة التي يرزح تحتها لبنان فإن الوعود بالدعم بقيت ‏حبرا على ورق سواء بالمؤتمرات التي تحقق شيئا او تلك التي يمنّي اللبنانيون النفس بأنها ‏ستنفذهم من الأزمة. كما ان اي دعم حقيقي للجيش اللبناني لم يتحقق في موازاة المليارات ‏من الدولارات التي تتلقاها اسرائيل والدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة سنويا. بل ‏إن اي وعد اميركي بمساعدة لبنان يبدو حتى الآن اقرب الى الإبتزاز او التعجيز، لأنه رهن ‏بالوضعية السياسية التي لا يساهم الاميركيون انفسهم فعلا في تحسينها.‏

فالصحيح هو ان الولايات المتحدة التي ترفع شعار إخراج لبنان من دائرة الوصويات ‏الإقليمية لم تقدم له الحصانة الكافية لتمكينه على القيام بذلك. وهذا ما يدفع في اي لحظة ‏الى إعادة خلط الاوراق الداخلية والإقليمية والدولية سواء في اتجاه اعادة الإعتبار الى دور ‏سوري او في اتجاه ترك حالة الإهتراء السياسي العام تتفاقم. وهنا يصبح السؤال: هل هناك ‏نيّة متعمدة في فتح الملفات الإقليمية جميعها دفعة واحدة وتركها من دون معالجة لتحقيق ما ‏سمّي بـ «الفوضى الخلاقة» والتي يمكن ان تغرق المنطقة في بحر من النزاعات لا يتيح لها ان تتخلص ‏منه لفترات طويلة من الزمن. فهل هذه هي الرغبة الاميركية في عهد «المحافظين الجدد».‏


في منتصف البئر

في أي حال، ثمة عامان باقيان من ولاية الرئيس الاميركي الحالي. وفيها تعايش مع الغالبية ‏الجديدة. ويعتقد السفير السابق في واشنطن ان بوش بخلفيته السياسية - الفكرية عن الصراع ‏في المنطقة سيتجاوز «عقدة» الغالبية المناوئة له ويستخدم كل ما يتيحه له الدستور ‏للاستمرار في سياسته الحالية. بل استعجال محاولة تحقيق خطوات ملموسة منها قبل انتهاء ‏ولايته ولا سيما في العراق. وعلى الارجح لن يكون لتقرير بيكر - هاملتون تأثير ذو شأن على ‏النهج المتبع ازاء المنطقة. وهذا ما سوف يصطدم بقوة سياسة المحاور الاقليمية، وتحديدا قوة ‏دمشق التي تدرك ان موقعها في المنطقة يشكل عنصر توازن يصعب استبداله، وهي لذلك تعمل ‏على كسب الوقت وتقطيع المراحل الصعبة.‏

لكن متابعين وباحثين اخرين يعتقدون ان التحوّل الاميركي لا بدّ ان يحصل بدءا من الفترة ‏المتبقية من ولاية بوش. وما طلائع الوفود الاميركية من داخل الإدارة ومن اعضاء في الكونغرس ‏في اتجاه دمشق وطهران سوى ترجمة لذلك. ولم يكن اللبنانيون الذين يعدون انفسهم بأن ‏الاميركيين لن يتركوهم «في منتصف البئر»، قادرين على الإطمئنان بما فيه الكفاية الى كلام ‏النائب الديموقراطي الذي زار دمشق قبل ايام ثم بيروت من ان اميركا لن «تبيع» لبنان من ‏اجل «تسهيلات» سورية في العراق، لأن كلاما من هذا النوع يعتبر معسولا وقد استمع ‏اللبنانيون الى مثيل له في مراحل طويلة من ازماتهم، ومن جانب كل القوى العظمى، ‏واكتشفوا ان الوعود تبقى وعودا ولا سيما اذا اتت من الجانب الاميركي، والأفضل لهم ان ‏يدرسوا خياراتهم الخاصة بواقعية كاملة، ووفقا لخصائص المواقع والمعادلات الاقليمية. و لا ‏سيما مع دمشق، درءا للمزيد من الكوارث، علما ان القراءة القائلة بأن واشنطن تتعمّد ‏تعميم الفوضى والحروب الداخلية العربية لمصلحة اسرائيل لم يثبت حتى الآن انها قراءة ‏خاطئة.... وتنتظر إثبات العكس.‏


"الديار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018