لبنان ـ فلسطين ـ العراق: الحل بالداخل.. لا بالدول!/ طلال سلمان

بقدر ما يتأكد العجز الذاتي، لبنانياً، عن صياغة تسوية مقبولة للأزمة الخانقة التي تتجلى في انقسام شعبي حاد قد يذهب بالكيان السياسي ودولته «التوافقية» يتأكد الانقسام العربي الذي في ظل استمراره لا يمكن صياغة تسوية «داخلية» مقبولة..

وبقدر ما تتوضح صورة الانقسام العربي المولِّد للعجز عن المبادرة، يتزايد حجم الضغوط الدولية المانعة للتسوية، بافتراضها أنها قادرة على إعادة صياغة السلطة بما يناسبها، بمعزل عن «الإرادة الشعبية» التي يمكن في ظل الانقسام السائد استيلاد «إرادة شعبية مضادة» لها بما يحفظ «للدول» حق القرار..

ذلك أن لبنان «البلا داخل» لا يمكن أن يستقر نظامه وتثبت دولته، بمؤسساتها جميعاً، إلا في ظل رعاية عربية هي نتيجة لتوافق دولي ما، في لحظة محددة، يمد ظله على المنطقة برمتها، بتوازناتها الهشة التي ترتكز إليها «دولها»... فكيف بحكوماتها؟!

... وها هو الانقسام العربي المولّد للعجز يقدم نفسه في صورة مأساوية في ثلاثة أقطار عربية تعيش أزمات متفجرة تكاد تذهب بوحدة شعوبها فضلاً عن كياناتها السياسية، وهي تحمل جميعاً عنوان «الصراع على سلطة لا سلطة لها»، في أقطار تكاد تكون بلا «دول» مهما تضخمت الادعاءات عن السيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر.

وإذا كان مفهوماً أن يكون الاحتلال الأميركي هو المسؤول المباشر عن انهيار الكيان السياسي لدولة العراق، التي أنهكها الطغيان بممارساته التي قسمت الشعب الواحد وزرعت بالتمييز أسباب الفرقة السهل تحويلها إلى فتنة طائفية ـ مذهبية ـ عنصرية..

... وإذا كان مفهوماً أن يكون منطق «المساومة» مع الاحتلال الإسرائيلي الذي استولد نقيضه «المزايد» قد أفقد «السلطة» طابعها الوطني كمعبر إلى «التحرير» وخصوصاً أنها استولدت على عجل فجاءت «جهيضاً» مما مكَّن معارضيها من استقطاب أكثرية انتخابية، في لحظة غفلة، ونتيجة لفساد لا يمكن احتماله أو تبريره بضرورات مواجهة الاحتلال... وهكذا انشقت على نفسها بين «رئيس» يحظى بتأييد عالمي يثير الشبهة، و«حكومة» لها شعبيتها ولكنها محاصرة من الداخل الفلسطيني كما من المحيط العربي نتيجة رفضها غير المبرّر من طرف «الدول» وهو رفض لا يبرّره أي منطق، وإن كان قادراً على خنقها، مباشرة، أو باستعداء شعبها المجوّع عليها.

وهكذا فإن الضغوط الدولية على شعبين عربيين يتحكّم الاحتلال الأجنبي بأسباب حياتهما ومصادر الرزق، وكذلك بإمكان توحيد الأهداف الوطنية والتلاقي من أجل تحقيقها، لم تفد لا في حماية الكيان السياسي، ولا في تأمين وحدة الشعب، بل ها هي تتسبّب في مشروع حرب أهلية مفتوحة فعلاً في العراق، ولا يؤخر انفجارها في فلسطين إلا التجربة النضالية العريضة لشعبها ومرارات التشرد ووعيه أن الانقسام لا يذهب بـ«السلطة» رئيساً وحكومة فحسب، بل وبحلم «الدولة» ولو على جزء من أرضها التي روتها دماء مجاهديه على امتداد أجيال.

ويفترض أن اللبنانيين، الذين يتباهون كثيراً بعبقريتهم، قد وعوا هذا «الدرس» لكثرة ما امتحنوا فيه، ولعظيم ما دفعوا من هناءة عيشهم ومن استقرارهم، بل ومن دماء السلف ومن هجرة الخلف: ان «الدول» تقاتل بهم من أجل مصالحها، ولا تقاتل أو تتقاتل لحسابهم.

وتحفل ذاكرة اللبنانيين بالحروب الأهلية التي طالما أطعموها لحومهم وأجيالهم: فهي كانت تفجّر من دون قرار منهم، وإنما يُساقون إليها بخلافاتهم التي يعرفون ـ بتجاربهم كما بذكائهم العادي ـ أن تسويتها لم تكن تستحق مثل ذلك الثمن الباهظ الذي دفعوه للخروج من نفقها الدموي... ثم إن تلك التسوية لم تكن تتم بقرار منهم، بل لانتفاء غرض «الدول» من تلك الحرب التي سيقوا إليها.

أما في الوقت الحاضر فالأمثلة القائمة أمام عيوننا تكفي لأن تنبّهنا إلى أن ما نختلف عليه ليس خطيراً، وليس غالياً إلى حد أن نذهب إلى الجحيم بأقدامنا من أجله.

لا «المحكمة»، بكل تفاصيلها، سبب فعلي، فالمواقف المعلنة تكفي لتأكيد الاتفاق على أساسها وجوهرها... ومن حق الأطراف اللبنانيين أن يناقشوا بعض بنودها، وهو حق أعطي لكل دول العالم، عبر مجلس الأمن، أفيكون كثيراً عليهم وهم «أصحاب الدم» ـ تماماً مثل الحكومة ـ أن يطمئنوا إلى أن «المحكمة» لن تكون وسيلة للانتقام أو لتصفية بعض الحسابات القديمة، وبالقانون، بعيداً عن محاسبة المسؤولين عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
... فضلاً عن أن إعادة التوازن إلى الحكومة لتصير أقرب إلى «الاتحاد الوطني» لا يكفي مبرراً لحرب بالغرائز والمشاعر الطائفية والمذهبية تنتهي بضرب أساس هذه «الدولة» القائمة على قواعد مبتدعة أشهرها «لا غالب ولا مغلوب»!

إن المعلن من أسباب الخلاف لا يكفي لتبريره... لكن «الدول» بمواقفها اليومية التي تعزز الانقسام، وتحرّض أهل الحكومة على أهل المعارضة، بالصح والغلط، وتباعد الأفرقاء الذين كانوا حلفاء فصاروا خصوماً، وتعمل على اختلاق أسباب جديدة للفرقة، والمبارزة في الشارع، وتصوّر أي «تنازل» على أنه «هزيمة» وأي «حوار» بأنه «خضوع لشروط الخصم» إلخ..
لكن «الدول» لن تبكي على ضحايانا، إذا ما تفجّر الخلاف، لا سمح الله..

وها هي تتفرج على مشروع الفتنة في العراق، بعينين مفتوحتين، وتعلق عليه بما يهين كرامة الشعب العراقي ووطنيته ووعيه وتمسكه بدولته... ولا تفعل شيئاً لوقفها، بل توجه كل دعمها إلى من ارتضى أن يمشي في ركاب الاحتلال متوهماً أن الحل سيأتي عن طريقه!

.. وها هي تتفرج، أيضاً، على مشروع الفتنة في فلسطين، وتحرّض «الرئيس» على «الحكومة»، وتجاهر بدعمه لاستفزازها ودفعها إلى النزول إلى الشارع بسلاحها لمواجهة سلاح جيش «الرئيس»، بينما إسرائيل تتبرّع بحفر القبور لضحايا الصراع الأهلي.. ومعهم قضية فلسطين المقدسة.

ألا يكفي الدم المراق من حولنا والذي يكاد يجرف مستقبل هذه الأرض لينبهنا إلى أن علينا أن نواجه أنفسنا بشجاعة المسؤولية الوطنية عن مصير شعب كان «قدوة» لإخوانه العرب، ليس فقط بكفاءاته العلمية والمهنية وعبقريته التجارية، بل أساساً بقبوله «التنوّع»، وابتداعه أنماط الحكم التي تحمي وحدته ودولته؟

... والحل، غداً، لن يكون غــير ما ألفناه في السابق، مع بعض التـــعديلات التـــي يفرضــها اختلاف قوى التوافق الدولي الراهن عن قوى التوافق السابق.
أفليس أجدر بنا أن نمشي إلى الحل بأقدامنا بدل أن نُقاد إليه بسلاسل «دول القرار»؟!


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018