مشروعية الإنتخابات المبكرة من عدمها/ المحامي إبراهيم شعبان

بعد أقل من عام على إجراء الإنتخابات التشريعية الفلسطينية التي صنعت انقلابا في النظام السياسي الفلسطيني، قرر الرئيس محمود عباس إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في القريب العاجل مستندا إلى أن الشعب هو مصدر السلطات، وبالتالي قرر الرجوع إليه ليحسم هذا الأمر وليتسق منصبا الرئاسة والحكومة ولا يتضادا كما هو حاصل هذه الأيام.

والملفت للنظر أن مدة الرئاسة لم تنته بعد ففترتها تمتد إلى أربع سنوات، ولم يمض منها سوى أقل من سنتين، حيث جرت في بداية عام 2005. ومدة المجلس التشريعي تمتد في حلته الثانية والجديدة إلى أربع سنوات، ولم تمض من عمره سوى أشهر قليلة في مجموعها هي أقل من عام. علما أن المادة الثانية من قانون الإنتخابات رقم 9 لسنة 2005 قررت بشكل قاطع وصريح أن مدة ولاية الرئيس أربع سنوات، وأن مدة ولاية المجلس التشريعي أربع سنوات من تاريخ انتخابه. ولم يكتف قانون الإنتخاب آنف الذكر بنص المادة الثانية المذكورة آنفا، بل أورد المادة 111 التي أوجبت أن تكون الإنتخابات الرئاسية القادمة بحلول نهاية الدورة التشريعية لأول مجلس تشريعي منتخب بعد نفاذ قانون الإنتخابات رقم 9 لسنة 2005 ووفقا له.

ويجب أن نشير إلى أن قانون الإنتخابات يعتبر من القوانين ألأساسية على الأقل من الزاوية الموضوعية. ويوضع ضمن مجموعة القوانين الأساسية في أي بلد حتى لو كان أقل مرتبة من الدستور.

خلفيات ودوافع وبواعث قرار الرئيس محمود عباس السياسية والإنسانية والإقتصادية والأمنية لإجراء الإنتخابات، كانت واضحة وظاهرة في خطابه. ولا جدل أنها ملموسة وموجودة في الشارع الفلسطيني ولا ينكرها أحد. فأوضاع الشعب الفلسطيني في غاية السوء من جميع زواياها ونواحيها، بل هي كارثية. ولكن السؤال الحائر هل كانت قرارات الرئيس متفقة مع مبادىء المشروعية المتمثلة في القانون الأساس وتعديلاته والقوانين الأخرى السارية المفعول، وفي مقدمتها قانون الإنتخابات؟ بكلمات أخرى هل تتطابق السياسة ودوافعها وظروفها مع سيادة القانون ونصوصه ومشروعيته؟

دعونا نقرر ابتداء أن الإنتخاب هو الوسيلة المشروعة الوحيدة لإسناد السلطة وتوليها. وهي وسيلة غربية في فكرها وتطويرها وتبويبها وترتيبها وتهذيبها. نشأت في الغرب واستوردها الشرق مكرها وعلى مضض. ولا جدل أن الإنتخاب عماد النظام الديموقراطي وبدونه يغدو النظام أوليجارشيا أو دكتاتوريا أو استبداديا . ولا جدل في أن فكرة الإنتخاب دخلت مراحل كثيرة إلى أن استقرت على ماهي عليه هذه الأيام من حيث عدم التقييد لا بمال ولا بكفاءة ولا بتعلم ولا بجنس . وغدت متاحة لكل مواطن فلسطيني، شريطة أن لا يكون محكوما بجناية أو فاقد الأهلية أو صغيرا.

الإنتخاب يعتمد على أن السلطات جميعا مصدرها الشعب، يمارسها وفق القانون، وبخاصة القانون الأساس. وهي تجري بين فترة وأخرى وضمن ضوابط زمنية ومحددات ولها طرق عدة وإجراءات معقدة. وهي الوسيلة السلمية الوحيدة لتولي السلطة السياسية بدل الإنقلابات والإغتيالات والثورات. وهي لا تقوم على مبدأ التوارث الأبدي بل الإختيار الحر المحدود زمانيا ومكانيا لأناس من الشعب وبواسطة الشعب. ببساطة هي لا تجري في فراغ زمني وقانوني بل ضمن قواعد مرسومة سلفا ومسبقا محدودة المكان والزمان. ومن هنا ورد نص بتقييد مدة ولاية الرئيس بفترتين متتاليتين كل منها أربع سنوات فقط. ولو لم تكن مدة الرئاسة محددة مسبقا لأمكن الإلتفاف حولها، كما حصل مع الرئيس الأمريكي الشهير روزفلت الذي احتل مقعد الرئاسة لثلاث فترات متعاقبة في النصف الأول من القرن العشرين.

وهذا يعيدنا إلى المربع الأول للتساؤل عن مدى مشروعية قرار الرئيس محمود عباس في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة؟ وللإجابة على هذا التساؤل الدقيق نتوجه للقانون الأساس والذي هو أسمى القوانين قاطبة وأرفعها مرتبة، علنا نجد ضالتنا في الإجابة عن هذا السؤال، وبخاصة أن الإجابة يفترض أن توجد بين نصوصه أو بين ثناياه ، حيث لا نجد في نصوصه جوابا شافيا حاسما قاطع الدلالة.

وما نجده في القانون الأساس نصوص عامة كل فريق يستخلص منها، ما يوافق هواه وما يعبر عن توجهه السياسي: مثل أن الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، على الوجه المبين في القانون الأساسي. ومثل أن نظام الحكم في فلسطين نظام ديموقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية. ومثل حق المشاركة السياسية وتولي شؤون الحكم . فجميع ما تقدم من نصوص تحمل فكرا عاما وقضايا عامة, وأجوبة غير محددة، ولا تعط جوابا حاسما في موضوع إجراء انتخابات مبكرة من عدمها. وأي تفسير لهذه النصوص يقضي بشرعية إجراء انتخابات مبكرة هو من قبيل تحميل النصوص بما لا تحتمل والإغراق والمبالغة في التفسير وحرفها عن مقاصدها.

أما روح النصوص الدستورية المذكورة آنفا، وأحيانا ألفاظها فنجدها تخالف توجه الإنتخابات المبكرة، ولا تتفق معها. فالرئيس عملا بقسمه الرئاسي عليه أن يطيع القانون الأساس أولا والقوانين والتشريعات ثانيا وأن يحترم النظام الدستوري وأن يرعى مصالح الشعب الفلسطيني. وبمفهوم المخالفة لا يجوز للرئيس أو أيا كان أن يخالف النظام الدستوري والقوانين. فالقانون يسمو عليهم جميعا، ولا يسمون عليه. وما دام قانون الإنتخاب قد قرر صراحة أن مدة ولاية المجلس التشريعي أربع سنوات، فلا يجوز اختصارها في بضعة أشهر أو ابتسارها في سنة أو اثنتين أو ثلاث. أضف أن القانون الأساس حينما قرر أن الشعب هو مصدر السلطات، قرر مع هذا المبدأ الهام أن ممارسة السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، يجب أن تتم وفق الوجه المبين في القانون الأساس أي وفقا لنصوصه. وما دامت نصوص القانون الأساس قد خلت من سن هذه الصلاحية للرئيس، فلا يستطيع الرئيس أن يضيفها لصلاحياته ولو أن الشعب مصدر السلطات، ذلك أن السلطة التشريعية هي ممثلة الشعب كما أن الرئيس ممثل للشعب أيضا. فضلا أن النظام السياسي الفلسطيني إن وجد- فهو نظام مركب وغير متناسق ولا يمكن وصفه الرئاسي ولا بالبرلماني ولا بالجمعية، لذلك لا نستطيع أن نقيس على أحكام أي من هذه الأنظمة قواعد قانونية، فضلا أن لا أعراف دستورية لدينا نظرا لحداثة سلطتنا الوطنية الفلسطينية وسلطاتها الثلاث.

كما أن الرئيس لم يؤت حق حل السلطة التشريعية لا في أحوال الطوارىء ولا في ألأحوال العادية وبالتالي ليس لديه الحق القانوني في الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة التي ستختصر وتؤدي إلى تقصير الولاية الزمنية للسلطة التشريعية، لأن ذلك يغدو نوعا من أنواع الحل لها. وللموضوعية فإن صلاحيات الرئيس بعد تعديلات عام 2003 هي صلاحيات بروتوكولية شكلية، وليست صلاحيات موضوعية. وغدت بالمقابل صلاحيات رئيس الوزراء أيا كان لونه وطيفه السياسي هي الصلاحيات الموضوعية وهذا واضح وجلي من نصوص الباب الثالث من القانون الأساس، والتي لا داعي لإيرادها وذكرها في هذه العجالة.

الدعوة القانونية لأجراء انتخابات تشريعية أو رئاسية مبكرة، لا تنبع من ضغوط سياسية أو ظروف قاسية أو فلتان أمني، وإنما من صلاحيات واضحة يقررها القانون الأساس أو قانون آخر. وهي صلاحية خطيرة لا يكفي إسنادها للشعب مصدر السلطات. وبالتالي فهي تحتاج لنص دستوري يقررها ويضع ضوابطها وقيودها بشكل واضح لا لبس فيه.

رب قائل إن الوطن في خطر , والأزمات كثر، والوقت عسير، والأمن غير مستتب، والمستقبل غامض والغيوم مكفهرة والسماء ملبدة بالغيوم. هذا القول صحيح تماما من الناحية الإنسانية والسياسية والإقتصادية، لكن من الناحية القانونية، فإن صلاحيات رئيس السلطة الوطنية لوحده، طبقا لنصوص القانون الأساس وقانون الإنتخابات، لا تخوله التصرف لوحده، ولا تخوله الدعوة لإجراء انتخابات رئاسية أو تشريعية مبكرة . هو يستطيع ذلك بالتوافق مع الكتل البرلمانية الأخرى فيما لو استقال أعضاء المجلس التشريعي أو سنوا قانونا لتقصير فترتهم وولايتهم الزمنية.

وإذا ابتعدنا عن القانون، واتجهنا نحو السياسة، لوجدنا أن الوفاق الوطني ضرورة ماسة والمصلحة الوطنية مصلحة أكيدة، وحكومة الوحدة الوطنية مطلب غال ويجب أن يضحى من أجله وتبذل الجهود. فالإنتخابات المبكرة لن تأتي بمصلحة وطنية وإنما فرقة وطنية وانقسام على مستوى الوطن. فضلا أن نتائجها غير مضمونة، فماذا لو فازت حماس بالرئاسة وبالتشريعي؟ ويجب أن يبتعد الجميع عن السلاح وعن الفوضى وعن الشارع وعن التظاهر وإراقة الدماء والجلوس حتى يوجد حل. ويجب على الوسطاء أن لا يكفوا عن ذلك فالحل ليس قانونيا ولا نظريا بل وسطيا.

القانون قواعد عامة مجردة، لا يخاطب الأشخاص بأسمائهم ولكن بصفاتهم. وإذا كانت السلطة التنفيذية يتعاظم دورها في كل أنحاء العالم، فإنها ملزمة بالتصرف وفقا للقانون قبل غيرها، وعليها أن تقبل بالإنتخاب وسيلة لتولي السلطة السياسية وإسنادها، وعليهاأن تلتزم بالقانون الأسمى إذا أرادت إجراء انتخابات قانونية شرعية حتى يكون مبدأ سيادة القانون حقا وحقيقة.


"القدس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018