مفردات من قاموس التعمية الطائفية../ أحمد جابر*

نزع أصحاب الشوارع الطائفية والمذهبية قفازاتهم الحريرية، وانخرطوا في حمأة مبارزة سياسية، سلاحها «لحم الغرائز العاري»، هذا، بكلام آخر، قفز فوق العوائق اللبنانية المتعارف على احترامها. واجتراء على هزّ أسس «صيغة التراضي»، التي ما زالت تشكل المجرى العام لانتظام الحياة اللبنانية. هذا، من جهة أخرى. لا يعني أن التوازن كان دائماً دقيقاً، مثلما لا يعني ان «الغبن» لم يكن متنقلاً في أروقة التشكيلة اللبنانية، لكنه يشير إلى أن الاختلال لم يتخذ لنفسه يوماً صفة «الغلبة الكاسحة»، ولم يقارب وضعية الإطاحة بترسيمة «التوازن» من أساسها... لقد عرفت الحياة السياسية اللبنانية «بضع لحظات عابرة»، بهذا المعنى، كانت فاتحة خراب داخلي، جال بأحكامه القاهرة على الجميع، ثم عاد ليستقر على قاعدة «الرضى المتبادل» عموماً، بين أطراف اللعبة الداخلية. (لحظة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ,1982 تشكل مصداقاً لما ذهبنا إليه).

حصول التجرؤ «الشوارعي» دون تهيب، حريّ به أن يدفع المعاين الى شجاعة الوضوح لدى تناول ما أفضت إليه «الحركة» من نتائج، وإلى جرأة الشرح للكثير من المصطلحات المتداولة، والمسكوت عنها، سواء بسواء. هذا الأمر، هو في أبسط الأحوال، حق بديهي للجميع، إذ لا يُعقل أن تظل التعمية سيدة الموقف، مثلما من غير الجائز بقاء الابتزاز السياسي والمعنوي والوطني، عملة تخاطب رائجة، و«بسعر صرف طائفي» مرتفع ومجز على كل صعيد!!

مصطلح أول يستحق الوقوف على معطياته وأبعاده، هو مصطلح «الديموقراطية» الذي نُسب الى «الشارع الطائفي والمذهبي»، لعله من الأصح القول، أن الديموقراطية «الجنينية» لبنانياً، كانت أولى ضحايا الانشقاقات الطائفية، وإن احتمال بنائها بات أصعب بكثير مما كان عليه الوضع اللبناني قبيل اتخاذ هذا الوضع صفة «النقاء الطائفي» من كل الضفاف.

ما يعلنه الاحتشاد المذهبي الآن، يذكي التشدد ويستنبت الخرافة، ويروج الأسطورة، ويرفع من قيمة «الذات الخاصة» ويسقط كل ذوات اخرى... ولا يتعايش مع «أضداده» الا على سبيل المجاملة، والاضطرار السياسي الآتي. هكذا بتنا نسمع مفردات غريبة على أسماع «الصراع اللبناني»، واشتراطات من عيار «إما وإما» لا تمت بصلة الى واقع «الديموقراطية التوافقية» التي هي تعايش الطوائف، ضمن قنوات الحد الأدنى من اللغة المقبولة والمصالح المعقولة.

قد يقول قائل، إن الحشد الضخم الذي شاهده اللبنانيون لم يشهد «ضربة كف»... صحيح، لكن الأمر ليس أكثر من «انضباط تنظيمي» ينتظم أكبر انفلات سياسي على مقومات الوطن المتعارف عليها، وأهم عائق عملي، أمام إعادة احتمال إطلاق هذه المقومات وترسيخها. لقد غذى الحشد الانقسام وأحدث شرخاً عميقاً في البنية اللبنانية، وأطلق مخاوف إضافية، لم تكن معروفة في الحياة المجتمعية الوطنية، عنينا بها إثارة النزاع السني ـ الشيعي، مما لم يكن معهوداً على امتداد عمر التجربة «الكيانية»!!

قال أحدهم ذات يوم في لبنان «الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية»، لعل القليل أصيب ايضاً في هذه الأيام، بعد أن طافت حرية الطوائف وتجاوزت ما هو معروف من سدود وحدود... هذا ناهيك عن أن الديموقراطية لا تنبت في آنية الطوائف، وهذه لا تعطي ما ليس منها، «ففاقد الشيء لا يعطيه»، والفقدان هنا ايديولوجي وسياسي وتنظيمي ومجتمعي... وعلى كل الأصعدة التي تمّت إلى الديموقراطية بصلة.

مصطلح ثانٍ هو مصطلح الوطنية. لقد آن «للكثرة الصامتة» أن تعلن ارتيابها بجل ما تعتبره الطوائف والمذاهب وطنياً، فالوطنية كما جرى تعريفها وممارستها، على الطريقة اللبنانية، هو كل ما يلائم مصالح هذه الطائفة او تلك او هذا المذهب او ذاك، داخلياً... حتى الشعار «الوطني العام» يفقد مضمونه الوطني الداخلي الجامع، عندما تأخذ رايته الطوائف، إذ إن كل حصاد من هذا الشعار، يُراد له أن يصبّ حصراً في خانة الطائفة التي أمسكت به وعملت تحت رايته.

بداهة، لا تعرف الوطنية اللبنانية إلا مرتبطة بالمصالح الداخلية اللبنانية أولاً. الاجتهاد حول سبيل تأمين هذه المصالح، والاختلاف فيها وحولها، بديهي هو الآخر، لكن كل تعارض مع محصلة التوافق حول المصلحة الوطنية العامة، والعمل ضد أحكامه، يصير «وطنياً، بالنسبة الى تعريف الوطنية ذاته. كذلك كل ارتباط بأي خارج كان، هو شأن غير وطني، ونقول «ارتباطاً» وليس تعاوناً، او تحالفاً او اتفاقاً... لأن الطوائف لم تعتد التحالفات بل التبعية، وأوضاعها وتفسيراتها لمصالحها لا تتيح لها أكثر من الإقامة في الوصاية، شرقية كانت أم غربية، وأجنبية كانت أم عربية... ولو أردنا استعراض العمر «القصير» لتجربة الاستقلال اللبناني لوجدنا أن عمر «الاستقلالية» أقصر بكثير مما يتداوله «أبطال الاستقلالية»، ولو أردنا استعادة تقويم الاستقلالية، بعلاقتها الوثيقة بالوطنية، لعثرنا على النذر اليسير الذي يسفّه كل التضخيم الذي يبثه «أبطال الوطنية».

لقد ارتبطت «الوطنية» عموماً بمسألة صياغة موقع لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي، وارتباط «البلد» بقضايا العرب وانتسابه إلى مصيرهم، الذي صار مصائر متفرقة. تحتاج هذه المسيرة «الموقعية» الى إعادة تقويم، والى تجديد قراءة، خاصة ان الحدث «الجماهيري» اللبناني الحالي، يعيد طرح «الوطنية» مرتبطة بالموقع اللبناني من المنظومة العربية والدولية، بشكل حاد، وعلى نحو انقسامي واضح... ودائماً لأسباب داخلية أولاً وقبل كل اعتبار.

لقد كان للصراع حول الموقع اللبناني محطاته، ولطالما اتخذ «الوطن الصغير» وضع الساحة، من خلال إصدار فريق من بنيه على ربطه بقضايا العرب الكبرى، وجعله واحداً من المواقع المتقدمة لهذه القضايا. لم يخل الأمر من لعبة المحاور الدولية التي زجّ، فريق من «الأبناء» وطنهم فيها، تطلباً لحسم موقع «البلد» الإجمالي في وجهة محددة... لقد آل الأمر الى فهم لبناني غالب إلى أحكام اللعبة الدولية وتنبّه متنامٍ لمخاطرها وحذر مضطرد من خفايا كواليسها، كذلك استقر الوضع على قبول غالب بتحديد اسرائيل كخطر أول وأساسي على البنية اللبنانية، وعلى انخراط آمن في بنية الوضع العربي، بعد أن ودّع هذا الوضع «نضاليته» وانصرف إلى التخبط في شؤون «براغماتية» لم تفلح حتى الآن في ترسيخ المصالح العربية في أروقة «الروزنامات» الدولية المتداولة، والمقيمة على حراك وتبدل دائمين.

بشكل عام يجب القول، وبعد تجارب لبنانية مريرة، أنه لا يحق لفريق لبناني، الانفراد بتحديد الموقع الوطني للبنان، مثلما يجب أن ترفع العوائق الداخلية في وجه تعريفه المنفرد، تمهيداً لمنع ممارسته المنفردة... وفي مكان آخر، لا يحقّ لأي فريق لبناني إعادة تقسيم اللبنانيين، وطنياً، وفقاً لتعريفاته، سواء طُرحت الوطنية بانتسابها الى «اللبنانوية»، أو طرحت مقرونة «بالعروبوية والإسلاموية»... فالحال إن القضايا الكبرى تفككت كما سلف، والباقي مصالح كبرى لدول المحيط العربي الشقيق، او لدول المنطقة «الصديقة»، التي تتحرك بوسائل شتى لانتزاع هذه المصالح وفرضها على منظومة العلاقات والمصالح الدولية. كل إسقاط لهذه الاعتبارات، ومن قبل اي فريق لبناني، يعادل إعادة رهن المصير الوطني العام لمصلحة مشاريع فئوية في الداخل، على علاقة بمشاريع تتجاوز قدرات «الوطن» وواقعه في الخارج. يرتبط موضوع المقاومة في لبنان، بهذا المصطلح الثاني، لكنها جديرة بالمعالجة كمصطلح قائم بذاته، لما تثيره في الحياة السياسية اللبنانية من حراك ملموس، ولما تجسّده، بشكل محسوس، كإرث لبناني متحدر من الحقبات «النضالية العربية»، وانتساب «النضالية اللبنانية» الى الحيز الأوسع من هذه الحقب.

على سبيل الوضوح من المهم القول إن نسخة المقاومة الاسلامية الأخيرة لا تختزل كل التاريخ المقاوم والنضالي اللبناني، لذلك لا يحقّ لها التصرف بكامل هذا التاريخ، أكثر من ذلك يجب أن توضع هذه المقاومة موضع النقد في كل مرة يلوح فيها إمكان، وواقع التلاعب بما أسسته شرائح وأجيال لبنانية متعاقبة.

من المفيد القول ايضاً، إن فعل المقاومة لا يشكل امتيازاً لأحد، ومردود النجاح المقاوم يؤخذ من الانخراط في البنية اللبنانية وبالتواصل معها، ومن إغنائها وتزخيم مناعتها، وليس من الخروج عليها او البقاء خارجها، ومن الخضوع لأحكامها وليس من تطويع البنية لأحكام المقاومة الخاصة، التي تظل في الواقع اللبناني المعروف فئة محددة بجغرافيا بعينها و«باجتماع» خاص، وبتاريخ مخصوص... وهذه كلها أمور تحتاج الى تضافر لبناني عام وسياق سياسي شامل لجعلها عامة غير فئوية.

لقد بات اللبنانيون، وهذا من الضروري إعلانه، أمام مقاومة أنجزت مهمتها، أي صار فعلها ماضياً، مما يطرح أمر مستقبل قواها. نستطرد للقول، إن ما تبقى من أرض محتلة في مزارع شبعا، لا يستحق إدامة «احتلال البلد» باللا استقرار، مثلما لا يستدعي استمرار تعليق مسيرة النهوض اللبناني الاقتصادية والاجتماعية حتى إشعار آخر... هذا يستدعي تفكيراً لبنانياً عاماً في السبل الأنجع لقيام «الدولة اللبنانية» وتفاهماً عاماً حول السبل الأفضل لاسترداد ما تبقى من أرض محتلة... أما الخطر الاسرائيلي الذي جرى التوافق عليه، فعلاج شأن التصدي لاحتمالاته واختراقاته، موضوع نقاش دائم، تحت سقف «الدولة» المتوافق على قيامها... ومن باب الاستطراد ايضاً، ان الخطر المشار إليه ليس عسكرياً فحسب بل هو اقتصادي وثقافي واجتماعي وأمني... لذلك فالتصدي له يقتضي معالجة شاملة، يحتل البند «القتالي» موضعاً فيها، ولا يصادر كل البنود الاخرى. من البديهي القول ان كل انصراف منفرد الى معالجة الخطر هو خروج على الحياة العامة، وان كل تهوين من شأن هذا الخطر هو تعريض لهذه «الحياة» للاهتزاز الدائم، وان كل إيكال لهذه المهمة الى فريق دون غيره هو قبول بالنزول عند أحكام مصالح هذا الفريق، مما يساهم في منع قيامة «الدولة» كمرجعية، من أساسها، ومعلوم ان لهذه «الخلاصة» ما يتبعها من تداعيات على المصير الوطني العام.

إعادة الأمر المقاوم، الى «الدولة» كضابط اجتماعي وسياسي عام، مدخل أساسي للجمع، وما خلا ذلك قبول بإدامة «الفرقة» على قاعدة رفع مهمة بعينها الى مرتبة «اللانقاش»، ووضع أهلها في المصاف نفسه، ثم الرضى بجعل الخطاب الداخلي خطابات، بعضها يشتكي من ضيق «ذات السياسة» وبعضها الآخر، ويتمسح بقداسة المهمة، علماً أن كثيراً من المتزلفين تحيط بهم «النجاسة» من كل صوب.
ما زال اللبنانيون في خضم التعمية... آن لهم أن يركبوا مركب الوضوح، لكي يستحقوا الوصول إلى شاطئ الوطن.

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018