الثيران.. والمسلخ!!../ هاني حبيب

المأساة الدموية التي تشهدها شوارع قطاع غزة بكل مدنه وقراه ومخيماته، لا تشير إلا الى أن الانجرار الى الهاوية لا يحتاج الى اي جهد، لأي سبب كان، سرعان ما ينزل المسلحون الى الشارع يحتلونه، ويغلقون او يفتحون المنافذ، يتقاتلون ويفرضون حظر تجول غير معلن، في مناطق لم تنجح اسرائيل في اجتياحها، خاصة في قلب المدن، المسلحون يتخذون من الشعب رهائن، وهو وضع افضل ممن لحقهم القتل او الخطف، وفي هذه المذبحة، ليس هناك من مسؤول عنها، فكل طرف ينحي باللائمة على الطرف الآخر، عمليات ثأرية مخيفة، دموية ووحشية، حيث تقوم "دولتان" في كل شارع وكل حي وكل مدينة وقرية ومخيم، المدارس باتت مسيجة بالقوات المدججة بالسلاح الذي تحمله أوجه مقنعة في الغالب، الجميع يحاول أن يخفي خزيه وعاره، كأنه يعلم مقدار الجريمة التي يرتكبها بحق أبناء جلدته، قوات حفظ النظام والأمن، شرعية وغير شرعية، باتت قوات لحفظ الفوضى والفلتان، بل انها باتت هي الفلتان والفوضى وانعدام الأمن.

اليوم، عطلة إجبارية في كل مدارس قطاع غزة، بعد أن جرح عدد من الطلاب وهم يهمون بالهروب من مدارسهم التي أصابتها النيران المتقاطعة، هؤلاء الطلاب، طلاب المدارس، كانوا وقوداً لمظاهرات ومشاحنات الفصائل، كان كل فصيل كبير، لا يجد أمامه لإنجاح مظاهرته سوى المدرسة كي يفتح أبوابها داعياً الطلاب الى حمل أعلامه - وليس علم فلسطين طبعاً - والاصطفاف وراء الهتافات التي بالكاد يعرف معظم الطلاب مضمونها، هؤلاء الطلاب، باتوا اليوم وقوداً للصراع الدائر بين المتقاتلين، باتوا رهائن، في افضل الاحوال، إما في مدارسهم المطوقة بالمتحاربين او محاصرين في منازلهم مع ذويهم، ظناً ان البيت، هو المكان الاكثر أماناً، مع ان طلقات المتحاربين، وقذائف المورتر والصواريخ، لا توفر بيتاً آمناً ولا مؤسسة أهلية، ومع ذلك، فكل طرف ينحو باللوم على الطرف الآخر، بينما الدم ما زال ينزف، والقضية الوطنية في مهب الريح، وكل طرف، لديه من المبررات والأسباب ما يجعله الأكثر قدرة على تمثيل الشارع الشعبي.

وهل جاء هذا الانفلات المتزايد في القوة المسلحة في الشارع، بسبب دعوة ابو مازن لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، أم جاء بسبب رفض حركة حماس لهذا الخيار، لا يهم لا كثيراً ولا قليلاً من المتسبب في هذه الفوضى القاتلة، فقد حاولت الوساطات الفلسطينية، الشعبية والجهاد والديمقراطية ولجنة المتابعة، فرض تهدئة على المتقاتلين، لكن مثل هذه الوساطات ما كان لها أن تنجح لأسباب عديدة، اهمها انه لا تتوفر هناك إرادة حقيقية للاستسلام لإرادة الشعب بوقف هذه الملهاة الدموية، اضافة الى الوساطات واللجان التي تم تشكيلها في الأحداث السابقة، لم تحدد المسؤول عنها، رغم الوعود المتكررة بذلك، هذه الوساطات كانت تفتقر الى الحد الادنى من الشجاعة لتشير الى المتسبب في الأحداث الدموية السابقة، وبالتالي يظل "الحق على الطليان" في كل الاحوال، مع ان الجاني معروف في اغلب الاحيان.

وربما خجلت المنظومة العربية وجامعتها من صمتها على ما يجري، فبدأت بتحرك خجول بالدعوة لوقف الاقتتال وبفاعليات مترددة للانزلاق في وساطة ربما لا يريدها احد، المؤتمر الاسلامي يحاول التدخل ولكن من دون أمل، ويقال بهذا الصدد ان أطرافاً عربية واقليمية لها مصلحة فيما يجري، ويذهب البعض الى اكثر من ذلك، إذ يتهم هذه الاطراف بأنها وراء ما يجري في أزقة قطاع غزة، ويبرر هذا البعض ما ذهب اليه الى ان تقرير بيكر - هاملتون الذي اوصى بضرورة تسوية النزاع في الشرق الاوسط خاصة الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، كمقدمة لا بد منها لإنقاذ الولايات المتحدة من أوحال حربها الخاسرة في العراق، هذا يعني، أن أطرافاً عربية واقليمية تسعى الى تحسين موقفها بالإمساك اكثر بالورقة الفلسطينية، كي يتعزز موقفها أمام اعادة الولايات المتحدة لتقييم سياستها في الشرق الاوسط، وبينما تدور العمليات الاحترابية في قطاع غزة والضفة الغربية بهدف حسم تمثيل الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة، هناك قوى اقليمية وعربية تسعى لامتلاك الورقة الفلسطينية بكاملها لإقناع واشنطن بأن "تتنازل" اكثر لكسب ودها. ولعل هذا ما يفسر عدم جدية الجهود العربية والاقليمية للتوسط الحقيقي من اجل وضع حد للاقتتال الداخلي الفلسطيني، ويشير هذا البعض، الى ان ما جرى ويجري في لبنان هذه الايام، ليس ببعيد عن سياق ما يجري في المناطق الفلسطينية، القطاع والضفة.

والحال هذه، لا يبدو في الأفق حل للمأساة الدموية، والتي باتت على مشارف الانزلاق الفعلي في حرب أهلية، هذا اذا ما انزلقت بالفعل الى هذا الدرك، ولا يكفي القول ان الشعب الفلسطيني ليس لديه ثقافة الحرب الاهلية، فكل الحروب من هذا النوع، التي نشبت في اكثر من بقعة من بقاع العالم، كانت بسبب ثقافة تلك الشعوب المشبعة بالحرب الأهلية، مثل هذه الحرب لا تأتي نتيجة ما لدى الشعوب من ثقافة، وهي لا تأتي في الغالب نتيجة قرار من أحد، بما في ذلك القوى التي تنضوي في اطارها، في لبنان، خيضت حروب أهلية اكثر من مرة، في النصف الثاني من القرن الماضي، عاش لبنان حربين أهليتين: العام 1958 والعام 1975، مع ذلك فإن الثقافة السياسية السائدة في لبنان هي ثقافة "لا غالب ولا مغلوب" ومن خلال الحوار، ونزلت المعارضة اللبنانية مؤخراً الى الشارع، دون سلاح وبأعلى درجات التنظيم، هذه هي ثقافة الشعب اللبناني الذي انجرّ الى حربين أهليتين في اقل من عقدين من الزمن.. فهل نحن محصنون فعلاً من مثل هذه الحرب؟!

اسرائيل تقول ان التهدئة مع الفلسطينيين تقتصر على قطاع غزة، وبالتالي فهي تقوم بعمليات الاغتيال المنظم في الضفة الغربية، وبشكل منهجي، على اساس ان الفلسطينيين في قطاع غزة، اكثر نجاحاً في اغتيال انفسهم، اسرائيل لا تعترف بالتهدئة عادة، لكن هذه المرة فهي تقف على "الحياد" وتكتفي بالتحرك العسكري في الضفة، والتفرج الممتع على ما يجري في قطاع غزة، مع ذلك، لا احد يشير الى هذه المفارقة المفضوحة، ولم تكن كافية لإقناع المقتتلين، الذين استباحوا المستشفيات والمدارس وكل زاوية في شوارع وأزقة قطاع غزة.

هذا ما يستدعي، من وجهة نظرنا، أن تقوم الضحية من سباتها، الشعب - الرهينة ليتحول الى أداة ضغط هائلة لوقف الاقتتال، لا بد من تحرك شعبي منظم، بالتظاهر والاعتصامات والأنشطة المدنية، نعلم ان هذا الامر ليس بالسهل، لأن الشعب المقهور من الاسرائيليين ثم من المقتتلين، وصل الى حالة من الإحباط وانعدام الأمل، والاستسلام للإرهاب المنظم، لدرجة ما عاد قادراً على القيام بدوره، بحيث بات شاهداً وشهيداً على ما يجري من أعمال دموية هو ضحيتها وفريستها، في غياب تيار ديمقراطي حقيقي بعد القصور المريع الذي بات يميز الفصائل الديمقراطية - سابقاً - وبالتالي فإن مثل هذا الدور، سيظل وإلى أجل غير ممكن التكهن به، مصادراً وغائباً.

في احدى مسرحيات الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان، يقول البطل: لقد تزاحمت الثيران متحمسة كي تكسر باباً معيناً، وبعد أن كسرته، اندفعت الى الداخل لتجد نفسها في المسلخ!!.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018