في طريـق بـلير إلى فلـسطين / تحسين يقين

زيارتا رئيس وزراء بريطانيا لفلسطين غير مميزتين، ونتائجهما تشير إلى أنه كان بالإمكان أن يوفر الـمستر توني بلير تعبه وأن يوفد بدلا عنه وزير الخارجية؛ ذلك أن نتائج زيارة زعيم كبير كبلير يجب أن تكون منسجمة مع عظم الشخصية. ورغم ذلك فقد أصرّ الزعيم البريطاني على الـمجيء بنفسه إلى فلسطين وبالطبع إلى إسرائيل.

بالنسبة لي كمواطن فلسطيني لست مقتنعا أن رئيس وزراء بريطانيا قلق جدا علينا لدرجة قدومه إلى رام الله، كما أنني غير متحمس لتفسيرات الساسة في بريطانيا وغيرها بأن بلير إنما يأتي إلى هنا فقط للتغطية على فشله الداخلي في بلده وفشل سياسته في العراق.
إذن لـماذا جاء بلير؟

قبل الإجابة التي تأتي في باب الاجتهاد، من الـمناسب ملاحظة تصريحات بلير في الـمؤتمر الصحفي مع الرئيس أبو مازن والـمؤتمر الثاني مع رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولـمرت:

لقد كانت تصريحات بلير في رام الله أكثر مساحة، حيث ركز بعد كيله الـمديح للرئيس على خطابه على أهمية دعم الشعب الفلسطيني والرئيس آملا أن يتمكن من وضع مبادرة تسمح "لنا خصوصا بدعم التنمية وإعادة الإعمار للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني"، ذاكرا أن "الأسابيع القليلة ستشهد تحركا بهدف إحداث تغيير جوهري في الأوضاع القائمة" مضيفا بأن "الأسابيع الـمقبلة ستكون حرجة لنا جميعا". ولـم ينس التذكير بأهمية قبول "حماس" لشروط الرباعية من أجل قبولها في الأسرة الدولية.

على ضوء ذلك وعد أبو مازن بلير بالاستمرار بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي ستتعامل بإيجابية مع قرارات الشرعية الدولية.
في مؤتمره مع أولـمرت أخذ من الأخير الـمبادرة للتبشير بوعوده الـمشروطة للشعب الفلسطيني نيته إجراء لجنة إسرائيلية فلسطينية مشتركة لبحث موضوع الـمعتقلين، وإمكانية الإفراج عن "أموال" فلسطينية تحتجزها إسرائيل، مركزا على دعم اعتدال الرئيس محمود عباس، وهو ما أكد عليه بلير.

غير معقول أن يأتي زعيم بريطانيا إلى هنا لتحقيق هذه الـمنجزات الـمتواضعة، ومع عدم تكذيبي لوعود بلير "في الأسابيع القليلة..والـمقبلة" ومع تفاؤلي وتصديقي لـما يأمله بلير من وضع مبادرة تسمح لبريطانيا بدعم الشعب الفلسطيني للتخفيف من معاناته، إلا أنني غير مقتنع أن زيارة بلير إلى هنا هي لتحقيق هذه الـمقاصد، ولو كان الهدف منها هو ما أعلنه بلير لكان بالإمكان تحقيقه وهو هناك في شارع الحكومة بلندن.

إذن لـماذا جاء بلير إلى هنا قاطعا مسافات ليست بالقليلة؟
لـم تسعفنا تصريحاته ونتائج لقاءي القمة بينه وبين أبو مازن وأولـمرت كل على حدة في تفسير الزيارة الأخيرة، وبالطبع التي قبلها قبل بضعة أشهر فقط!
سنحاول الاطلاع على ما ذكره تقرير معهد الأبحاث البريطاني "كاثام هاوس" لربما استفدنا شيئا يقوي أدواتنا التحليلية:

في تقرير الـمعهد الـمنشور في 17/12/2006 أي في الفترة التي كان توني بلير موجودا في الشرق الأوسط ثمة حكم سيرتاح له كارهو سياسة بلير في العراق بشكل خاص، ألا وهو أن "بلير لـم يتمكن من التأثير على السياسة الخارجية للرئيس الأميركي جورج بوش رغم كونه أبرز حلفائه.. ورغم التضحيات العسكرية والسياسية والـمالية التي قدمتها بريطانيا". وهذا الحكم التقريري هو حكم نقدي بالطبع، حيث يتبع تقرير الـمعهد هذا الحكم اعتبار "أن اجتياح العراق عام 2003 كان خطأ رهيبا".

أما توصية الـمعهد فهي "أن على رؤساء الوزراء البريطانيين أن يعملوا مستقبلا على زيادة التقارب في العلاقات مع أوروبا وعدم تقديم دعم مطلق للسياسة الخارجية الأميركية".
ورغم أن التقرير لـم يذكر الأماكن التي كان يمكن تأثير بلير على بوش فيها، فإننا نتوقع أن يكون الشرق الأوسط منه: العراق وفلسطين على وجه الخصوص.

ولـما كانت زيارة توني بلير هي لأكثر من دولة منها فلسطين، فإن تفسير زيارته لفلسطين إنما تأتي في هذا السياق وليست خاصة بنا.
التقرير البريطاني تحدث عن ولاء بريطاني لأميركا، الذي يجب أن يتغير لصالح التقارب مع أوروبا.

ولو كان معدو التقرير جريئين بما فيه الكفاية لقالوا: انه بعدما كانت بريطانيا تقاتل حتى آخر جندي فرنسي، فإن الولايات الـمتحدة أصبحت تقاتل حتى آخر جندي بريطاني! وهي عبارة قيلت عن العلاقة التحالفية التي ربطت بريطانيا بفرنسا الـمتنافستين في الأصل، حين كانتا تضطران للقتال جنبا إلى جنب ضد عدو مشترك.

بريطانيا تنافس أميركا على عادة الدول الكبرى الاستعمارية، لكنها تدرك تواضع قوتها بجانب قوة أميركا، وهي منذ سنوات ما بعد الحرب العالـمية الثانية، بل بعد خسارتها في حرب السويس عام 1956 بشكل خاص وهي تحاول تقاسم الثروات مع الدولة الشابة القوية أميركا، إلا أن الشابة القوية لـم تكن في عجلة من أمرها ويبدو أنها كانت تؤثر الانتظار لترث ملك الامبراطورية العجوز، وهكذا حصل ويحصل حتى الآن.

ولـم يكن تحالفهما في العراق إلا أملا عاد ليراود البريطانيين علّ الأميركان يحنون عليهم بما يجودونه عليهم، لكن الفشل الـمتكرر للسياسة الأميركية في العراق في ظل مزاح إيران السيئ فيها أعاق الكرم الأميركي الـمنتظر.
لقد ابتعدت بريطانيا عن أوروبا القريبة منها طمعا بما يوجد عند أميركا البعيدة التي أصبحت قريبة بعد أن احتلت الشرق الأوسط!
والنتيجة عادت بريطانيا بخفي حنين!

لذلك فإن زيارة بلير إلى فلسطين والشرق الأوسط هي محاولة بريطانية ربما لإثبات الذات أمام أوروبا من جهة ومناورة أميركا للضغط عليها بأن تكون أكثر حنانا وتنسيقا على قدم وساق معها بما يلائم "بريطانيا العظمى".
لقد رأت بريطانيا في مبادرة إيطاليا وأسبانيا وفرنسا الأخيرة ما يمكن أن يعد مبادرة للفعل خصوصا أنه من الـممكن أن تنضم ألـمانيا للدول الثلاث، وما يمكن أن يبلور من مبادرة أوروبية قريبة، ولأن الـمبادرات لا تقدم لسواد عيون أحد، ولأن الـمبادرات تعني منح الـمبادرين امتيازات فقد رأت بريطانيا أن عليها التحرك بشكل فردي حتى يكون لديها مجال للإمساك بالعصا من الـمنتصف.

فهي أي بريطانيا مع الولايات الـمتحدة إن نجحت أميركا خصوصا إذا استطاعت تنفيذ توصيات تقرير بيكر ــ هاملتون الذي بالطبع يرسخ التفوق الأميركي وما يعني ذلك من محافظة على مصالحها الاستراتيجية.
وهي أي بريطانيا مع أوروبا إن ازداد سقوط أميركا في مستنقع العراق، وكان على أوروبا مد يد العون وطبعا كله بثمنه، وبذلك تضمن بريطانيا حصتها من الـمحافظة على مصالحها وأطماعها الـمستقبلية.

لذلك فإن زيارة توني بلير إلى بلادنا إنما تأتي في الطريق إلى ضمان الـمصالح الاستراتيجية البريطانية على الـمدى الـمتوسط والبعيد، وبالطبع ليس لذلك علاقة بقلق بلير على الأوضاع في فلسطين.


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018