إيهود اولمرت بات يعرف طرق التقبيل!.. / ناصر السهلي

لنبدأ بمشاعري الشخصية، فقد شعرت برغبة بالتقيؤ وأنا اشاهد هذا المنظر يتكرر ... لقاء يصر فيه ربما إيهود اولمرت القاتل والمصدر للاوامر لقتل وإعدام ميداني لأبناء من الشعب الفلسطيني وتلطخ يديه بالدم اللبناني الذي لم يجف...
سأفترض وبحسن نية أن القبلات الحميمة التي طبعها رئيس السلطة الفلسطينية لم يرغب أن يتكرر المشهد، هذا إذا كانت لغة الجسد التي قرأتها لم تكن تمثيلا... لكن المشهد إستمر في تقبيل بين أحمد قريع أبو العلاء والبقية ممن مد إيهود اولمرت يده الملطخة بالدماء باتجاههم... لكن ألا يبدو أن اولمرت بات يعرف الطريق إلى مزيد من فرض المشاهد المتناقضة ...؟

يقولون بأن اللقاء جرى الترتيب له لفترة طويلة وكان من المفترض ان يتم يوم الاثنين، لكن يبدو أن السبت كان بالنسبة لاولمرت أكثر حميمية في جعل زوجته تعد طاولة عشاء العمل فبدا الطرف الفلسطيني ( المفاوض) هادئا ومرتبكا ومدركا بفعل ذكائه الذي يفوق ذكائي وذكاء معظم الشعب الفلسطيني بأن القبلات تلك لم تكن إلا مقدمة لحالتين مأزومتين.. حالة اولمرت الذي تتجاوزه إستطلاعات الرأي وحالة عباس الذي لبس القفازات بوجه الحكومة الفلسطينية فلم يعد يعرف كيف ينزعها...

على كل، ماهي النتيجة؟
السيد صائب عريقات،الذي ما زلت أكن إحتراما له منذ إعتماره الكوفية في مدريد ولاكاديمية كانت دائما هادئة ومحترمة لعقل الفلسطيني الذي لا يعاني من قلة ذكاء، وعلى غير عادته التي ظهر فيها مؤخرا فاقدا لاعصابه وهو يتحدث عن الازمة الداخلية الفلسطينية بدا هادئا هذه المرة ... فقبل يوم واحد من اللقاء قال عريقات وبالحرف الواحد " هذه أموال الشعب الفلسطيني ويجب الافراج عنها كلها" معتبرا التصرف الاسرائيلي قرصنة وذلك في رد لتهمة أن سلطة الرئاسة هي التي تؤخر إستعادة الاموال... فما كان من اولمرت إلا أن وعد بعد عشاء العمل الا بدراسة الافراج عن 100 مليون من اصل 500 مليون وكأنه يمن على السلطة والشعب الفلسطيني بشيء من حقوقه...

الاسرى قضية أخرى، فلا بد ان الجواب جاهزا عند الوفد المفاوض: حماس أعاقت الافراج عنهم بأسرها لجلعاد شاليط... هم يحفظزن اسمه ويضع اولمرت في لفتة من النفاق السياسي صورته في مكتبه، بينما أكثر من 10 آلاف أسير ومعتقل فلسطيني يقبعون منذ عقود في معتقلات اولمرت بينهم نساء واطفال هم رهائن عقلية الاحتلال التي يتم التسامح معها محليا ودوليا ... أما شاليط فقد أعقب أسره خطف نواب ووزراء إنتخبهم الشعب الفلسطيني... وتذكر أخيرا السيد صائب عريقات بأن هناك أسماء لهؤلاء الاسرى ومنهم من قضى ثلاثة عقود في المعتقلات الصهيونية... عدا عن الاسرى الذين يتم إعدامهم ميدانيا وهم أيضا فتحاويون ومن شتى الانتماءات...

ألم يكن باستطاعة الوفد الذي "زار" اولمرت أن يكون أكثر شفافية مع الشعب الفلسطيني ليقولوا لنا وبوضوح ماذا دار على الطاولة وتحتها في ظل الاقاويل والاشاعات التي تكبر مثل كرة الثلج؟ فإذا كان شاليط مقابل كل تلك الالاف من الفلسطينيين فكيف لاولمرت أن يشترط ولا يشترط الوفد الندية والتبادلية بدل قبول العنجهية الصهيونية التي تعتبر نفسها فوق كل الاعتبارات البشرية والسماوية....

يُقال بأن أولمرت وعد بدراسة تخفيف الحواجز! والتجربة الفلسطينية عريقة مع إحتلال وصفه جيمي كارتر بأكثر مما هو مسموح لنا وصفه... فبادرة "حسن النية" هي أيضا منة يقدمها نظام الفصل العنصري برفع حاجز هنا وتكاثر الحواجز مثل الفطر هناك... دون إحترام لعهد أو وعد... أم أننا نسينا ما جرى في أريحا وكيف تم إقتحام السجن "الدولي" ليتم إعتقال امين عام تنظيم فلسطيني ورفاقه تحت عجز السيد صائب عن فعل شيء تجاه الوعود والعهود...

هذه ربما قراءات يعرفها القاصي والداني من الشعب الفلسطيني ولا حاجة للتوسع فيها أكثر...
لكن هناك ملاحظة عجيبة غريبة يتلوها إستغراب من حقنا طرحهما... ألا يفهم ، وأنا أدرك بأنه يفهم، السيد مسؤول لجنة التفاوض في المنظمة بأن لأولمرت أجندة التلاعب بالوضع الفلسطيني من خلال إشاعة الاخبار القائلة بأنه كل الذي يجري هو لتقوية وضع الرئاسة والسلطة في مواجهة الحكومة؟ أليس من العار أن يُصمت عن تلك الاخبار التي تقول بأن "فتح" التي نحترم شرفاءها وشهداءها وتضحياتها يحولها إنتهازيون ووصوليون الى هذا المستوى من تلقي الدعم الامريكي والاسرائيلي بدون أن يقف الهرم الفتحاوي ليقول شيئا ينقذ سمعة هذه الحركة وتاريخها النضالي ( رغم الازمات التي عانت منها منذ ولادتها) ونحن على أبواب ذكرى "إنطلاقة الثورة"؟ ولأجل ماذا يجري كل هذا؟

يُدرك الاكاديمي الفتحاوي ومسؤول التفاوض في المنظمة بأن حماسته التي ظهرت على شاشة التلفزة عندما اعلن الرئيس عباس متعجلا عن "الدعوة إلى إنتخابات مبكرة" لم ولن تفيده في التخلص مما يعانيه من إرتجالية وسطوة المتنفذين الذين يتدخلون في كيفية إدارة الازمة والتفاوض....

الاستغراب الذي يحق لنا أن نطرحه هو المتعلق اولا بمجوعة من التصريحات المنفلتة من عقالها والتي تتهم هذا وذاك بتهمة سخيفة كالارتباط باجندة خارجية... والقول بأن الفصائل الفلسطينية التي عبرت عن رفضها للانتخابات المبكرة بأنها غير فلسطينية وذلك في عودة لتوزيع شهادات في الوطنية والانتماء للوطن كالحديث عن مصطلحات جديدة على شعبنا : "تغبر الاحذية بالتراب الفلسطيني"... فهل هذا معقول؟ هل يُقال للمبعد من كنيسة المهد لا دخل لك بفلسطين لأن عودتك مرهونة بموافقة الاحتلال الذي نقض الاتفاق؟ هل يُقال لمبعدين لا يستطيع لا رئيس السلطة ولا لكل أجهزتها إستصدار رقم وطني لهم... أو كما يجري الايهام بأن معبر رفح يسمح بدخول الفلسطيني والكل يعرف أنها كذبة ما بعدها كذبة... هل يُقال للاجيال التي تعيش منذ النكبة حالة الشقاء والبؤس والتضحية بعمليات فدائية مشهود لها في مقابر الشهداء المنتشرة في لبنان وسوريا والاردن ولأبنائهم الذين تمسكوا بفلسطينيتهم أن لاعلاقة لهم بما يقال او يُصاغ باسمهم ؟

إنها مفارقات الاستماتة بالتفرد وبقاء ذات الوجوه التي تعتقد بأن الله لم يخلق غيرها لتكون وصية على قضية جرى تقزيمها حتى إنحسرت عن محيطها الاوسع لتصبح قضية تنظيمات وبرامج فصائلية وإرتجالية غائبة عنها إستراتيجية حقيقية وجماعية...

والاستغراب يمتد لنسأل: كيف لا يكون لدى السلطة ورئيسها النية والتوجه للالتقاء بحكومة الشعب الفلسطيني أو الجلوس على طاولة مستديرة للحوار الوطني المفضي لوضع استراتيجية شاملة تكون حكما لكل تحرك وطني... مهما كان نوعه... وفي المقابل يكون لدى الرئيس كل هذا الوقت للقبلات والجلوس على طاولة اولمرت المأزوم والباحث عن مخرج من نافذة الشقاق الفلسطيني الذي يلعلع فيه الرصاص والهروات بدل الانتباه الى ان الجميع يعيش في سجن كبير وقتل لا يميز بين فلسطيني واخر وحصار لا يشمل حماس بل عقاب جماعي على خيار لم يرق لمجموعة من تشابك المصالح التي تريد تدجين الشعب الفلسطيني ؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018