مهمة غيتس.. وملامح استراتيجية بوش! /عبد اللطيف مهنا

وصل خليفة دونالد رامسفيلد، وزير الحرب الأمريكي الجديد روبرت غيتس إلى العراق. وفي قاعدة "كامب فيكتوري"، أو "معسكر النصر"، شمالي بغداد، التقى نخبة مختارة من عسكرييه في جيشه المحتل، ليعترف أمامهم، بما هو معروف جيداً لديهم أكثر منه، وما هم يعترفون به يومياً بأنه أسوأ كثيراً مما اعترف هو به، قال لهم أن: الوضع في العراق بالنسبة لنا "هو غير جيد بما فيه الكفاية"... ومع ذلك، فهو أكد لهم، وعبرهم لمن يهمه الأمر من سواهم، بأنه "يجب أن نتأكد تماماً من أن جيران (العراق) يفهمون أنا سنبقى هنا طويلاً، وأعني بهنا الخليج الفارسي"!

وقبلها، وفي واشنطن، كان أن أوضح الرئيس بوش في مؤتمر صحفي الهدف من إرساله لوزير حربه إلى العراق، قال:
لدينا واجب التأكد من أن قواتنا المسلحة ستكون قادرة على مواصلة خوض هذه الحرب (يقصد الحرب على الإرهاب) على المدى الطويل، وأداء المهمات المتعددة التي نطلبها منها. وأعتقد أننا نحتاج إلى زيادة العدد الدائم لعناصر الجيش ومشاة البحرية".

وبما أن بوش لا يزال يصر على أن استراتيجية إتمام بسط الهيمنة على المنطقة التي يتبعها ولم تتغير بعد، وبالأخص منها مشروعه الاحتلالي للعراق، تجري في سياق حربه الكونية الشاملة على الإرهاب وتحت مظلتها، وبدأ مؤخراً يقر بما أقر به وزير حربه الجديد في بغداد، فهو يؤشر على كنه مهمة غيتس العراقية إذ يقول:

"لهذا فإنني أميل إلى أننا بحاجة إلى زيادة عدد العاملين في الخدمة العسكرية المستديمة في الجيش ومشاة البحرية. وقد طلبت من وزير الدفاع غيتس تحديد الكيفية التي يمكن بها تحقيق تلك الزيادة وإبلاغي بقراره في أسرع وقت ممكن".

كلام الرئيس ووزير حربه يعكسان ملامح استراتيجية بوش الجديدة في العراق والمنطقة المنتظر الإعلان عنها من قبله قبل بداية العام المقتربة. وهذا يتوازى مع تسريبات أمريكية إعلامية، تقول: أنه، وفي سياق حرب بوش الكونية هذه، أو مايطلق عليه الأمريكان أنفسهم "الحرب الأيدلوجية"، وحيث يعاني الجيش الأمريكي مشكلة في عديده ناجمة عن احجام الأمريكان عن التطوع في صفوفه، يسدها البنتاغون، كما هو معروف، باللجوء إلى متطوعة مرتزقة ال"غرين كارت" من ذوي الأجور السخية المغرية، أو الموعودين بالجنسية الأمريكية، فهناك خطة طويلة الأمد يتم تدارسها الآن بين الادارة والبنتاغون جوهرها زيادة عديد القوات الميدانية الدائمة في الجيش وسلاح البحرية بمقدار 70.000 جندي... هذه التسريبات منها ما نشر في صحيفة النيويورك تايمز، والقائل، بأن العسكريين طلبوا موافقة غيتس، المتوقعة، على تحريك حاملة طائرات ثانية مع السفن الحربية الداعمة لها للمرابطة في الخليج... ولزيادة "القدرة على ضرب إيران"! وأن الحليف البريطاني التابع الدائم، أو عنه البحرية البريطانية، هي بدورها تنوي إضافة سفينتي رصد ألغام إلى أسطولها الموجود هناك. وأكملت وكالة رويترز بإيضاح الغرض من هذا، فقالت، أنه يأتي "كتحذير موجه إلى سوريا وإيران"!
هل في هذا ما يلقي ضوءاً على واحد من استهدافات لقاء بوش وبلير الأخير في واشنطن؟!

بالتأكيد... لكن المهم هو أن هذا الكلام الرئاسي ومن ثم البنتاغوني يأتي بعيد نشر تقرير بيكر-هاملتون، هذا الذي وضع اصبعه على مدى تعثر المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة، ودعا إلى تلمس سبل الخروج من الورطة العراقية، وبإختصار، إلى وجوب تغيير الأساليب التي تعتمدها الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وليس جوهر هذه الاستراتيجية قطعاً. ومع ذلك، فلا يبدو أن الادارة في وارد من يسمع أو من يتراجع، أو بالأحرى من يقوى، لأسباب أيدلوجية أو امبراطورية، على مثل هذا التراجع. يبدو هذا جلياً في كل أزمات المنطقة، التي للأمريكان، وبشهادة كل العالم، وبعض الأمريكان انفسهم، نصيب الأسد في إثارتها أو التسبب فيها أو في إدامتها أو زيادة تعقيدها، بمعنى ليس في العراق فحسب، وإنما في فلسطين ولبنان ودارفور السودان والصومال أو ماقد يستجد من بؤر مرشحة للتأزم مستقبلاً...

هذه الأزمات التي تحاول الإدارة الأمريكية الآن، رغم ما تقوله الوقائع والحقائق، وما قاله أيضاً تقرير بيكر-هاملتون، الفصل فيما بينها، وتجاهل وطيد ما يربط واحدتها بالأخرى. بل وأكثر، ان في هذا الفصل ما يتناقض أصلاً مع الاستراتيجية الأساس التي كانت الادارة الأمريكية البوشية قد بنت عليها سياساتها القاضية بغزو العراق والهيمنة على ما لم تهيمن عليه الولايات المتحدة بعد في المنطقة، والتي كانت فيها قد ربطت مشروعها العراقي بكافة أزمات المنطقة، عندما دعت إلى إعادة هيكلة الشرق أوسط الموسّع أو الكبير، وتعميم النموذج العراقي عليها.

إذن، نخلص إلى أن الاستراتيجية الأمريكية ذات التوجه الامبراطوري هي هي لم تتغير، لكن الادارة البوشية تتخبط، ولعل سِرَّي هذا الثبات الاستراتيجي وهذا التخبط يكمنان في هذا التوجه الامبراطوري الذي لاتحسن بل لا تقوى الامبراطوريات على التراجع عنه، وذلك انسجاماً مع السيرورة التاريخية للامبراطوريات المشابهة، تلك التي بلغت تاريخياً أوج قوتها وقمة قدرتها، فكانت المنحدرة من ثم لا محالة بعد هذا الوصول إلى حيث سفوح الاندثار!

... في العراق تقول بعض الاحصائيات الأمريكية أن هناك عملية مقاومة كل دقيقة أو اثنتين ضد قوات الاحتلال. نحن هنا نتحدث عن عمليات المقاومة الموجه ضد الجيوش الغازية فحسب، ولا نتحدث عن المذابح، او المذبحة المستمرة الغامضة ضد العراقيين... المذابح التي يراد لها أن تكون مكتومة السبب والمسبب، أو غير المعترف باسم مرتكبها... تلك التي يرعاها ويوجهها الاحتلال والذي يعد المسؤول عنها وحده، والتي تدور تحت مسمى الحرب الأهلية... هذه الحرب المزعومة التي هي الأغرب من نوعها في تاريخ العالم، من حيث كونها مجهولة العناوين على عكس الحروب الأهلية المعروفة بأنها دائماً الواضحة من حيث تحديد هوية الطرفين المحليين اللذين يخوضانها، وإن كان في الحالة العراقية يتم الاصرار على إعطائها صبغة مذهبية سنّية-شيعية، يصر العراقيون بدورهم، أو أغلبهم، على نفيها!

ومع ذلك، يصر الرئيس بوش وادارته على تلمس السبل والكوابح التي تخفف من وطأة الهزيمة المحتومة في العراق، مثل طلب اعتماد الميزانيات الإضافية من الكونغرس، وزيادة عديد جيشه المحتل، والضغط على جيران العراق لابتزاز المساعدة منهم على الخروج من الورطة وليس الخروج من المنطقة... وأخيراً تجييش المنطقة سياسياً ومذهبياً باسم "معسكر المعتدلين" ضد عدو إقليمي مفتعل هو إيران، كبديل عن العدو التاريخي اسرائيل ومن خلفها المشروع الغربي التاريخي أيضاً في المنطقة... أوليس هذا ما جعل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يسبق الوزير غيتس مبعوثاً من قبل بوش للمنطقة؟! وهو، أي الأخير، إذ يصر على عدم الاعتراف بالهزيمة، وكانت عادته أن يوالي اصراره على الانتصار والتأكيد عليه، بدأ مؤخراً يعترف بنوع هو عنده ما بين البين، إذ يقول اليوم، نحن في العراق "لا نربح، ولكننا أيضاً لا نخسر"!
كيف يكون هذا، أو كيف يمكن فهم استراتيجية "لا نربح ولا نخسر" هذه؟!

هنا نعود إلى مهمة غيتس، التي من شأنها اليوم أن تتلمس سبل البقاء في المنطقة، في ظل أجواء من تداعيات تقرير بيكر- هاملتون الأمريكية الداخلية، أو بالتالي، احتمالات انتقاء ما يحلو للإدارة الاستباقية منه وإلقاء الباقي في سلة المهملات... فإذا كانت الهزيمة لايمكن احتمالها او قبولها من قبل الامبراطوريات، وإذا كان الانتصار متعذرا عليها، يأتي لا محالة المنطق البوشي هذا ليؤشر على عمق الأزمة التي تعيشها الادارة الأمريكية في العراق... فماذا عن باقي الأزمات؟!

في لبنان، بوش يقول أنه "فخور جداً بالسنيورة"، حيث يتحصن الأخير بالقصر الحكومي الذي تحيط به جماهير المعارضة المليونية تطالبه بالاستقالة. وفي فلسطين يكيل الثناء لأبي مازن الذي يقرر انتخابات مبكرة تؤذن بحرب أهلية مرفوضة، لكنها بدأت واقعاً تطل برأسها بعد أن أصبحت مؤخراً عملية إسالة الدم الفلسطيني على يد الفلسطيني أمراً يكاد أن يكون مباحاً أو معتاداً... لعلها نوع آخر من هذه الحروب المرادة، إذ تختلف عن شقيقتها العراقية في وضوح طرفيها، واختلاف برنامجيهما، اختلاف منطقي المقاومة والمساومة. وفي دارفور السودانية اضطر الأمريكي الآمر الناهي في العالم أمام الاصرار السوداني على القبول مكرهاً بالدور الأفريقي المدعوم أممياً وليس الأممي أو الأطلسي المطلوب غربياً، لكن دون التخلي عن حلم التدويل. وفي الصومال أعلنت المحاكم عن قتلى في حدود المئات كخسائر ألحقت بصفوف أعدائها في أول اشتباك قالت انه دار مع الأثيوبيين المساندين لحكومة بيدوا فاقدة القدرة والحيلة، ويأتي هذا بعيد زيارة الجنرال أبي زيد إلى أديس أبابا بأيام قيل أنها كانت لتدارس اهتمامات عسكرية مشتركة...

غيتس في بلادنا... الخروج من الورطة، البقاء في المنطقة... الهزيمة ممنوعة والنصر متعذر... والأوضاع صعبة والمهمة أصعب... وهنا تظل المعالجة محكومة بمنطق نحن "لا نربح، ولكننا، أيضاً، لا نخسر"!!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018