عن التفاؤل والتشاؤم../ رشاد أبوشاور

المتفائل هو إنسان واقعي عملي، يرى قبح الواقع، ويعمل مع الآخرين على تغييره، لأنه لا ينتظر تغيّر الحال قدريّاً، فالله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.
أنا رجل واقعي، وهذا لا يتناقض مع رومانسيتي التي أحلّق بها في فضاء هذا العالم الضيّق على الفلسطيني، فهي تمنحني توازناً يمكنني من التعامل مع واقع عفن، قاس، فّظ، لا إنساني.

منذ خرجت من رحم أمي التي لا اذكر ملامح وجهها رحمها الله، وأنا في معمعة الحياة، لا استقّر، لا آخذ نفساً، لا أتوقّف عن الركض، أحمل كتبي وأرحل من بلد عربي شقيق إلى بلد عربي أشّق منه على الفلسطيني. حالي من حال أهلي، وبعض حالهم تسمعون عنه في العراق الذي كان شقيقاً فشققوه، فهناك يقتلون ويستباحون جزاءً وفاقاً على عروبتهم.

حالي من حال أهلي في لبنان، الممنوعين من العمل في 76 مهنة فقط!.. وبعد كّل هذا المنع من ممارسة كّل هذه المهن، عليهم أن يتدبّروا أمرهم ويعيشوا في مخيمات يحرّم عليهم فيها أن تكون سقوف بيوتهم البائسة من الإسمنت، حتى لا يأخذوا راحتهم، فيدفعهم حسن الظّن إلى التصرّف وكأنهم في ( بلدهم ) الثاني!

حالي من حال كّل فلسطيني يقف أمام الشرطي، في المطارات، والحدود، وقلبه يخفق قلقاً من أن تصفّد يداه ويزّج به في سجن ما وينسى، باشتباه ما، وبتهمة ثابتة هي أنه فلسطيني، وهي تهمة من العيب إنكارها مهما كانت التكلفة؟!

أنا واقعي إلى حّد أنني أرى في شعار الوحدة الوطنيّة نكتةً يستغفل بها الفلسطينيّون، وأرى في الحوار مسخرّة يضيّع بها وقتهم، فالوحدة الوطنيّة تكون كما رأيناها في فيتنام، عندما كان الكاهن البوذي بردائه الأصفر الفاقع يتصدّر صفوف المتظاهرين جنباً إلى جنب مع ( الشيوعي)، ومع الوطني الفيتنامي المستقّل، المتديّن وغير المتديّن، والجميع يسيرون لهدف واحد: تحرير فيتنام من الأمريكان، وتوحيد شطري الوطن الواحد.. والجميع يأكلون وجبة الأرّز المتقشّفة من هوشي منّه إلى أبسط فلاّح.
بين من ومن تتحقّق الوحدة الوطنيّة في فلسطين، وتحت أي هدف، وبمن يتحقق الهدف، وبأية أخلاق وسلوكيّات؟!

هل الأمر في مناطق السلطة هو هكذا؟! هل طعامنا واحد، وبيوتنا متشابهة من حيث التواضع الذي يشي بتواضع وبساطة حياة من يسكنونها؟! هل زوجاتنا يرتدين الملابس نفسها، أم تتوجّه بعضهن إلى ( الكوافير ) بحراسة ومرافقة لأنها زوجة ( قائد)؟! هل أبناؤنا يقاومون معاً؟ أم إن بعض الأبناء يستشهدون، أو يجرحون ولا يجدون العلاج بحجّة التقشّف، وبعض الأبناء يديرون الشركات العابرة للبحار، في حين يكابد (الغزازوة) لعبور معبر رفح؟!
حالة من انعدام الوزن، واهتزاز المفاهيم، وفقدان المنطق، تتحكّم بحياتنا، ومستقبلنا...
ومع ذلك فغير مسموح لنا بالتشاؤم ونحن نرى فلسطينيّاً يقتل فلسطينيّاً، إذ المطلوب هو الإجابة على السؤال: كيف يحدث هذا؟!.

غير مسموح لنا بالتشاؤم ونحن نسمع عن مليشيات عشائريّة، فهذا يجب أن يستفزّنا للتساؤل: كيف انحدرت ثورة إلى درك العشائرية الجاهلة، ومن يقف وراء هذا؟! كيف استفحلت مفهوم أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وغيّبت سلطة القانون، وصار الشاطر بشطارته، وقوّة أي قيادي من عدد مسلّحي عشيرته، وقوّة العشيرة من هيمنة أبنائها على المناصب القياديّة تنظيميّاً، والمناصب العليا في السلطة؟!.

غير مسموح لنا بالتشاؤم ونحن نرى رئيس السلطة، ومعه أبو علاء أوسلو، يعانقان ( أولمرت )، الذي وعدهم بمائة مليون دولار من أموال الضرائب الفلسطينيّة، وبتخفيف الحواجز والإفراج عن بعض الأسرى، ثمّ (بشيلوكيّة) أصيلة أرجأ الإفراج عن المائة مليون حتى لا تقع في يّد حكومة ( حماس)، وظلّ محتفظاً بنصف مليار دولار في البنوك الصهيونيّة! و..تبدّد الوعد بإزالة 27 حاجزاً من حوالي 520 حاجزاً تنغّص حياة الفلسطينيين، وتمزّق قراهم ومدنهم!..و..ستستأنف اللقاءات بعد هذا اللقاء (الإيجابي)!

ولأن الأسئلة تفتح باباً للتفكير، والتأمّل، دون تشاؤم أو تفاؤل، فإنني أسأل (بطلي ) أوسلو اللذين عانقا أولمرت بلوعة المشتاق : ما هي العبقرية التي دفعتكما للتوقيع على أوسلو، بدون سيادة على المعابر، وبدون إفراج عن الأسرى، وبإبقاء الاقتصاد الفلسطيني تابعاً لاقتصاد الاحتلال، و..ببقاء أموال الضرائب الفلسطينيّة في يّد سلطات الاحتلال، وبدون اتفاق حازم بوقف الاستيطان..أليس هذا استسلاماً فضحته الوقائع؟!

كيف نخرج من هذه الدائرة الجهنميّة، وأين هي العقول والنفوس الكبيرة، الصادقة والنزيهة والجريئة، والتي تنطلق من الولاء لفلسطين وشعبها، وليس العصبويّة للتنظيم، هذا علماً بأن كثيراً من التنظيمات انتهى عمرها الافتراضي، وما عادت سوى يافطات وباب رزق لمؤجرّي (اليافطات) التالفة.

لا يظنّن أحد أنني متشائم، لا، فأنا واقعي، لا تخدعني التصريحات التي تدعو لصون الدّم الفلسطيني وحرمته، فبعض هؤلاء الذين يبدون حرصاً على الدم هم من يوتّرون الأجواء ويسممونها، فهمّهم مناصبهم وما تدّره عليهم من أموال وجاه.

أنا متفائل تاريخيّاً، أرى أن فلسطين ستعود لنا، وسيعود الفلسطينيون لها، والعائدون سيحملون معهم عظامنا لتدفن في مساقط رؤوسنا، أو رؤوس آبائنا الأولين، ولكن..لكنني حاليّاً مقهور ومحزون، وغاضب، ومنرفز، وساخط..فعقلي ونفسي وروحي وضميري لا تتحمّل أن أرى فلسطينيّاً يوجه فوهة بندقيته إلى صدر أخيه، وأرى في هذا انحداراً أخلاقيّاً وفساداً في التربيّة الوطنيّة، وجريمة يتحمّل وزرها مضللون مصلحيون انتهازيون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018