أمريكا تأكل الحصرم والعرب يضرسون / إلياس سحّاب

ستمر سنوات طويلة، قبل ان يكشف النقاب عن كل الوثائق الامريكية التي تميط اللثام عن تفاصيل القرارات التي وقفت وراء التحرك الامريكي العسكري السياسي في المنطقة العربية، منذ مطلع عقد التسعينيات، فنكتشف، بين أسرار كثيرة، السر الذي دفع واشنطن، في ولاية جورج بوش الأب، الى الاكتفاء بإجبار النظام العراقي السابق، على الانسحاب من الكويت، وعدم مواصلة المهمة وقتها باقتحام بغداد عسكريا لاسقاط نظام صدام حسين:

* هل كان ذلك بضغط من بعض العقلاء، او الحذرين، في الادارة الامريكية، الذين كانوا يعتبرون مهمة اخراج صدام (وقواته) من الكويت مهمة مقبولة، بل مطلوبة، دوليا وعربيا، بينما اقتحام بغداد عسكريا، لمهمة أخرى هي اسقاط نظام صدام حسين، هو تورط في رمال متحركة يستحسن تلافيه بأي ثمن؟

* أم كان ذلك مبالغة في الدهاء السياسي، يبدأ بضرب نفوذ وهيبة نظام صدام، ثم يترك له مواصلة حكم بغداد بعد اعادته الى حجمه الطبيعي، لعله يستعيد طواعية الدخول في إطار اداء مهمات امريكية استراتيجية في المنطقة، تكرارا لمهمة الاشتباك الصدّامي مع الثورة الايرانية في عقد الثمانينيات؟

هذا سر من أسرار السياسة الامريكية في عهد جورج بوش الاب، سيكشف في يوم من الأيام، لكن قيادة البيت الابيض انتقلت بعد ذلك الى الديمقراطيين، مع رئاسة بيل كلينتون، ليعود الأمر الى الجمهوريين بعد ذلك مع بوش الابن، كواجهة شكلية لما عرف بعد ذلك بحكم المحافظين الجدد، وهو عصر، اذا ما استثنينا منه الغزو الامريكي لافغانستان، لاسقاط نظام “طالبان” وتحالفه مع “القاعدة”، بعد حادثة البرجين الشهيرين في نيويورك، تميز بأن النزعة الامبراطورية الامريكية قد خصت فيه منطقتنا العربية بحصة وافرة، بل الحصة الاوفر، في خطة تمددها الدولي السياسي، المعتمد على التدخل العسكري، المباشر حينا، وغير المباشر احيانا أخرى.

لقد سجلت واقعة الغزو الامريكي العسكري المباشر لبغداد، واسقاط نظام صدام حسين، اندفاعة اولى في مخطط التمدد الامبراطوري الامريكي المباشر الى المنطقة العربية في عهد المحافظين الجدد، واعتقدت قوى وفعاليات عربية كثيرة، على كل الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن قمة الهرم الى أسفله، ان نصراً امريكياً غير مسبوق قد تحقق، وأنه نصر طويل الامد، لن يلبث ان يتمدد بسرعة البرق، بل اسرع، وينشر مفاعيله على مساحة الوطن العربي من محيطه الى خليجه، وفي محيطه الاقليمي كله.

لسنا بحاجة في هذه العجالة الى استعادة تفاصيل الأحداث الفعلية بعد ذلك، التي صدرت خلاصتها السياسية والاستراتيجية فصيحة صريحة في تقرير “بيكر- هاملتون”.

لكن كيف يقرأ البيت الابيض هذا التقرير؟ او كيف يعبر عن استنتاجاته وتوجهاته بعد هذه القراءة؟

في البداية خرج علينا اعلام المحافظين الجدد بعبارة: لقد انتصرنا في العراق. وما لبث هذا الاعلام نفسه ان وجد نفسه مضطرا لمزيد من الواقعية، فخرج علينا بعبارة: نحن لا نخسر في العراق. وكانت ايام قليلة بعد ذلك كافية لفرض مزيد من التواضع والواقعية على هذه الدوائر، فأطلقت عبارة: نحن لا نربح، ولا نخسر في العراق.

غير ان هذه المناقصة رست اخيرا على عبارة هي اقرب ما تكون الى الواقع الفعلي للأمور، عندما استقر اعلام المحافظين الجدد على عبارة: نحن لا نستطيع ان نخسر في العراق.

ان هذه العبارة الأخيرة، هي الوحيدة التي تستحق التوقف عندها، وسبر أغوارها، لأنها تتجاوز الطبيعة الاعلامية البحتة لزميلاتها العبارات السابقة، الى كونها عنوانا لخطة سياسية، يبدو ان البيت الأبيض سيلتزم بها، في تحديد التحرك الامريكي الامبراطوري (أي السياسي العسكري الاقتصادي الاعلامي) في المنطقة العربية بشكل خاص، من الآن وحتى نهاية ولاية بوش في اواخر ،2008 او قبل ذلك، ربما، في حالة واحدة فقط، اذا ما حدث تطور دراماتيكي في المنطقة، يفرض على حكام البيت الابيض تسريع الخطوات التنفيذية المبنية على حقيقة ان امريكا خسرت في العراق، وانها، اذا لم تخسر مباشرة في بقية البؤر العربية الساخنة، مثل فلسطين ولبنان والسودان، فإنها فشلت في كل هذه البؤر في تسجيل نصر سياسي او عسكري، من أي نوع كان.

معنى ذلك، ان القيادة الامريكية، التي ترقص على الحبال في حيرة من أمرها لاختيار “ورقة التوت” الإعلامية التي تستر بها عورتها (خسارتها)، واضطرارها للانسحاب العسكري الكامل، والسياسي الجزئي.

“نحن لا نستطيع ان نخسر في العراق”، معناها السياسي الكامل: نحن خسرنا في العراق، وفي كل البؤر العربية الأخرى، لكننا لا نستطيع الاعتراف الإعلامي المباشر بخسارتنا، ولا نستطيع أيضاً، الانسحاب السريع، حتى لا تصاب الهيمنة الامبراطورية الامريكية في مقتل، في المنطقة العربية، وفي اوروبا وافريقيا وآسيا.

إن الانعكاس السياسي غير المباشر لهذه الخطة السياسية الواضحة المعالم والملامح (بغض النظر عن جهود التعمية الإعلامية)، سيكون تصرفا امريكياً في كل البؤر العربية المشمولة ب “بركات” الخطة الامريكية الامبراطورية المتمركزة في العراق حتى اشعار آخر، يحرك الازمات العربية الداخلية، هنا وهناك وهنالك، كدخان تعمية يغطي الانسحاب الامريكي، الذي بدأ يجرجر أذيال الخيبة منذ الآن.

هكذا كان الأمر منذ اندفاع المد الامريكي الامبراطوري في بغداد، وهكذا سيكون الأمر مع انحسار الجزر الامريكي الامبراطوري: امريكا تخسر، والعرب يدفعون الثمن.. أمريكا تأكل الحصرم، والعرب يضرسون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018