في مفارقات المواقف الاسرائيليّة الأخيرة.. / صالح بشير

هي «رسائل إسرائيل الملتبسة» على ما جاء في عنوان إحدى افتتاحيات صحيفة «هيرالد تريبيون» الأميركية، حيث يبدو كأن رئيس حكومة الدولة العبرية، إيهود أولمرت، يتوخى حيال الفلسطينيين سياسة مخالفة أو نقيضا لتلك التي يقوم وزيره للدفاع، عمير بيرتس، بإنفاذها. الأول يلتقي محمود عباس ويتخذ الإجراءات الرامية إلى دعمه وإلى ترجيح موقع الرئيس الفلسطيني في مواجهة حركة حماس وحكومتها، في حين يعمد الثاني إلى العودة إلى سياسة الاستيطان، أو إلى استئنافها على الأصح والأدق.

في الأمر ما يشبه المفارقة، وهذه لا تنحصر، بطبيعة الحال، في تبادل للأدوار قد يلوح مستغربا بين رجليْ الحكومة العبرية، يجعل اليميني العتيق والشاروني الوفي، إيهود أولمرت، يتولى الانفتاح على رئاسة عباس، واليساري ذا الخلفية النقابية والعضو السابق في حركة «السلام الآن»، عمير بيرتس، يحمل لواء الاستيطان ويظهر بمظهر من يقوم بنسف ما يقدم عليه رئيسه!

لكن المفارقة تلك لا تعدو، على الأرجح، أن تكون ظاهرية، وهي في عمقها لا تُفصح عن جديد بقدر ما تمثل امتدادا أكيدا لسلوك إسرائيلي معهود وراسخ، قوامه ٍبذل «تنازلات» من النوع الذي لا يكلف شيئا أو الذي يتيسر التراجع عنه وإبطاله، مقابل الإقدام على خطوات أحادية الجانب تخلق أوضاعا ثابتة أو يتعذر تداركها إلا بمشقة بالغة تُقدّم على أنها «تنازلات مؤلمة» بالغة الإيلام، تتكبدها الدولة العبرية من أجل إحلال السلام. وهكذا، أفرج إيهود أولمرت لفائدة الفلسطينيين عن جزء من أموال هي، شرعا وقانونا، أموالهم، من ضرائب مجتباة نيابة عنهم، ويمكنه أن يعود إلى حجبها متى ما عنّ له ذلك، كما أنه فتح معابر ليس أهين عليه من إعادة إغلاقها عند أول صاروخ يُطلق من الأراضي الفلسطينية، في حين اتخذ وزيره للدفاع قرارا بإنشاء مستوطنة في الضفة الغربية، ستستوي معلما ثابتا لا رجعة فيه، لا عاصم منه غير ضغط أميركي شديد... ومستبعد تماما. ذلك هو مفهوم إسرائيل الخاص والغريب «للتوازن»، كما يمليه ميزان للقوة معلوم مدى اختلاله.

هذا على نحو عام، ومن حيث «الفلسفة» التي تأخذ بها إسرائيل للتفاوض والتنازل. لكن يبقى أن تلك الخطوة التي أقدم عليها أولمرت، انفتاحا على رئاسة محمود عباس تنحو منحى التأييد أو التظاهر به، وتلك الخطوة المضادة التي أتاها وزيره للدفاع، معلنا إنشاء مستوطنة جديدة، إنما تمثلان وجهين من استجابة إسرائيلية واحدة لطور استجدّ ولظرف طرأ، هُما ما تبديه الإدارة الأميركية، كما عبرت وزيرة الخارجية كوندوليسا رايس أكثر من مرة، من رغبة في التوصل إلى حل للمسألة الفلسطينية، وهي التي باتت تسلم، على ما يبدو، بأنه لا مناص، من أجل قيام تحالف حولها من «المعتدلين» العرب يواجه النفوذ الإيراني، من تمكين أولئك «المعتدلين» من مكاسب على الصعيد الفلسطيني، تسوغ لهم دخول ذلك التحالف وتسبغ عليه المشروعية، ما دامت دواعيه الموضوعية، وهي ماثلة فعلا، لا تفي به ولا تكفي.

ويبدو أن إسرائيل اهتدت مرة أخرى إلى طريقة تلبية تلك الرغبة وإلى وسيلة نسفها في آن، تستجيبها من خلال إجراءات أولمرت تجاه رئاسة محمود عباس، وتخالفها من خلال قرار بيرتس، وتعتمد على «التباس» رسائلها تلك فلا تستدرج ضغوطا أو لا تستدرج منها سوى القليل الذي لا يحرج أو لا يؤذي، وهي التي تعول، فوق ذلك، على حظوتها الخاصة لدى الولايات المتحدة.

يعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى عامل معلوم، أضحى لفرط شيوعه على الألسنة والأقلام مبتذلا لا يتطلب إسهابا ولا يسلتزم إطنابا، هو ذلك الذي مفاده أن الدولة العبرية لم تستدخل يوما فكرة التسوية، فتراوح موقفها منها بين الرفض البواح (منذ شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» إلى سياسة شارون في سنواته الأخيرة) أو بين القبول بها قولا وإبطالها فعلا، من خلال توقيعها على اتفاقات لا تلتزم بإنفاذها أو المصادقة على تفاهمات (ثنائية أو دولية) لا تلبث أن تتنكر لها كما دل عقد أوسلو، من تسعينات القرن الماضي إلى بدايات هذا القرن.

لكن اللافت في ذلك الامتناع الأصلي أو المبدئي عن التسوية، هو كيفية تطوره وطريقة ملاءمته مع المستجدات والتحولات الاستراتيجية على ٍالصعيدين الإقليمي والدولي... وفي هذا الصدد، ٍربما كان سلوك إسرائيل في الآونة الأخيرة، و»رسائلها» الملتبسة الآنفة الذكر، ذات دلالة يتعين التوقف عندها.

إذ يبدو أن الدولة العبرية ٍتسلم بالتحليل الأميركي (الذي تأخذ به أيضا قوى «الاعتدال» العربية) والقائل ٍبأن الانقسام الأساسي على صعيد المنطقة إنما هو ذلك القائم، من ناحية، بين الجمهورية الإسلامية، والمنضوين تحت نفوذها، وبين محور الاعتدال العربي من ناحية أخرى، ما قد يجعل العداء العربي-الإسرائيلي يُحال إلى مرتبة ثانية أو أدنى، ولا يكون هو الذي تُصاغ الاصطفافات الاستراتيجية على أساسه، كما كانت الحال في أطوار سابقة.

غير أن إسرائيل تستنتج من ذلك غير ما قد يستنتجه الجانب العربي، وربما ذلك الأميركي، من أن التحالف المستجد أو المنشود ضد النفوذ الإيراني، والذي تطمح الدولة العبرية في أن تكون عضوا فاعلا فيه (أقله لأنها القطب النووي الوحيد المقابل على صعيد المنطقة)، يتطلب تسوية المسألة الفلسطينية، تسوية ترفع عن الجانب العربي كل حرج وتنتزع الورقة الفلسطينية من إيران المتطلعة إلى توظيفها... ربما رأت الدولة العبرية، على العكس من ذلك، أنه ليس لها أن تبذل التسوية ثمنا لقيام ذلك التحالف، سواء ضمها أم لم يفعل، وربما افترضت أن طبيعة ميزان القوة (بالرغم من مغامرتها الأخيرة في لبنان وبالرغم من إخفاق الولايات المتحدة في العراق) قد تجعلها في حل من ذلك...

ولا شك في أن المعركة السياسية ستخاض، في مستقبل الأيام، في المنطقة وحيال الإدارة الأميركية، بين هذين التصورين: ٍاعتبار حل القضية الفلسطينية حلا مقبولا شرطا شارط لقيام تحالف «المعتدلين»، كما يرى العرب، أو اعتباره نافلا غير ضروري على ما يبدو أنه رأي إسرائيل.


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018