حكومة بلير "غارقة حتى الرُّكب"../ اندي رويل

إن رؤية سياسي وَعَد ذات يوم بتخليص السياسة من السلوكيات الشائنة والفساد، يتورط في السلوك الشائن والفساد، لهي من أشدّ جوانب السياسة الحديثة بعثاً على القنوط والإحباط. ولكن الأحداث التي جرت خلال هذا الشهر، تركت رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، وعلى مكتبه لطخات السلوك الشائن، التي لطخت مكتب سلفه قبل عشر سنوات.

عندما تسلّم توني بلير زمام السلطة عقب فوز ساحق سنة ،1997 كانت حكومة المحافظين الحاكمة غارقة في السلوك غير الأخلاقي. وقد تركتْ الفضيحةُ تلوَ الفضيحة جمهورَ الناخبين متعطشاً للتغيير. وكانت إحدى أشد الفضائح تدميراً، فضيحة “الأموال مقابل الأسئلة”، حيث جرى اتهام أعضاء البرلمان المحافظين بتلقّي الرُزَم من الأوراق النقدية مقابل طرح أسئلة في مجلس العموم. وباختصار، كانت السياسة قد تعفنت إلى درجة الإنْتان.

وعد بلير بتغيير كل ذلك. وعد بتخليص السياسة من السلوك الشائن والفضائح، ووضع الثقة والنزاهة من جديد في خدمة الشعب. وسخر من المحافظين قائلاً انهم “غارقون في خيانة الأمانة حتى الرُّكَب”، في ما يتعلق بصفقات الأسلحة بين الشركات البريطانية والعراق أثناء الحرب مع ايران. وبالمقارنة مع سنوات حكم المحافظين، وعد بلير بأن تكون حكومته “أنقى من النقية” في الحكم، وتحدّث عن “مسؤولية الحكومة العميقة”. وبعد أيام من تسلّم زمام السلطة، قال روبن كوك، وزير الخارجية في حكومة بلير، انه يجب على حزب العمال، أن يتّبع سياسة خارجية “أخلاقية”، تكون “حقوق الإنسان” جوهرها.

ولكن الوعود لم تَدُم طويلاً، ولا دامت مصداقية حكومة بلير، حتى لو تناسينا موضوع العراق لحظةً. بعد أربع سنوات، في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ،2001 وفي أعقاب الهجوم الإرهابي المروّع في نيويورك وواشنطن، قالت ناطقة باسم الحكومة، هي جو مور، ان ذلك اليوم “هو يوم صالح لدفن الأنباء السيئة”. وكان الغضب جرّاء مثل ذلك التصريح الفظّ بالغاً، إلى درجة أفقدت مور منصبها. ولكن يبدو ان الحكومة لم تتعلم الدرس الذي كان ينبغي لها ان تتعلمه. ففي وقت سابق من هذا الشهر، انتظرت حكومة بلير حتى اليوم الذي طال انتظاره، وصدر فيه التقرير عن نتائج تحقيقات اللورد ستيفنز في مصرع الأميرة ديانا، لكي تحاول أن تدفن تفصيلين ضخمين من تفاصيل الأنباء المثيرة للجدل. ومرة أخرى حاولتْ أن تلوي عنق الحقيقة.

كان الإعلان الأول ان بلير قد تعرّض للإهانة المتمثلة بكونه أول رئيس وزراء بريطاني على رأس عمله، تجري الشرطة مقابلة معه في إطار التحقيق في قضية فساد. وبينما واجه المحافظون فضيحة السلوك الشائن، وهي فضيحة “الأموال مقابل الأسئلة”، يغرق العماليون في فضيحتهم الخاصة بهم، وهي فضيحة “الأموال مقابل الألقاب النبيلة”. وتحقق الشرطة في ما إذا كان رجال أعمال أثرياء قد مُنحوا ألقاباً نبيلة أو مكاناً في مجلس اللوردات مقابل تقديمهم قروضاً لحزب العمال. وقد جرت مقابلة رئيس الوزراء كجزء من تحقيق الشرطة، الذي يحتل أهم المشبوهين فيه، أرفع المناصب في حكومة بلير العمالية، ومن بينهم توني بلير ذاته.

والخبر الآخر الذي حاولت حكومة بلير دفنه أخطر بكثير، وأجلب للإدانة. فعلى مدى سنتين، ظلت الدائرة الحكومية التي تحقق في قضايا الاحتيال، والتي تُدعى “مكتب الاحتيالات الخطيرة”، تجري تحقيقاتها في صفقة أسلحة بمليارات الدولارات بين البريطانيين والسعوديين. وكان قد جرى توقيع “صفقة اليمامة” أولاً من قِبل مارجريت تاتشر في ثمانينات القرن الماضي، لتزويد سلاح الجو الملكي السعودي بنحو 200 طائرة من الطائرات المقاتلة والنفاثة. وكانت قيمة تلك الصفقة نحو 80 مليار دولار. وكانت بالغة الأهمية الاقتصادية للمملكة المتحدة، بحيث أصبحت تُعرف باسم “صفقة القرن”.

ومنذ البداية مباشرة، كانت الصفقة مثيرة للجدل. إذ سرعان ما أخذت الاتهامات بالرشوة المتعلقة بهذه الصفقة تطفو على السطح.

كان رد الحكومة البريطانية بسيطاً دائماً، وهو: ان تلك الصفقة كانت تعاقداً بين الحكومتين البريطانية والسعودية، وانه لم يجْرِ دفع ايّ رشى. ولكن الأدلة المتكررة ظلت تتوالى وتفيد أن الرشى، أو “العمولات” قد دُفعت من قِبَل كبرى شركات السلاح البريطانية، وهي شركة “بريتيش ايروسبيس سيستمز”، أو الشركات المتعاقدة معها، التي كان لها نصيب ضخم في “صفقة اليمامة”.

على الرغم من ان شركة “بريتيش ايروسبيس سيستمز”، أصرّت كذلك على انها لم ترتكب أي خطأ، إلاّ ان الحكومة البريطانية كانت مضطرة إلى التصرف في نهاية الأمر. وفي سنة ،2002 دخل قانون بريطاني حيز التطبيق، واعتبر دفع الرشى في صفقات ما وراء البحار فعلاً إجرامياً. وبعد سنتين، أي في سنة ،2004 شرع مكتب الاحتيالات الخطيرة في إجراء تحقيقاته. وما كان محققو هذا المكتب يبحثون عنه هو ما إذا كانت الشروط الأصلية قانونية، وما إذا كان قد تم دفع رشى.

وبعد ان انتشرت الأخبار، كان بلير هو الذي اعترف بأنه قد حثّ المدّعي العام على وقف التحقيقات لأنه كان من شأنها أن “تلحق أذىً جسيماً” ببريطانيا.

وأصرّ بلير على ان سبب وقف التحقيقات لم يكن الأمور الاقتصادية بل الأمن القومي. وقال: “إن علاقتنا مع العربية السعودية مهمة على نحو حيوي لبلادنا على صعيد مكافحة الإرهاب، وعلى صعيد الشرق الأوسط الأكبر، وعلى صعيد المساعدة فيما يخص قضية “اسرائيل” وفلسطين، وتلك المصلحة الاستراتيجية تأتي في المقدمة”.

وقال انه يتحمل المسؤولية الكاملة عن القرار. وقد ثار غضب الأحزاب السياسية المعارضة. وقال اللورد جودهارت، المتحدث في الشؤون الدستورية في حزب الديمقراطيين الليبراليين، ان الحكومة قد استسلمت في واقع الأمر ل”الابتزاز”.

وهذا هو ما حدث. فقد أفلحت حكومة ذات سيادة في إنهاء تحقيق جنائي حكومي بريطاني. وعلى الرغم من ان اللورد جولد سميث هو أعلى محامٍ في الحكومة، إلاّ أنه ليس مخوّلاً للتدخل في القضايا الجنائية القائمة. لأنه لو فعل فأين يقف الأمر؟ ولذلك تبدو عشر سنوات مرت على حكومة بلير، شديدة الشبه بسنوات حكم حكومة المحافظين السابقة. لأن كلتا الحكومتين غارقة في الفضائح المتعلقة بالأموال المدفوعة لأعضاء البرلمان. وكلا الحزبين متورط في سوء السلوك الشائن وغير الأخلاقي.

قرر بلير ان التدخل السياسي والدبلوماسي يمكن ان يحدث في نظامنا القضائي. وتلك سابقة شديدة الخطورة. وفي واقع الأمر، فإن البريطانيين قد لانوا تحت وطأة الابتزاز.

لقد وعدَنا بلير بأنه سيكون “أنقى من النقي”، ولكنه الآن، هو وحكومته، “غارقان في خيانة الأمانة حتى الرُّكَب”. ويبدو كأن التاريخ قد أعاد نفسه. والمشكلة أنه كان قد وعدَنا بشيء مختلف تماماً.

"الخليج"