مدى قانونية محاكمة صدام واٍعدامه.. / د. أشرف شعث*

استقبلت الامة العربية والاسلامية عيد الاضحي المبارك بخبر فاجع، اعدام الرئيس العراقي صدام حسين علي يد القوات الامريكية، و هنا أود التأكيد انه بغض النظرعن مدى الإتفاق والأختلاف مع الرئيس صدام حسين ونظام حكمه، الا ان موضوع محاكمته ثم صدور وتنفيد حكم الاعدام عليه يحمل الكثير من الشبهات القانونية التي لها انعكاس خطير على نزاهة وعدالة المحاكمة، وتتناقض مع أصول المحاكمات المعروفة، وتشوه القضاء العراقي وتنتهك أبسط القواعد القانونية المتعارف عليها دوليا و حتى عراقيا.

مقالي هذا ليس دفاعا عن رئيس أعدم، و انما لتسجيل انتهاك خطير للقوانين والاعراف الدولية والتي حتمت علينا كحقوقيين ان نشير الى بعض النقاط اليها في عجالة، وأضع النقاط على الحروف.

أولا: محاكمة صدام حسين لم تجر على أسس قانونية طبقا لمواثيق الامم المتحدة واتفاقيات جنيف والمواثيق الدولية، التي تحتم اجراء محاكمة عادلة بعيداً عن الحسابات الداخلية والخارجية.

فمحاكمة صدام تمت علي يد محكمة غير شرعية ناتجة بكل المقاييس عن احتلال للعراق من قبل قوى خارجية، فهي تشكلت بقرار من مجلس الحكم في العراق الذي كانت تحت هيمنية سلطة الائتلاف الموحدة و حاكمها انذاك بول بريمر، وكان العراق في تلك الفترة، و مازال، دولة محتلة حسب تعريف الامم المتحدة للحالة في العراق. وقد صدر قانون تشكيل المحكمة حسب بند في قانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية الذي كان مجرد مسودة دستور ولم يكن دستورا دائما.

فبأي دستور يمكن لهده المحكمة ان تحاكم الرئيس صدام حسين ورفاقه، فاذا كانت هذه المحاكمة تتم طبقا للدستور السابق الصادر في 16/07 / 1970. على أساس أن القانون الذي يحكم الأفعال التي وقعت في وقت نفاده، فاٍن الرئيس صدام حسين يتمتع بالحصانة القضائية و ذلك طبقا للمادة 40 من الدستور المذكور، وهذا يعني أن القضاء العراقي غير مختص في النظر في الأفعال التي ارتكبت في وقت سريان الدستور العراقي الحالي بسبب الحصانة التي يتمتع بها رئيس الدولة.

أما اٍذا كانت المحاكمة تجري طبقا لقانون اٍدارة الدولة وهو الدستور الحالي الذي أصدرته قوات الأحتلال بتاريخ 30 حزيران 2004 فقد نصت المادة 15 من القانون اٍدارة الدولة على مايلي ـ لا جريمة و لا عقوبة اٍلا بقانون ساري المفعول عند اٍرتكاب الجريمة ـ وهذا يعني أن القوانين التي صدرت بعد اٍحتلال العراق لا تسري بأثر رجعي.

وهنا يجب ان أشير الي ان منظمة مراقبة حقوق الانسان ومنظمة العفو الدولية قد ابدت ملاحظات حول معايير المحكمة الجنائية المختصة، والتي حسب نظرهم لا ترتقي الى مستوى المعايير الدولية، وان المحاكمة تخللتها عيوب وشوائب اجرائية وجوهرية خطيره تهدد المصداقية القانونية لحكم الادانة، مؤكدة تعرض المحكمة لضغوط سياسية هائلة.

وعددت منظمة مراقبة حقوق الانسان المخالفات التي رصدتها، ومنها الاخفاق المتكرر للمحكمة في كشف و عرض أدلة براءة لمصلحةالدفاع، وخرق حقوق المتهمين في الحصول على محاكمة عادلة عبر رفض المحكمة مواجهتهم بالشهود، وتدني معايير الحيادية لدى المحكمة، وظهور ثغرات اساسية في الادلة التي استند عليها الادعاء، مما يهدد العناصر القانونية التي قام عليها الوصف الاجرامي. وأكدت اللجنة ان المحكمة فشلت في الوفاء بالمعايير الادارية المطلوبة للمحاكمات العادلة والفعالة، كما اكدت فشل المحكمة في الاستجابة لحاجات الشهود والمتهمين الاساسية، وعجزها عن ضمان امن محامي الدفاع وعدم شرح مفاصل العملية القانونية بشكل صحيح للشعب العراقي. وقد أكدت منظمة العفو الدولية امنستي عبر مدير برنامجها بالشرق الاوسط و شمال افريقيا السيد مالكوم سمارت اسفها على الحكم على صدام حسين ومساعديه بالإعدام معتبرة ان المحكمة لم تكن حيادية ولم تتخذ خطوات كافية لحماية امن محامي الدفاع والشهود حيث قتل عدد منهم.

وقد اكدت مجموعة تابعة للامم المتحدة تضم خبراء بحقوق الانسان ان محاكمة الرئيس لم تكن عادلة، وان المحاكمة افتقرت للاستقلالية والحياد ولم توفر لصدام ومحاميه الوقت الكافي والسبل لاعداد الدفاع عنه، و هذا ما اكدته الحقوقية الجزائرية ليلي السروجي، الحقوقية والمختصصة في حقوق الإنسان والتي ترأس لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة.

ثانيا: الفوضي التي كانت تسود معظم اجواء المحاكمة، حيث يبدو المتهمون في بعض الاحيان مسيطرون على أجواء المحكمة و القضاه يبدون كمتهمين، وهذا يرجع الي ضعف تركيبة المحكمة الجنائية المختصة والتي هي هجين او خليط من القوانين العراقية والعالمية ولا تمتلك الخبرة او الممارسة الكافية للقضاة في مثل هذا الهجين القضائي.

علي سبيل المثال في قوانين العمل العراقية لا يسمح للمتهم على الاطلاق بمناقشة الشهود او مناقشة القاضي بل لا يسمح للمحامي عن المتهم بمناقشة الشهود ، انما تتم العمليات كلها من قبل القاضي الذي له دور رئيسي ومركزي في إدارة. في هذه المحكمة بامكان المتهم والمحامي عنه مناقشة الشهود وهي ظاهره غريبة ودخيلة علي القضاء العراقي، و يعزو البعض هذه الظاهرة اٍلى محاولة المحكمة اٍعطاء اٍنطباع بأنها تستعمل المعايير الدولية. ومن الجدير بالذكر ان قضاة المحكمة الجنائية المختصة تلقوا تدريبات خارج العراق ومن قبل مختصيين عدليين امريكيين.

ثالثا: السيطرة علي البث التلفزيوني للمحكمة، حيث تشرف عليها شركة امريكية ممولة من الاحتلال الامريكي ولا يتم النقل حيا علي الهواء، وانما بتأخير 20 دقيقة، ويتم قطع جمل كثيرة عندما يتحدث المتهمون، بالمقارنة مع حديث الشهود لا يتم القطع، و هذا لدليل قاطع على محاولات التزوير والتأثير على الرأي.

رابعا : تظهر عملية تنفيد حكم الأعدام بالرئيس صدام حسين مدى تسييس الحكم الصادر وعدم الحيادية وعدم مراعاة الامور الاجرائية في تنفيد الحكم، ولا حتى احترام للقيم والمفاهيم الانسانية في هده الحالات، فقد ظهرت عملية ثأر ينفدها مجموعة من الأشخاص بحق أسير.

اٍن التاريخ و حده هو الذي سوف يحكم و يكشف مدى عدم قانونية المحاكمة والإجراءت التي صاحبتها، والتي برأينا سوف تؤسس سابقة خطيرة في انتهاك للقانون الدولي على يد قوى عالمية تدعي انها تريد تأسيس دول ديمقراطية يحكمها القانون.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018