الديموقراطية أشمل من السلطة والمعارضة../ د.عبد الإله بلقزيز

نقترف خطأً فكرياً وسياسياً في مجتمعاتنا العربية ـــ خاصة تلك التي تشهد منها بعض أشكال التداول على السلطة مثل المغرب ولبنان والجزائر واليمن ـــ حين نختزل الحياة السياسية الديموقراطية في أكثرية وأقلية نيابية وفي سلطة (= حكومة أكثرية) ومعارضة. وموطن العطب في هذا الاختزال أنه يقفل الحياة الديموقراطية على مشهد الاستقطاب الثابت لهاتين القوتين (أكثرية ـــ أقلية، سلطة ـــ معارضة) وكأنه المطاف الأخير للمنافسة والتوازن والمشاركة السياسية. وهكذا ينتهي هذا الضرب من الاختزال الى توزيع أدوار نهائية (نهائية بمعنى طوال فترة الولاية التشريعية) تختص الأكثرية بمقتضاه بالحق في الحكم وإدارة السلطة منفردة، ويعود للأقلية فيه أن تنهض بدور المعارضة.

ثمة ملاحظات ابتدائية على هذه النظرة الاختزالية:
1 ـــ ليست السلطة حقاً حصرياً للأكثريات النيابية في المجتمعات الديموقراطية دائماً، وخاصة حينما تستبدّ أزماتٌ سياسية بها. فكثيراً ما تلجأ الأكثرية والأقلية الى التوافق بينها وتأليف حكومات ائتلافية. حدث ذلك في بريطانيا تشرشل وفي إيطاليا ماسيمو داليما وفي حكومات إسحق شامير وإسحق رابين وأرييل شارون في الكيان الصهيوني، ويحدث اليوم في النمسا وفي ألمانيا، مثلما حدث شيء منه في حكومة عبد الرحمن اليوسفي في المغرب (1998 ـــ 2002).

2 ـــ لا معنى لاختزال مفهوم المشاركة السياسية للأقلية النيابية في مجرد الحق في ممارسة الاعتراض النيابي والرقابة التشريعية على الحكومة والصيرورة معارضةً سياسية، فقد يكون في جملة حقوق الأقلية النيابية ـــ خاصة إذا كانت أقلية كبيرة العدد أو عالية النسبة العددية في البرلمان ـــ أن تحتاز الحق في المشاركة في إدارة السلطة احتيازاً. وتتعاظم فرص احتياز (أو حيازة) هذا الحق كلما كان البلد عرضة لأخطار خارجية، أو في حالة حرب، أو تعصف به أزمات داخلية تعرّض وحدته للانشقاق أو سلمه المدني للانفراط.

3 ـــ ليس صحيحاً أن الصيغة التوافقية في الحكم وإدارة سلطة الدولة تعطيل للحراك الديموقراطي أو إعاقة لآليات التطور الديموقراطي وتواطؤ ضدها، على نحو ما يحسب ذلك بعض المتمسكين بمفهوم للنظام الديموقراطي لا يرون فيه إلا معتركاً لمنافسة سياسية محتدة بين «أكثرية» و«أقلية»، ذلك أن التوافق شكلٌ متقدم وراقٍ من أشكال الديموقراطية وصيغة من صيغ التعبير عن إرادة حمايتها من منازعة داخلية قد تذهب بها، إذ لا شيء أضمن لتوازن المصالح ولطمأنة الهواجس بين المعتركين من تسوية واعية ـــ إرادية وحرة ـــ تنتهي بهؤلاء الى مواضعات conventions سياسية تنتقل بالعلاقة بينهم من التسوية compromis الى الرضا الجماعي consentement وربما الى ما يشبه الإجماع consensus.

من النافل القول إن جدلية الصراع على السلطة في المجتمعات الديموقراطية الغربية أفضت الى إرساء السياسة والمنافسة على ثنائيات الأكثرية ـــ الأقلية، واليمين ـــ اليسار، والسلطة ـــ المعارضة. لكن هذه الحال من التقاطب والتقابل بين القوى، وهذه الصيغة من التموقع من السلطة: محايثةً أو قرباً أو بعداً، ليست تمثِّل ـــ على وجه التعيين ـــ معنى المنافسة والسياسة والديموقراطية الحصري، وليست تلغي أو تستبعد أشكالاً أخرى من التعبير عن معنى هذه العلاقات والحدود، إذ يخطئ هنا من يذهب الى تعريف قطعي جازم للديموقراطية بوصفها النظام الذي تتوزع فيه قواه السياسية الى فريق حاكم وآخر معارض على وجه الحتم والضرورة، ذلك أن هذا التلازم بين الديموقراطية والتوزع السياسي بين قوة حاكمة وأخرى معارضة لا يقوم من النظام الديموقراطي مقام الجوهر والماهية الذي بدونهما لا تكون ديموقراطية، أو قل إنه ليس بعداً تكوينياً في ذلك النظام (= الديموقراطي)، وإنما هو مما تقتضيه ـــ أو تدعو إليه ـــ حالة المجتمعات الديموقراطية الغربية التي وفّر تاريخها السياسي وتراكمات الإنجازات والمكتسبات الديموقراطية فيه شروط انقسام المجتمع السياسي الى فريق حاكم وفريق معارض. حين ينقسم المجتمع السياسي في الغرب (الأوروبي والأميركي) الى أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة لا يخشى من أن يستفحل أمر ذلك (= الانقسام) الى تقاطب أهلي تنابذي يهدد الوحدة الوطنية والكيانية بالانفراط، ذلك أن وراء ذلك الانقسام في المجتمع السياسي جوامع ومشتركات لا يُختلف عليها بين اليمين واليسار، بين السلطة والمعارضة، بين الأكثرية والأقلية، ولا تشكل موضع مجادلة أو منافرة بين اثنين. وليست تلك الجوامع والمشتركات سوى المشروع المجتمعي الواحد الذي يقع عليه التواضع أو الاتفاق بين الجميع على اختلاف منابتهم ومشاربهم وانحيازاتهم الثقافية والسياسية. وغنيّ عن البيان أنه ليست هذه حالنا في الوطن العربي حيث الجميع يختلف مع الجميع في كل شيء: من هوية الشعب، الى هوية الدولة، الى البرامج والسياسات..!


"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018