فلسطين : حين يُغيب العقل يكون الاصبع على الزناد والفوهة على الذات!/ ناصر السهلي

طلاسم يتلوها علينا في سجننا الكبير وحريتنا المقيدة بأغلال إنفلات العقل واقع الخيبة الفلسطينية التي يتكرر مشهدها حين يحمل "الرجال" معاولهم وأسلاكهم الشائكة ليزيدوا الوجع آلاما.. أُخوة تفتت من عضدها برامج سياسية مهلهلة، يحاول دون جدوى تجميع أشلائها الطيبون في هذا الشعب وثقافة تهترئ فيها الذاكرة والكلمات..

نعود لنقول آه.. نتأوه... يالله ما أصعب الخيبة... يالله ما أفظع إضمحال العقل لدرجة الغياب والاستلاب... أية لوحة سوريالية... أية تراجيديا تلك التي لا تحاكي الواقع الفلسطيني الذي يزيد الجرح جراحا والالم آلاما... يتمترس تحت سماء يسيطر على أجوائها الاحتلال.. وخلف الكثبان تترصد الدبابات والجرافات... في الماء طلاسم يحلها صياد لا يصل الى سمكة واحدة ... والبرنامج السياسي يسقط في وحل المرحلة التي حولت فلسطين إلى حفنة من المتقاتلين على أمكنة ومساحات ليزداد منظر التمترس بشاعة... في عتمتها تهبط اللغة السياسية إلى مكونات عصبوية تسمي نفسها "عصابة"!

بنادق ... وسيوف خشبية...وأصابع على الزناد لا تتردد في إرسال الطلقة نحو القلب أو الرأس... سيوف خشبية في إهتراء الدوران حول طلاسم كل معاني الثورية... والثورجية منها أصعب من أن تحل...
فقراء تحت صفيح الزينكو وأيد مشرعة نحو السماء تنتظر مطرا يغسل شيئا من عار أصبح عار الثوار والاصبع على الزناد والفوهة صوب صدر الاخ وابن العم... بل والشعب الواحد الذي يعد عليه الاحتلال أنفاسه في حصار لا مثيل له الا حين يثقب الثوار ذاكرتهم بربط الدماغ مشدودا لكرسي أو منصب وفلسطين ما تزال كما هي مُحتلة ... فرح بهذا المشهد اللعين إحتلال سرق عمر أجيال ولم يقدر أن يسرق الذاكرة التي تثقبها اليوم حالة مفجعة تثقب حتى صفيح الزينكو الذي قبله اللاجئ وجعا والما وقلقا لا لشيء إلا لفلسطينه التي تضيع بين أرجل الحشود التي ترجلت عن كل الشهامة الوطنية لاهثة وراء سراب يلونه الامريكي والاقليمي بدم أحمر يقطر من أجساد كانت تنظر إلى أفق تائه ، فزاد من ضبابية الزمن أن إنحط المستوى لنطلق على بنادقنا وثوارنا تسميات صهيونية : عصابات!

ليست هذه هي فلسطين أيها الثوار العاجزون عن تحطيم القيود المقيدة للعقل والعائدة بنا الى بدايات التكوين الاخرق الذي أرادته لنا أنظمة بتنا نتماهى معها في الانقضاض على الجسد ونهشه وكأننا وحوش في زمن إغتيال الثورة التي نحتفل بذكرى بدايات عنفوانها الذي ينطفأ بسيل من الدم والعار والاسى ...
بأيدينا نهين كوفية الحرية... وبمعاولنا نهدم كل ما تبين أنه هراء وكلام فارغ عن حرمة الدم الذي يستمر في الجريان من بيت حانون إلى رفح... ومن الخليل إلى طولكرم...
يا لشجاعتنا...
يا لشجاعة الاصابع المطلوب أن تكون على زناد القتل المجاني في إنتحار جماعي .. ويا لسخرية المراجل على الذات حين نقيم كل هذه التكتلات والانحرافات السياسية في ظل إحتلال يطوف على إمتداد وطن محتل وسط بركة دم ذاتية نفتعلها باسم : الدولة تارة... ومنع تعدد السلطات... والمصلحة الوطنية العليا تارة اخرى!

هراء ... أية دولة هذه...

نضحك من بكاء على تسيد الفساد والمحسوبيات... ومن ثقافة التلاقي او التقاطع العلني مع كذب سيد البيت الابيض وحكومة صهيونية صار فيها لافيغدور ليبرمان الكلمة الفصل... نصدق ما يلقى علينا من تمتمات تلمودية لنكذب ذاتنا... أسرانا... معتقلينا ما زالوا خلف الاسلاك الشائكة ونحن نلهو فيمن هو الاجدر بالبقاء سيدا لسلطة مفرغة من كل معاني السلطات الا التسلط باللسان والسلاح والخطف، والاخيرة حالة مستحدثة ، وفي سجننا الكبير، الذي نسميه عنوة "دولة" يُرمى لنا المزيد من الشراك والسلاح لنتحجج بالقانون!

أي إنفلات هذا الذي فهمه معتقلوا حريتنا ؟
إنها الحقيقة البائسة التي لا نريد أن نعترف بها ولو لمرة واحدة... كل هذا الانفلات المسى "إنفلاتا أمنيا" ما هو إلا نتاج لأنفلات سياسي أفظع... إنفلات البرامج وشيخوختها التي تحتاج لتجديد أو إعادة نظر ولو لمرة واحدة صادقة دون أن نحمل خناجرنا المسمومة في تعصب تنظيمي أو شخصاني تأليهي يعيدنا في كل مرة نتعانق فيها ألى مربعنا الاول... ويضغط عليه الخارج ليصيب الخنجر المسموم أضلاعنا المتعبة والمرهقة من زبد الكلام وتلاوينه التي تدور حول نفسها في كل المشاهد المأساوية...
ثم ها نحن نضع طلاسمنا أمامنا... نبحث عن عرافات ومشعوذين ليتوسطوا بين أُخوة يفرط عقدها سطحية العقل الذي توارثناه منذ التيه الاول في الانفراد بمصير كل فلسطين وشعبها ... حتى أننا غادرنا نصف شعبنا في الشتات لنزيد من ملهاة ما يختاره لنا عقل ليس بعقلنا... وكأننا لا نريد أن نعترف بخيبتنا لنتعلم وننهض من جديد...
أين مسمياتنا ... أين تبخرت عنقاء فلسطين التي كنا نتفاخر بها ليحل مكانها حمامات سلام تخنق وهي زغاليل بدون ريش... ومانزال نصر على تصديق الكذبة، كذبة أن كل منا أصدق من الآخر...
نفوسنا تشحن بمزيد من الحقد على الذات... ومن بين ظهرانينا نفوس تتسامح صداقة وعلاقات حميمية مع جلادنا الذي يحصرنا في سجن محاط بجدار ومنفذ واحد... نسمي في تلك الاختلالات اللاعقلانية أنفسنا بعصابات ونتهم ذاتنا بمهربين لأن بعضنا إجتهد في رفع بعض من حالة الجوع والحصار...

آه.. كم بتنا نغوص في أُمية سياسية وعسكرية ... نعقد مؤتمرات... مهرجانات... مسيرات مسلحة.. نهدد ونتوعد... ذاتنا... ويلوذ بعضنا بالصمت على سفك دمنا بأيد عدونا...

آه... ما اشطرنا... وما أذكانا إذا أردنا أن نشعل حطب قضيتنا في نحر بعضنا وحرق خيمنا والاستهزاء بعقل شعبنا ، الذي لولاه لما كانت كل الابوات... وما كانت كل التسميات ... لننشغل في أسخف الامور إثباتا بأن هذا التنظيم هو الاقوى وذاك الفصيل هو العمود الفقري الذي بات يتحطم بلغة سوقية لا معنى ولا لون نضالي فيها..

مصيبتنا وخيباتنا المتكررة بتنا نحن الذي نصنعها، ومن ثم نريد من هذا العالم أن يفهم عدالة قضيتنا؟
كيف تستوي هذه مع تلك...
نقع في الفخ... نذهب إليه "نكاية" بذاتنا... والكل يعترف أن دار الثورة صارت بحاجة لعملية كنس جذرية... عملية نضالية من نوع آخر... أن نبوح بصراحة فلسطينية : من تعب أيها الرجال فليجلس بعيدا عن "البعبصة" وحياكة ما يحيكه نكاية في ظلمة الليل الذي لو استمر دون تنظيف فإننا ذاهبون مع قضيتنا إلى قعر لا يمكن أن يفيد معه الندم...
نحتاج لوقفة بعيدا عن الخلط المقصود بين ما هو دولة وما هو ثورة... نحتاج لأن يكون الاصبع على الزناد لكن الفوهة ليست على صدورنا في عملية ستؤدي بنا الى انتحار جماعي يلفظ فيها الشعب كل الزبد والطحالب التي تعتاش على سفك دمه واضاعة قضيته ليزداد إنتفاخا ومناصبية باسم فلسطين...
نحتاج قليلا لبعض الرجولة التي تحمل دماغا بين كتفيها لا عنادا وتمترسا وراء شخصيات ترهق الشعب وتحرق المنجزات فقط لاجل مناكفات غبية وسخيفة تستجيب لكل متطلبات الاخر إلا متطلبات القضية والثورة... فهل لم يعد في الثورة التي تحتفل بانطلاقتها من يستطيع أن يقف وبشجاعة وتضحية لاجل فلسطين وشعبها ليوقف تغييب العقل؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018