معضلات معركة التغيير الديموقراطي في مصر../ يحيى فكري *

كشفت الأزمة التي تعرضت لها حركة «كفاية» أخيراً، بانسحاب بعض من كوادرها معلنين نقداً لاذعاً لقيادتها، عن مدى التردي الذي باتت عليه حركة التغيير الديموقراطي في مصر بعد ما يقرب من سنتين على انطلاقها. والحقيقة أن هذا الانسحاب ليس إلا تحصيل حاصل، فـ«كفاية» تعرضت لتصدعات عديدة طوال الشهور الماضية، وتقلصت قدرتها على تجميع النشيطين المطالبين بالتغيير ودفع المبادرات المتحدية لمبارك ونظامه، كما كانت عليه الحال منذ سنة مضت. ومنذ انتهاء معركة التضامن مع القضاة في مطلع الصيف الماضي دخلت «كفاية» في أزمة اعتصار داخلي انتهت بذلك الانسحاب. إلا أن التردي في حركة التغيير لا يعكس خفوتاً في معركة التغيير نفسها، على العكس، فالسخط الشعبي على النظام المصري وسياساته الاقتصادية والاجتماعية يتزايد، ويتحول إلى تحركات جماعية واسعة تتصاعد وتيرتها بوضوح. بينما يندفع النظام، عبر مشروعه لتعديل الدستور، إلى تقنين خطة توريث الحكم وتشديد قبضته الاستبدادية، متحدياً بذلك كل الحركة السياسية في مصر. تصدع «كفاية» لم يأت من فراغ، إذ هو نتيجة عيوب خلقية ولدت بها ولازمت نشأتها، أهمها نخبويتها الشديدة. فقد فشلت تماماً في التحول إلى حركة لها امتداد جماهيري وسط الفلاحين أو العمال أو الطبقات الوسطى في الريف والمدن المصرية، على رغم الفرص التي واتتها لتحقيق ذلك. لقد كان انطلاق «كفاية» مدوياً في كانون الأول 2004، كأول صوت منذ زمن بعيد في مصر يتحدى مبارك من دون مواربة، ويطالبه بالنزول عن عرشه. سمح لها ذلك بتجميع الحلقات الراديكالية في صفوف المعارضة اليسارية والليبرالية، والتفّت حولها مجموعات من شباب جدد متحمّسين كانت هي أول عهدهم بالسياسة، وأصبح لها صيت واسع مدعوم بثورة من التوقعات حول قدرتها على كسر حاجز الخوف والصمت.

إلا أن قصر برنامجها على مطالب الإصلاح السياسي وغياب المطالب الاجتماعية عنه، أي تلك المتعلقة بهموم الفقراء ــ الغالبية العظمى من المصريين ــ ومصالحهم، بالإضافة إلى إصرار قيادتها على انتهاج سبل للتحرك تخدم المشهد الإعلامي أكثر مما تخدم التعبئة السياسية الجماهيرية، دفع ذلك حركتها إلى التقوقع وسط الأقلية السياسية النشطة، ومنعها من مد الجسور إلى الأقسام الجماهيرية صاحبة المصلحة في التغيير. بالطبع كانت هناك عوامل موضوعية أدت دورها، أهمها القمع السافر للنظام وحصاره للحركة، لكن ذلك لا يعفي الحركة من المسؤولية عن تقاعسها في كسر الحصار، وتحولها في نهاية الأمر إلى مجرد ظاهرة إعلامية أكثر مما هي حركة من أسفل تستند إلى قاعدة جماهيرية حقيقية.

«كفاية» كانت رأس الحربة في حركة التغيير لكنها لم تكن كل الحركة، وعلى العكس ظل الطرف الأكثر ثقلاً وهو الإخوان المسلمين خارجها طول الوقت. والإخوان وإن كانوا أقل جسارة من «كفاية» هم الأكثر شعبية وقدرة على الحشد والتأثير. وقد ظل أحد أهم عيوب حركة التغيير في مصر هو انقسامها ما بين الإخوان و«كفاية». فقد أصرت كلتا الجماعتين على التحرك باستقلالية عن الأخرى، على رغم التطابق الكامل في مطالب الإصلاح السياسي التي ترفعها كلتاهما، ومن دون النظر إلى أهمية توحيد الحركة شرطاً لازماً لانتصارها. ولا يعود هذا الانقسام فقط إلى مجرد تعنت الطرفين، وإنما مصدره الرئيسي هو عزلة الحركة برمتها. فحصارها وسط النخب السياسية وبعدها عن جمهورها الطبيعي دفع إلى السطح كل عوامل الفرقة والتفكك، التي ساعدت تالياً بالطبع على تكريس الحصار والعزلة.

نخبوية حركة التغيير في مصر وانقسامها هما مصدر فشلها في تحقيق أهدافها، وهما بالتأكيد الأصل وراء التردي الحادث لها اليوم. ويبدو أن الأطراف كلها باتت الآن مدركة لذلك ما يدفعها إلى السعي للبحث عن صيغ جديدة لإعادة تجميع الحركة تتجاوز تلك العيوب، فالمشهد يوحي بأن عام 2007 سيشهد معارك محتدمة بدأت إرهاصاتها في إعلان نفسها. شهدت مصر مثلاً خلال الأسبوعين الماضيين فقط أربعة إضرابات عمالية كبيرة متعاقبة، بدأت بإضراب عمال «غزل المحلة» وهو أكبر مصنع في مصر يزيد عدد عماله على 27 ألف عامل، وهذا الإضراب هو الأكبر في حجمه منذ اثنتي عشرة سنة، وأعقبه إضراب عمال «صباغة المحلة»، ثم عمال «إسمنت حلوان» و«إسمنت طرة». وقد اضطرت الدولة وإدارات المصانع تحت ضغط الحركة إلى الاستجابة لمطالب العمال، ما خلق إحساساً بالثقة دفع إلى تلاحق الإضرابات.

الشعور السائد الآن لدى الكثيرين من مناضلي «كفاية» أنه لا فرصة أمام الحركة لتتجاوز كبوتها إلا عبر الارتباط بالحركة العمالية المتصاعدة، والربط ما بين مطالب الإصلاح السياسي والمطالب الاجتماعية للعمال. فوتيرة النضالات العمالية تصاعدت في مصر طوال عامي 2005 و2006، ومثّلت الإضرابات الأخيرة نقطة الانقلاب العليا في هذا التصاعد. وعلى جانب آخر يأتي مشروع النظام لتعديل الدستور ليربط بوضوح بين المعارك السياسية والاجتماعية. فالتعديل الدستوري المقترح يقوم على شقين، الأول هو تشديد الاستبداد من طريق تأبيد حالة الطوارئ بإطلاق حق الشرطة في اعتقال المواطنين من دون إذن من قاض، وتحويل الإشراف القضائي على الانتخابات إلى حالة صورية، وتقنين المواد التي تسمح بتوريث الحكم لجمال مبارك. أما الشق الثاني فيتضمن إلغاء جميع المواد الدستورية التي تكفل بعض الضمانات الاجتماعية، كالنص على مجانية التعليم والتأمين الصحي وغيرها. باختصار الوضع برمته يدفع حركة التغيير في مصر، والمناضلين داخلها، إلى ربط قضية الديموقراطية بقاطرة المطالب الاجتماعية.. النظام يدفعهم إلى ذلك، وحركة الجماهير أيضاً.



* كاتب مصري




"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018