على الشعب أن يتحرك لوقف الحرب الأهلية/ هاني المصري

بعد الاعتداء على منزل العقيد محمد غريب وقتله ومعه حسين ابو هليل وغيرهما من الضحايا، وبعد اعلان القوة التنفيذية خارجة عن الشرعية والرد على هذا القرار بالتخطيط لزيادة عددها لتصبح 12 ألف فرد، وبعد تدحرج حوادث الاقتتال والخطف والحرق والاعتداء على المؤسسات العامة والخاصة، والتحريض المتبادل، والتهديدات برد "الصاع صاعين"، و"باجتثاث رأس الفتنة" لم يعد يفصلنا عن المجابهة الشاملة شيء، وأصبحنا نعيش في واقع يشهد سلطتين لكل منهما قيادة وأجهزة أمنية وتحالفات اقليمية ودولية، ويمكن ان يصبح لكل منهما مجلس تشريعي وحكومة خاصة بها بسرعة شديدة وأكثر مما نظن، اذا لم نسارع الى إنقاذ الموقف قبل أن نندم ساعة لا ينفع الندم.
الجذر الحقيقي للصراع المرشح للتصاعد الى حرب أهلية شاملة، يكمن في وجود قوتين تسعيان للاستئثار بالسلطة والقرار الفلسطيني، نظراً لاعتقاد كل واحدة منهما انها أحق بالقيادة وأجدر بها من القوة الاخرى.
القوة الاولى، هي حركة فتح، صاحبة الرصاصة الاولى، وأول الحجارة، والسجين الاول، والشهيد الاول، والعملية الاولى، وهي من اطلق المبادرة لكي يمسك الشعب الفلسطيني قضيته بيده، وقادت "فتح" الشعب وثورته والمنظمة في كل المراحل والظروف، وحملت أعباء اتفاق اوسلو وأسست السلطة وحفرت اسم فلسطين على خارطة العالم الجديد. و"فتح" تعتقد بكل هذا التاريخ، وبحكم الثقل الذي لها في السلطة وأوساط الشعب الفلسطيني وما تتمتع به قيادتها من خبرة وواقعية بأنها أحق بالقيادة. و"فتح" لم تصدق حتى الآن نتائج الانتخابات التشريعية التي حملت الفوز لحركة حماس، وأكدت ان هناك خارطة فلسطينية جديدة. وهذه الخارطة قد تكون مؤقتة وقد تدشن مرحلة جديدة تشهد انتقال راية القيادة من "فتح" والفصائل الوطنية والديمقراطية الى جبهة وطنية تضم الجميع او الى "حماس" والفصائل الوطنية الإسلامية. على "فتح" أن تدرك ان من الاستحالة اعادة عقارب التاريخ الى الوراء، وأنها خسرت لأسباب عديدة وعميقة اكثر بكثير من تعدد المرشحين من "فتح" في الدوائر الفردية. وإذا أرادت "فتح" أن تستعيد دورها القيادي عليها أن تستخلص العبر والدروس من الهزيمة وتجري الإصلاح والتغيير المطلوب في السياسات والأشخاص وخطط وأدوات العمل والبناء التنظيمي والأمني والوطني، وتحترم نتائج الانتخابات وتمكن "حماس" من الحكم، وتثبت جدارتها حتى تنجح في أية انتخابات مقبلة، وتكف عن الرهان على الحصار حتى تسقط وتضعف حكومة حماس او حتى تقفز نحو انتخابات مبكرة لا أحد بمن في ذلك هي مستعدة لها. فالحصار تم اختراقه ويمكن كسره.
القوة الثانية، التي هي حركة حماس تتسلح وتستخدم الدين والمقاومة والتضحيات الغالية ونتائج الانتخابات، وتحاول ان تتغير وتكون واقعية بسرعة اكثر ما يحتمل وضعها، فهي بحاجة الى وقت حتى تتغير، ووجودها في الحكومة بمفردها يضغط عليها للتغيير السريع، وهي ضائعة بين أمجاد الماضي وبرنامجها وشهوة السلطة وقيودها في الحاضر وأحلام المستقبل. فحماس أخطأت عندما تصورت ان الغالبية العددية الكبيرة بالمقاعد التي حصلت عليها في الانتخابات التشريعية منحتها تفويضاً كاملاً لقيادة السلطة ثم المنظمة، وكأن التاريخ الفلسطيني قد بدأ مع "حماس" او في 25/1/2006، وليس تاريخاً ممتداً منذ القدم وصولاً الى مقاومة الغزوة الصهيونية الاولى، الى ثورة البراق، وثورة 1936، وحرب 1948، الى انطلاقة الثورة المعاصرة وخوضها حروباً لا تنتهي أبقت فيها القضية الفلسطينية حية رغم كل الاخطاء والخطايا وأوجه القصور والتقصير. ثم اندلعت الانتفاضة الاولى التي شهدت ميلاد "حماس" الى انطلاق الانتفاضة الكبرى الثانية ضد الاحتلال والمستمرة حتى الآن، رغم انشغال الكثير من الطاقات الفلسطينية في الصراع على السلطة، ذات الصلاحيات المحدودة، والتي أطاحت اسرائيل بها بعد اجتياح العام 2002 للضفة، واستباحة غزة ما قبل فك الارتباط عنها وما بعده.
على "حماس" أن تدرك ان التفويض الشعبي لم يمنحها اغلبية كبيرة في الاصوات، وإنما حصلت على اغلبية كبيرة في المقاعد بدليل ان الفارق في الاصوات التي حصلت عليها كتلتا "فتح" و"حماس" على مستوى دائرة الوطن لا يتجاوز 30 ألف صوت، وبالتالي ليس من حق "حماس" ان تقود الشعب الفلسطيني بمفردها، وانما من حقها ان تشارك في القيادة ويكون لها أرجحية نسبية، بما يسمح بمشاركة حقيقية من "فتح" وكافة الفصائل والاحزاب الاخرى والمجتمع المدني والفعاليات الوطنية، وبما لا يضرب الاوزان الحقيقية الماثلة على الارض، ولكن دون خضوع كامل لها.
هذا اذا كان الهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية، انما اذا كان الهدف فقط احترام نتائج الانتخابات، فمن حق "حماس" أن تحكم بمفردها، لأنها حازت على الغالبية، ولكن عليها أن تتحمل المسؤولية عن ذلك، فليس من المفهوم ان تطالب "حماس" "فتح" والفصائل الاخرى بالمشاركة بحكومة تهيمن عليها "حماس" وعلى اساس برنامجها بعد تعديله تعديلات طفيفة، ولا من المفهوم ان تطالب "حماس" "فتح" والفصائل الاخرى بدعم حكومتها وهي تقف في صفوف المعارضة. فإذا كان من حق الاغلبية وواجبها ان تحكم فمن حق الاقلية ومن واجبها ان تعارض.
لكن الصورة عندنا لها خصوصية؛ اولاً: المعارضة ليست معارضة، والحكومة ليست حكومة. فالمعارضة لا تزال بالحكم من خلال ان رئيس السلطة وأجهزتها الأمنية وموظفيها، والمنظمة بقضها وقضيضها لا تزال تحت سيطرتها، وهذه السيطرة تمت عبر نجاح الرئيس ابو مازن في الحصول على الاغلبية بانتخابات رئاسية، ونجاحه في الحصول على رئاسة المنظمة بعد اختياره لهذا المنصب من قبل مؤسساتها القيادية.
ثانياً: ان فلسطين كلها، بما في ذلك اراضي السلطة تحت الاحتلال، والقانون الذي يجب ان يحكم الفلسطينيين وهم تحت الاحتلال هو قانون الوحدة. والخلاف والتعددية والمنافسة يجب ان تكون في اطار الوحدة. والاحتلال لا يكتفي بالفرجة. ولعل اعتقال الوزراء وعشرات النواب مجرد مثال واحد يوجد غيره كثير.
واذا لم نأخذ هذه الخصوصية الفلسطينية بالاعتبار لا يمكن الوصول الى اي مكان، وأخذ هذه الخصوصية يفرض على الجميع بأخذ الخيارات التالية:
إما الاتفاق على حكومة وحدة او حكومة كفاءات على اساس وثيقة الأسرى وبرنامج يشتق منها، لا يقر بشروط اللجنة الرباعية كما هي، ولا يعارض قرارات الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية، وإما ترك الحكومة الحالية تحكم وتحميلها نتائج ذلك على صعيد تفاقم الازمة على كافة الاصعدة، وإما الاتفاق على خوض انتخابات مبكرة على اساس بلورة استراتيجية موحدة، وإقرار قانون أحزاب وتعديل قانون الانتخابات وتغيير النظام السياسي ليصبح نظاماً برلمانياً ديمقراطياً بدلاً عن وضعه الراهن كنظام مختلط رئاسي - برلماني، وإما الانزلاق الى الحرب الاهلية المدمرة التي لا تبقي ولا تذر.
لا يوجد حسم عسكري للخلاف الداخلي بسبب وجود تعادل بالقوة، ولأن الاحتلال هو الخطر الذي يهدد الجميع ولا يقدم عرضاً يقبله طرف فلسطيني ويرفضه آخر، ولأنه لا توجد قضية طبقية او طائفية او مذهبية او حتى سياسية تبرير الحرب الاهلية، فمن المفارقة اننا بتنا نشهد مناقصة على تقديم المبادرات واللقاءات والتنازلات لكي يعزز كل طرف موقفه كطرف قائد للشعب الفلسطيني ولصاحب القرار. والكرة الآن في ملعب الشعب. فالفصائل فشلت بالاتفاق وتستعد للحرب، والشعب بمقدوره أن يتحرك ويوقف الجنون والسير المتسارع نحو الحرب الاهلية.
وأخيراً، القوة التنفيذية غير شرعية، والسؤال: لماذا تم التغاضي عنها حتى الآن، والاجهزة الامنية التي تضم اكثر من 80 ألف فرد غائبة وعاجزة رغم ان واجبها فرض الأمن والنظام العام. الاجهزة الامنية بحاجة الى اعادة بناء لكي تكون للوطن كله، لا لفصيل او لمراكز قوى تتغطى بفصيل، وحتى تقوم الاجهزة بدورها يجب ان تكون محايدة وبعيدة عن السياسة والاحزاب ومراكز القوى!.


Hanimasri267@hotmail.com

"الأيام"


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018