إلى أبو مازن: انقذنا بشرعيتك قبل أن يطيح بها انحيازك/ شاكر الجوهري

التهديدات المستمرة التي يطلقها محمد دحلان، وموضوعها الذبح والقتل، لا يجوز أن نكتفي بالإستماع إليها، وأن نمر عليها مرور الكرام.
هذه التهديدات تقلق كل وطني غيور، لأنها تهدد بإسالة دماء المزيد من الفلسطينيين، وكأن ما أسيل حتى الآن، سواء في خضم مواجهة قوات الإحتلال ومستوطنيه، كما في الإقتتال الداخلي لا يكفي..!
إذا كان هناك دم فلسطيني آخر مؤهل، ومطلوب اسالته، فلم إذا هذا الإصرار العجيب على قبول الإملاءات الأميركية الإسرائيلية المذلة والمهينة..؟! لم لا تتم اسالته في مواصلة مقاومة الإحتلال من أجل رفع سقف الحل الذي ورطتنا به اوسلو..؟!
هل يجوز أن تحقن الدماء الفلسطينية عبر التنازل للإحتلال، وأن تسفك في اقتتال داخلي هدفه، وشعاراته المعلنة حقن الدماء الفلسطينية في مواجهة العدو..؟!
ما يجيز مثل هذا المنطق لا يمكن أن يكون عقل متوازن أو سوي التفكير. وهو بالضرورة يمكن التشكيك في صحة ترتيبه للأولويات الوطنية، حتى لا نقول شيئا آخر.
تزداد الحاجة إلى فهم دوافع هذا التحريض على الإقتتال الأهلي في ضوء امرين بالغي الأهمية:
الأول: عدم امتلاك محمد دحلان تفويضا باتخاذ مثل هذه القرارات الدموية. فالدحلان عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تنحصر مهمته في المراقبة والتشريع، فضلا عن أن دحلان يمثل كتلة الأقلية في هذا المجلس. وهو عضو في المجلس الثوري لحركة "فتح"، الذي لا يمتلك بكل اعضائه اتخاذ قرار بإعلان الحرب على فصيل فلسطيني آخر، لأن هذا ليس من بين اهداف "فتح" المثبتة في برنامجها، أو في نظامها الداخلي.
المفترض أن اللجنة المركزية للحركة هي صاحبة القرار. واللجنة المركزية وفقا لتقارير موثوقة كادت في اجتماعها الأخير أن تصوت على اتخاذ قرار بفصل دحلان، أو تجميد عضويته، لولا تولى عباس انقاذه.
من وماذا يمثل دحلان إذا في قراراته الدموية..؟
قد يجيب دحلان على ذلك بالقول أنه يمثل القاعدة الفتحاوية..
حسنا، ولكن النظام الداخلي للحركة (على علاته) حدد كيف تنتخب القاعدة الأطر القيادية للحركة من مجلس ثوري ولجنة مركزية. وإذا كان الدحلان يعتقد أنه يمثل القاعدة الفتحاوية العريضة، فلم يساوم اللجنة المركزية الحالية على عدم عقد المؤتمر العام للحركة مقابل اضافته بالتعيين هو وبعض انصاره إلى عضوية اللجنة المركزية..؟!
ثم إننا شاهدنا واستمعنا بإمعان شديد للهتافات التي اطلقت في تظاهرة الذكرى الثانية والأربعين لانطلاقة "فتح" في غزة.
شاهدنا غياب اعضاء اللجنة المركزية المقيمين في قطاع غزة، وكذلك جل اعضاء المجلس الثوري من ابناء القطاع، بمن في ذلك روحي فتوح حليف الدحلان. لم نعرف ممن وقفوا حول دحلان غير أبو علي شاهين، (...) الذي حوله الزمن من قائد لدحلان، إلى تابع له..!
غياب كل هؤلاء يعني امرين يجب التسليم بهما، شئنا أم ابينا.. قدرة دحلان على تحريك القاعدة الفتحاوية، حتى حين لا تريد قيادة "فتح" ذلك..! وعدم موافقة هذه القيادة على ما توقعت أن يقوله دحلان. ويضاف إلى هذا عدم رغبة هذه القيادة في أن تبدو على حقيقة صغرها إلى جانب دحلان.
لم صغرت القيادة وكبر دحلان..؟
هذا سؤال بالغ الأهمية ليس هنا مجال الإجابة عليه.
واستمعنا في هذه المظاهرة للهتافات العجيبة الغريبة التي انطلقت من الشفاه، لا من الحناجر، وعلى نحو يذكرنا بالهتاف الأشهر الذي كان يردده أحد كوادر التنظيمات الفلسطينية في مظاهرات بيروت أيام العز (منّي سمعان..؟).
كانت الفصائل الفلسطينية، كما الأحزاب اللبنانية، تحشد اعضاءها وأنصارها للمشاركة في المظاهرات المركزية التي تجوب شوارع العاصمة اللبنانية في المناسبات الوطنية والقومية.. وكان الجميع يتبارى فيمن يستطيع أن يحشد أكثر، ويكون هتافه هو الأعلى صوتا. وكان أحد الفصائل يعمد إلى محاولة تغطية ضآلة حجمه التنظيمي بالإستعانة بـ "هتيفة"، أغلب الظن أنه كان يؤتى بهم من "عتالة" سوق الخضرة، أو من اماكن تجمع العمالة اليومية، ليرددوا هتافاته مقابل (المعلوم)، لكن اصواتهم لم تكن تعجب "هتيف" التنظيم جراء انخفاض وتيرتها، فكان هتافه الأبرز موجها لهم، وهو يتميز غيظا، ويكاد يفرك لهم اصابعه، مذكرا بما قبضوه مقابل مشاركتهم النضالية في مسيرة تنظيمه (منّي سمعان)..أي ارفعوا اصواتكم وبحوا حناجركم مقابل المعلوم المقبوض، فكانوا، ويا لجهالتهم، يرددون خلفه (منّي سمعان)..!
في مظاهرة غزة كانت الهتافات التي استمعنا إليها خفيضة الصوت لا يمكن أن تكون صادرة عن عشرات الألوف، وفقا لتقديرات مراسلي وسائل الإعلام الذين يبدو أنهم من جماعة (منّي سمعان)، وهي تدلل على معاناة اصحابها، ولذا فإنها تخلو من هدير الحماس، لأن الناس جوعى، ولا أحد يمكن أن يتحمس لإسالة الدم الفلسطيني. ومع ذلك فقد كان لافتا أن الصوت كان يعلو حين يكون الهتاف لأبي عمار، ثم يعود للإنخفاض حين يحوله "الهتيف" الأساسي لدحلان.
لم نسمع هتافا للرئيس أبو مازن..الهتاف فقط لعرفات الميت الحي، ولدحلان..! وعلى نحو يوحي بأن "فتح" وجماهيرها لم تجد ضالتها بعد في رمز يمكن أن يحركها ويلهب مشاعرها واحاسيسها.
الثاني: أن "فتح"، كما أثبت حادث مقتل العقيد محمد غريب، مراقب عام جهاز الأمن الوقائي، ليست صاحبة اليد العليا في المواجهة العسكرية في قطاع غزة.
لا معلومات حتى الآن عن سبب قتل "حماس" للمرحوم الغريب، لكن هناك معلومات متوفرة حول ظروف مقتله. لقد حاصر مسلحو "حماس" منزله، وهاجموه بمختلف أنواع الأسلحة، طوال خمس ساعات، كان خلالها يستنجد بمسلحي "فتح" والأجهزة الأمنّية، عبر الهاتف، وعبر البث المباشر لتلفزيون فلسطين، ولكن لا حياة لمن تنادي..تركوه يلقى مصيره في نهاية الساعات الخمس، وكذلك عدد من اطفاله.
قتل الأطفال، وبغض النظر عن كل الظروف والملابسات، لا يمكن لإنسان إلا أن تنتابه مشاعر الإشمئزاز له.
ولكن تبقى حقائق لا بد من التوقف عندها.
"حماس" لم تنف مسؤوليتها عن مقتل العقيد غريب، بعكس كل التهم السابقة بالقتل التي وجهت لها.
ولم تتم نجدة العقيد غريب لعدم قدرة "فتح" على مواجهة "حماس" عسكريا في قطاع غزة..!
هذه حقيقة أقر بها حتى مراسلو وسائل الإعلام من جماعة (منّي سمعان).
وهذا يجعلنا نتوقف عند أسباب اعتماد "فتح" لأساليب الخطف والقنص، واطلاق الرصاص على منازل قياديي "حماس" دون محاولة اقتحامها، كما حدث لدى مهاجمة منزل الدكتور محمود الزهار أكثر من مرة. وهو ما تكرر بشكل أو بآخر في محاولات الإغتيال التي تعرض لها اسماعيل هنية رئيس الوزراء، وسعيد صيام وزير الداخلية. لقد فشلت كل هذه المحاولات لأن مطلقي النار كانوا في عجلة من امرهم، يريدون مغادرة المكان قبل أن تصل النجدات المقابلة.
لا نقول ذلك في معرض التحريض على ارتكاب جرائم جديدة تكون أكثر اتقانا، ولكن في معرض تأكيد حقيقة هامة، بل خطيرة جدا.. حين يحرض دحلان على القتل، وهو لا يملك القدرة على حسم الموقف عسكريا داخل قطاع غزة، لأن "حماس" هي صاحبة اليد العليا عسكريا في القطاع، فهذا يعني أن دحلان يدفع بالقضية الفلسطينية نحو هاوية دولتي، أو كياني الضفة والقطاع.. كيان تقوده "فتح" في الضفة الغربية، وآخر تقوده "حماس" في القطاع..!!
هذا يعني بكل بساطة أن التنظيمات غدت لدى البعض أهم من فلسطين..!
الأخطر من كل ما سبق، هو ثقافة الدم والقتل التي أخذت تسود بعض الفلسطينيين. لا يقتصر ذلك على عناصر عادية، وإنما يتجاوزه إلى كوادر قيادية.
وزير فتحاوي سابق يقول لي في عمان استعصت الحالة، ولم يعد بيدنا من حل غير الدم..!
آخر من ذات العيار يقول لي إذا كان التفاهم مستحيلا فلتكن دولتان.
تصوروا..الحقد يعمي البصر والبصيرة عن رؤية حقيقة عجز الفلسطينيين، وهم غير منقسمين، على اقامة دولة فلسطينية واحدة ذات سيادة، ويجعل بعضهم يعتقد بإمكانية أن يأتي الإنقسام بدولتين..!
ولكن، هل دحلان فقط هو من يحرض..؟
الأسطر السابقة تؤكد عدم صحة ذلك.
كذلك فإن من يتابع تصريحات محمود عباس، واجراءاته وتصرفاته يصل إلى ذات النتيجة.
يمتلك عباس السلاح الأقوى في فلسطين..إنه سلاح الشرعية. هو رأس الشرعية الفلسطينية. ولأنه كذلك، فقد تمكن من ضبط الأمور بعد وفاة عرفات، من خلال موقعه كأمين سر للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم من خلال الموقع الذي اختير له على عجل كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
الشرعية ليست سلاحا بسيطا، خاصة بالنسبة لشعب هو أقرب ما يكون إلى غابة البنادق. وهي لا يمكن أن تكون شرعية مطلقة. بل إن الشرعية تزول حين يخالف شاغلها منطوق ومفهوم القسم الذي اقسمه أن يخلص للشعب القضية.
نقول غابة البنادق، ولا نقر بديمقراطية غابة البنادق. وتلك على كل حال حقبة طويت صفحتها، وفتحت صفحة ديمقراطية صناديق الإقتراع.
الأخ أبو مازن، وأستخدم الكنية هنا بحكم ما كان بيننا يوما، أنت رئيس لكل الشعب الفلسطيني، ولا يجوز بحال أن تتصرف باعتبارك رئيسا لتنظيم.
لا يجوز بحال أن تخصص فقرات طويلة من خطابك الأخير لإدانة عملية قتل أطفال بهاء بعلوشة، وهو قتل مدان بكل المقاييس، لتنفي بعد ذلك بسرعة تعرض رئيس وزرائك لمحاولة اغتيال.
لا يجوز أن تصبح طرفا في الصراعات الفصائلية، لأن هذا يتعارض حد التناقض مع رئاستك المفترضة لكل الشعب الفلسطيني، وإلى الحد الذي يخدش شرعية هذه الرئاسة حتى لا نقول يلغيها.
قلنا أكثر من مرة إن الإقتتال الأهلي لا يمكن أن يكون إلا على حساب منصبك كرئيس، لأنه يأخذ من صلاحياتك ويعطي لغيرك. وبذا تكون أنت أول المهزومين بعد الوطن، ويكون بعض القتلة أول المنتصرين بعد اسرائيل.
الروايات المنقوصة التي اوردتها في خطابك ليست في صالح تكريس سلطتك كرئيس. لا يجوز أن تستخدم حادث قتل أطفال بهاء بعلوشة للتحريض ضد "حماس" وأنت تعرف أن من قتل هؤلاء الأطفال الأبرياء هم نفس الذين قتلوا موسى عرفات من قبل.
سكوتك على قتل مستشارك العسكري هو الذي فتح الطريق أمام قتل أطفال بعلوشة. وسكوتك اليوم عن قتلة الأطفال يبقي طريق القتل سالكا في كل الإتجاهات..بل إن سكوتك عن التهديد بالقتل يجعلنا لا نعرف من سيكون ضحيته المقبلة.
لا يعقل أن تسكت عن التهديد بالقتل، ثم تنفي مسؤلية القاتل حين وقوع الجريمة، متجاهلا التهديدات العلنية التي اطلقت من على شاشات التلفزة..!
ما راكمته السنين لديك من تجارب وخبرات لا يعقل أن يضيعه طيش المندفعين نحو الكراسي..!
لا يعقل أن تظل ترى وأنت في هذه السن بعيون من لا يرون..!!
يجب أن ترى أن الذين يحرضون على القتل من موقع ادراكهم أن يد "حماس" هي العليا عسكريا في قطاع غزة، إنما يراهنون على وطنية "حماس" حين ترفض الإنجرار على نطاق واسع نحو الإقتتال.. وهي وطنية تتجلى في رفضها مبدأ الحرب الأهلية، وتقاسم السلطة في الضفة والقطاع. ولكنه يجب عليك توقع وجود طائشين في "حماس" كما لديك، لا يعرف أحد متى يمكن أن يفلتوا بطيشهم من عقّالهم.
إن لم تحسم أمرك لصالح الوطن والقضية، فسيسجل التاريخ أنك أجهزت، بكل حنكتك، على ما لم يجهز عليه عرفات بكل فساده.
انقذنا بشرعيتك من الآتي، قبل أن يطيح بها عدم انصياعك لصناديق الإقتراع وانحيازك لمصالح من هو جاهز للإطاحة بك في ساعة صفر يحددها دون استشارتك.
انقذنا عبر سلسلة من الخطوات والإجراءات يجب أن تمر بعقد المؤتمر العام لحركة "فتح"، لتقرر القاعدة من يقودها في هذه المرحلة نحو شاطئ السلامة والإنتصار..
الذين لا يحترمون الديمقراطية التنظيمية كيف يمكن أن نصدق احترامهم للديمقراطية على مستوى الوطن..؟!
وإتق الله في فلسطين، فهي لئن كانت للجميع، فهي كذلك فوق الجميع.



ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018