النزاع في واشنطن على قلب جورج بوش وعقله/ روجر أوين

تشهد واشنطن نزاعاً لنيل قلب الرئيس بوش وعقله، وقد بات هذا النزاع أشبه بنزاعٍ عائلي شكسبيري يضع مستشاري الرئيس بوش في مواجهة مع والده ومستشاريه، وهو نزاع لا تزال نتائجه مبهمة الملامح غير أنها قد تميل لصالح الإبن. والأبرز في هذا النزاع هو أنّ أقرب المستشارين إلى جورج بوش الإبن هما نائبه ديك تشيني ووزير الدفاع المستقيل من إدارته دونالد رامسفيلد، وكلاهما شاركا في إدارة جورج بوش الأب ويشكّلان بالتالي جزءاً لا يتجزأ من القرار الحكيم الرافض لاجتياح العراق والذي اتُّخذ في العام 1991 في نهاية حرب الخليج الأولى.

ولا عجب أن يشعر الرئيس بتجاذب داخلي، كما قال جيمس بيكر، أحد الأصدقاء المقرّبين للعائلة. ومع ذلك، ومن خلال الصور اليومية التي ترد من البيت الأبيض، ما من شك بأن الأشخاص الذين يتعاطون معه على الدوام – وهم أشبه برجال ماكيافيلي البارعين في إيجاد الحجج اللازمة التي يستسيغها والتي تقنعه بعدم تنفيذ ما لا يرغب، في صميم قلبه، بتنفيذه – قد بدأوا بتحقيق الفوز في هذه المرحلة.

لقد بدأت القصة، كما لم يعد خافياً على أحد في العالم أجمع، مع تعيين مجموعة دراسة العراق، والتي تضم أعضاء من الحزبين برئاسة جيمس بيكر، وقد أتت هذه الخطوة بمثابة رد على حالة اليأس التي سادت بين العديد من أوساط النخبة في العاصمة واشنطن جرّاء فشل الولايات المتّحدة في العراق وتداعيات هذا الإخفاق على نفوذ بلدهم في الساحة الدولية. وعلى الرغم من أنّ ما يلي لن يلقى صدىً إيجابياً في أجزاءٍ عدّة من العالم باستثناء أوروبا، إلاّ أنّ مشهد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وهي تجوب العالم خالية اليديْن من أي أوراقٍ ديبلوماسية، وتبذل كلّ ما في وسعها لمعالجة المشاكل العالمية الملحة كالنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني أو الملف النووي الخاص بكوريا الشمالية وبإيران، برزت كدليلٍ محرج في نظر الجناح المحافظ في واشنطن يشير إلى أن قدرة الولايات المتحدة في التأثير ورسم معالم الأحداث العالمية بلغت أدنى مستوى لها على الاطلاق.

وقد أتى الرد على النحو التالي: ضرورة إصدار تقرير ثنائي من الحزبين في الكونغرس، مُصمّم خصيصاً لتأمين الغطاء الضروري للرئيس بوش المتعنت يسمح بإجراء التغييرات اللازمة في المسار العراقي من دون إثارة المخاوف من الفشل، وبالتالي من الإهانة الشخصية، والتي من شأن أيّة محادثات مباشرة حول الإنسحاب الفوري إثارتها. ويرى بعض الأشخاص الذين يدرسون عن قرب تركيبة الرئيس بوش النفسية والعقلية، أنّ هذا النوع من المقاربات فقط من شأنه تأمين «المخرج اللبق» المرغوب فيه. من هنا، وعلى الرغم من ان التقرير بدا أشبه قائمة من الخيارات المطروحة، فهو حقيقة محاولة للتوصل الى طريقة لمحاصرته.

ونظراً إلى قناعة الرئيس التامة بأنه يسلك الاتّجاه الصحيح، ونظراً الى بغضه الواضح لسياسات والده الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، سيكون دائماً من الصعب تحقيق هذا الإنجاز. وكما تبين لاحقاً، لقد ساهم بيكر وغيره من أعضاء مجموعة دراسة العراق في تعقيد الأمور ومضاعفة الصعوبات التي يواجهونها من خلال الموافقة على تأجيل موعد تقديم التقرير إلى ما بعد انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر)، ما أتاح المجال والوقت الكافي أمام خصومهم لإقناع الرئيس بأنّ أهمّ التوصيات التي وردت في التقرير، والتي تسربت مراراً وتكراراً الى الصحافة المتلهفة، كانت زاخرة بالشوائب والتحريفات. والأسوأ هو أنّ اقتراحات مجموعة الدراسة لجهة ضرورة التعاون مع السوريين والإيرانيين، أتت متعارضة مع سلسلة من الجهات التي تجمعها بواشنطن مصالح مشتركة، ابتداءً من اللوبي الإسرائيلي الى جميع الجهات التي تعتبر أنّ سورية وإيران دولتان تدعمان الإرهاب العالمي.

وبدوره، وضع السيناتور جون ماكين سلسلةً من الحجج القوية تناولت الخطر الناجم عن السماح بقهر الجيش ولا سيّما القوات البحرية (Marines Corps) في العراق، على غرار ما حصل في حرب فيتنام. وشكّلت كلمات مثل «شرف القوات العسكرية» وجمل تعكس ضرورة التشديد على تصميم الولايات المتّحدة وعزمها على فرض «احترام قوّتها» على اعدائها، جزءاً من الخطاب المعارض لخطاب مجموعة دراسة العراق، وهو خطاب يتناغم مع أفكار الرئيس الذي لا تزال كلمة «النصر» تسيطر على خطابه، الى جانب ضرورة «البقاء حتى إتمام المهمة».

أما مدى تأثير هذا الخطاب، الذي يبتعد أكثر فأكثر عن الواقع على الأرض، على الرأي العام فهو أمر يبقى غير محدّد ولم ينكشف بعد. ولكنه يشير الى تحضير بارع سيفضي الى اختيار سياسات قد تؤدي إمّا الى مضاعفة عدد الجنود الأميركيين في العراق على أمل أن أي عملية أخيرة ستكفي لإرساء الإستقرار في بغداد، أو الى إحداث نقلةٍ على صعيد الأولويات العسكرية لجهة تدريب قوات الأمن العراقية وملاحقة الإرهابيين من تنظيم «القاعدة»، على غرار ما بدأ به البريطانيون داخل مدينة البصرة وفي جوارها. وفي الحالين، سيتولى وزير الدفاع الجديد، روبرت غيتس، مهمة تبيان الخيار الذي يراه مناسباً وتأمين دلالات تتمتع بما يكفي من القوّة لإقناع الرئيس بأنّ هذا الخيار قد ينجح.

ولا يخفى على أحد أنّ الرئيس أمام خيارٍ في غاية الخطورة، وأنّه يستمتع ضمناً بكونه وحده صاحب القرار والخيار. إلاّ أنّ الطريقة التي يفكّر بها واللغة التي يستعملها لترجمة أفكاره تشيران إلى أنّ الجهود التي بذلتها مجموعة دراسة العراق بغية تزويده بحلّ بديلٍ قد باءت بالفشل، ولربما كان الفشل لها بالمرصاد منذ البداية. إلاّ أنّ جورج بوش يبقى رئيساً لا يؤمن سوى بمنطق النصر والهزيمة ويعجز عن الإقرار بكلمة «الفشل».

في غضون ذلك، كان على باقي العالم، ومن ضمنه العراقيون الذين طالت معاناتهم، أن ينتظر مرور رأس السنة قبل أن يعيد الرئيس بوش ترتيب أفكاره. وبانتظار الفرج، فقد لقي عدد كبير من الأشخاص حتفهم ولربما ستبذل بعض القوى ما في وسعها كيْ يصبّ القرار الرئاسي في مصلحتها من خلال السعي مثلاً إلى تغيير الحكومة العراقية الحالية أو شنّ هجومٍ عسكري شامل على مقتدى الصدر وجيش المهدي التابع له ومن يدعمه من الشرطة العراقية.

في المستقبل، عندما سينظر المؤرّخون من جديد إلى التقرير، سيعون حتماً أنه صدر في أكثر الأوقات غرابةً، في زمن نجحت فيه الخلافات الخطابية في واشنطن في التفوق مؤقتاً على الخلافات المصيرية في العراق، وهو زمن فشلت فيه كل المحاولات الصادرة عن مجموعة دراسة العراق والديموقراطيين في الكونغرس والصحافة الملتزمة في دفع رئيسٍ متعامٍ إلى الاعتراف بأن سياساته باءت بالفشل وغرقت في بحر من الكلمات التي هُمست في أذنه وكانت أقرب إلى سمعه من سواها.


* اكاديمي بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط - جامعة هارفارد.


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018