حرية الإعلام.. أية حرية؟.. /سعد محيو

هل هناك حقاً حرية إعلام في العالم؟

كل من قرأ دراسة المفكر الأمريكي روبرت ماكنزي الأخيرة التي حملت العنوان “مشكلة الإعلام في القرن الحادي والعشرين”، سيسارع إلى الإجابة بلا قاطعة.

ففي هذه الدراسة، يؤكد ماكنزي وجود ممارسات عشوائية مقلقة هدفها استغلال الحريات الإعلامية واستخدامها لخدمة أفكار ومصالح الشركات الضخمة، والمصالح المالية الكبيرة، والمتنفذين السياسيين في السلطة.

يقول: “يجب إحالة روبرت مردوج، امبراطور الإعلام في أمريكا والغرب، إلى القضاء، ومن ثم الحكم بسجنه، بسبب ما يتمتع به هو وأمثاله من هيمنة مطلقة على الحريات الإعلامية والديمقراطية. فهو قادر بسهولة على تزوير الحقائق، أو فبركة ما يمكن تسميته بحقائق وهمية، خدمة لكبريات الشركات والمجمعات الصناعية والتجارية، التي تسعى إلى التوسّع وتكديس الأموال على حساب هذه الحريات”.

ولا يبدو أنّ ماكنزي متفائل كثيراً باحتمال إعادة الأمور إلى نصابها. إذ يعتبر أنّ طرح قضية الحريات الإعلامية والديمقراطية وإنقاذها من براثن الشركات الكبرى المؤثرة في السياسة الأمريكية، داخلياً وخارجياً، لم يعد أمرا سهلاً البتة. فهؤلاء الذين يمسكون بالقرار السياسي والاقتصادي ممن يمتلكون هذه المصالح، جاهزون ليل نهار للتصدي، ولديهم آلاف المنابر الصحافية والإعلامية والسياسية والإذاعية والتلفزيونية التي يستخدمونها تحت شعار الاعلاء من شأن الحريات الإعلامية والديمقراطية.

أعراض هذه الأزمة، التي تهدد القيم الأساسية للمجتمع الأمريكي، تتمثل في النقص الفادح في نسبة الأنباء المحايدة، أي تلك التي توردها وكالات الأنباء كما حدثت في الأصل، من دون أن تتدخل في بنيتها الأساسية أو خلفياتها لتعيد صياغتها وفقا لمصالح وأهواء ومفاهيم الشركات الكبرى. يضاف إلى ذلك، الانخفاض الشديد في نسبة الصحافيين الذين يعملون في هذا النوع من القطاع الاخباري على وجه التحديد، والتماثل الرتيب على مستوى الآراء والمفاهيم والتحليلات السياسية والاقتصادية المنتشرة في الافتتاحيات الصحافية.

في المقابل ثمة تقليص متعمد للمساحات التي تفردها الصحف والمجلات والمنابر الإعلامية كالمحطات الإذاعية وأجهزة التلفزة، للمناقشات الحرة التي تستولد أفكاراً مبدعة ومستجدة وخلاقة. وهنا، يضع الكاتب أصبعه على الجرح، الذي تحوّل في اعتقاده التهاباً خطيراً في جسد الحريات الإعلامية والديمقراطية، حين يقول انه لا يرى وسيلة أخرى من شأنها أن تعيد الحياة إلى هذا القطاع الحيوي، إلا بمداواة هذه العلة الخطيرة.

كيف؟

عبر رفع الستار عن الاقتصاد السياسي وعلاقته المتجذرة بالإعلام. فما كان يسمى، في الماضي القريب أو البعيد، بالحريات الإعلامية والديمقراطية، أخذ يتخلى عن دوره التقليدي في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لينتقل تدريجياً إلى كنف الشركات الرأسمالية الضخمة، ويصبح بالتالي أداة فاعلة في حماية هذه المصالح التي تكاد تمسك بخناق كل العالم.

ويخشى الكاتب من استفحال هذه الظاهرة بمرور الزمن، ليتحوّل العالم إلى مكان توتاليتاري مغلق، يهيمن فيه رأس المال على النشاط الابداعي والسياسي.

استنتاجات مفاجئة؟ ليس تماماً.

فمن المعروف منذ أمد بعيد أن هناك صراعاً عميقاً بين الديمقراطية (التي هي حكم الشعب للشعب) وبين الرأسمالية (التي هي حكم القلة للشعب). وهذا الصراع، الذي توارى وراء الكواليس خلال الحرب الايديولوجية مع الشيوعية التي هددت الرأسمالية والديمقراطية معا، أطل برأسه بقوة مجدداً بعد انتهاء هذه الحرب.

وبرغم أن موازين القوى في العالم تميل بشدة إلى جانب الرأسماليين الذين يسيطرون على كل وسائل التأثير الإعلامي والثقافي والايديولوجي والسياسي، إلا أنه لا يجب الاستخفاف ب “تمرد” الديمقراطيين. فهؤلاء قادرون، إذا ما خاضوا معاركهم بشجاعة وحكمة، على استنفار المجتمع المدني ضد النزعات التوتاليتارية، كما أنهم قادرون أيضاً على خلخلة الأسس التي تقوم عليها شرعية السلطة الرأسمالية.

دراسة روبرت ماكنزي تصب في هذا الاتجاه. وهي قد تكون، إضافة إلى كتاب بنجامين باربر “الجهاد ضد ماكوورلد”، علامات على طريق الصدام المتجّدد بين الديمقراطية والرأسمالية.

الآن، إذا ما كان أمر الإعلام على هذا النحو في الغرب الديمقراطي، فكيف يمكن أن يكون في العالم العربي؟



"الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018