هذا التشويه الحاصل..!/ صبحي غندور

لا أعلم لِمَ تراود ذهني صورة أتخيّل فيها العرب كلّهم أشبه بمساجين في معتقل كبير، وضابط السجن الأميركي ونائبه الإسرائيلي يتركان للسجّانين "حرّية" الحركة في التعامل مع المسجونين في زنزانات متفاوتة الدرجة والخدمات ..
في هذا السجن الكبير، يتصارع بعض المعتقلين مع أنفسهم على مقدار المساحة المخصّصة لهم في كل زنزانة، ويشتبك آخرون مع بعضهم البعض فقط لأنّهم عاجزون عن صبّ غضبهم مباشرةً على ضابط السجن أو نائبه، أو حتى على السجّان الأجير نفسه!
وكما في السجون العادية، كذلك في صورة هذا "السجن العربي" الكبير، يفرز المعتقلون أنفسهم إلى مجموعات يتزعّم كلٌّ منها الأشدّ عنفاً، وتكون معايير الفرز أحياناً عرقية أو ثقافية أو اجتماعية، أو ربّما مجرّد مصالح نفعية مشتركة!
لكن أخطر ما في صورة هذا "السجن العربي الكبير" هو دور ضابط السجن ونائبه في تشويه أجساد وقيم المعتقَلين.

هكذا هو حال الأمّة العربية اليوم وما فيها من انشداد كبير إلى صراعات داخلية قائمة، وإلى مشاريع حروب أهلية قاتمة في ظلّ احتلالين أميركي وإسرائيلي لبلاد عربية.
وضحايا هذه الصراعات العربية ليسوا فقط من البشر والحجر في الأوطان بل الكثير أيضاً من القيم والمفاهيم والأفكار والشعارات.
فالدين والطائفة والمذهب، كلّها تسميات أصبحت من الأسلحة الفتّاكة المستخدمة في هذه الصراعات.
كذلك العروبة والوطنية، فهما الآن أيضاً موضع تفسيخ وتفريغ من أيّ معنًى جامع أو توحيدي، في الوقت نفسه الذي يتمّ فيه استخدامهما لصراعات مع جوار عربي أو إسلامي.
والحرية والديمقراطية مطلبان يتناقضان الآن، فالنماذج الأميركية الديمقراطية المعروضة، أو المفروضة، تقوم على قبولٍ بالاحتلال والوصاية الأجنبية على الأوطان من أجل الحصول على آليات ديمقراطية في الحكم!
أمّا المقاومة ضدَّ الاحتلال فقد أصبحت عِرقاً ومذهباً لدى الرافضين لها، فإذا كنت تقاوم الاحتلال فأنت "فارسي" أو "متشيّع"!!
وفي هذا الزمن الرديء ضاع مفهوم "الشهادة"، حيث امتزج "القاتل" مع "المقاوم"، وتحوّل "الديكتاتور" إلى رمز قيادي للأمّة!!، وأصبحت المحاكم هي نفسها بحاجة إلى محكمة وعقاب!!

التشويه يحصل للصراعات الحقيقية في الحاضر ولمواصفات الأعداء والخصوم والأصدقاء، بحيث لم يعد واضحاً من هو العدوّ ومن هو الصديق، وفي أيِّ قضية أو معركة، ولصالح من؟!

إن الخروج من هذا السجن العربي الكبير يتطلب أولاً كسر القيود الدامية للشعوب، وفك أسر الأرادة العربية من الهيمنة الخارجية، وتحرير العقول العربية من تسلط الغرائز والموروثات الخاطئة.
لكن بلا شك، فإنَّ مفتاح هذا "السجن الكبير" تملكه الإدارة الأميركية في واشنطن. فهي التي أوجدت هذا المناخ المتأزّم عقب احتلال العراق، وفي ظلّ التهميش المقصود لتداعيات الصراع العربي الإسرائيلي.
الإدارة الأميركية هي التي دعت لمفاهيم "الفوضى الخلاقة" و"النماذج" الديمقراطية الجديدة في المنطقة، وهي التي تواصل التحريض على صراعات عربية/عربية، وعربية/إيرانية.
الإدارة الأميركية هي أيضاً من رفض العمل بتوصيات تقرير بيكر/هاملتون وما كان فيه من محصّلة أفكار مهمّة تحقّق المصالح الأميركية عن طريق حل أزمات الشرق الأوسط، لا تصعيدها وتوسيعها.
الإدارة الأميركية ترفض دعوات وطنية أميركية (من الحزبين الديمقراطي والجمهوري) ومن حلفاء أوروبيين وعرب ودوليين لإقامة مؤتمر دولي شامل لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي على كلّ الجبهات، وما قد ينتج عن ذلك من تنفيس كبير للاحتقان الشديد القائم الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وفي لبنان، وما بين لبنان وسوريا، وما بين سوريا وحكومات عربية أخرى.
الإدارة الأميركية هي التي تجمع في أسلوب تحكّمها بالعراق بين انفرادية القرار الأميركي بمصير هذا البلد، وبين تقسيم شعبه إلى مناطق متصارعة تبحث كلٌّ منها عن نصير إقليمي داعم لها، فتكون النتيجة لغير صالح أميركا أو العراق أو العرب!

ثمَّ هل يعقل في ضوء كلّ ذلك أن يتمّ تجاهل "رأي" إسرائيل إن لم نقل دورها الفاعل في تقرير مصائر العراق ولبنان وفلسطين، وهي الساحات الضاغطة الآن على زناد الفتن الداخلية؟
وهل هناك من مصلحة إسرائيلية في إعادة إعمار العراق ليكون بلداً واحداً قوياً ديمقراطياً؟ وهل هناك مصلحة إسرائيلية في إقامة دولة فلسطينية مستقلّة وفي توحّد الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والعسكرية؟
وهل كان لإسرائيل مصلحة في استمرار وجود لبنان كدولة ديمقراطية مستقرّة قائمة على تعدّد طائفي، وكنموذج بديل لحالتها العنصرية الدينية، وهي الحالة اللبنانية التي عملت إسرائيل على تحطيمها أكثر من مرّة منذ منتصف السبعينات في القرن الماضي؟!
فمسكين ذاك الذي يصدّق في أميركا والغرب أنَّ إسرائيل ستدعم بناء مجتمعات ديمقراطية مستقرّة في الشرق الأوسط، حتى لو قامت جميعها بالتطبيع مع إسرائيل، إذ هل هناك من مصلحة إسرائيلية في إقامة دول منافسة لها تلغي خصوصيتها تجاه أميركا والغرب؟

المؤسف الآن أنَّ بعض الأطراف العربية لا تجد مشكلةً في لقاءات علنية أو سرّية مع زعماء إسرائيليين، وأطراف عربية أخرى تدعو إسرائيل لمفاوضات ولقاءات معها، بينما تمتنع كل هذه الأطراف العربية عن اللقاء فيما بينها لحلِّ مشاكلها الثنائية وللتحرّك المشترك المطلوب منها لمعالجة أزمات عربية خطيرة متفجّرة.

رحم الله تعالى جمال عبد الناصر، الذي تحلّ ذكرى ميلاده في الخامس عشر من الشهر الجاري، فقد كان صمّام أمان في هذه الأمَّة، وكان أيضاً بوصلة اتجاهها وقبطان سفينتها. وقد سبق رحيله جهد مضنٍ لأيام متواصلة من أجل إيقاف الحرب الفلسطينية/الأردنية في سبتمبر/أيلول 1970، ونجح بذلك بعد إصراره على عقد قمّة عربية طارئة في القاهرة، أعطى لها ولإنجاحها كل ما لديه حتى آخر لحظة من حياته.
وهكذا أيضاً كان دور ناصر في وقف الحرب الأهلية اللبنانية عام 1958، ثمَّ في منع تجدّدها عام 1969، وفي رفضه لاستخدام القوة العسكرية ضدَّ الانفصاليين في سوريا عام 1961 حتى لا تقع حرب أهلية سورية.
كانت الصراعات في زمن جمال عبد الناصر صراعات فكرية وسياسية واجتماعية لم تعرف الأمّة العربية فيها أيَّ فرزٍ طائفي أو مذهبي.
وكان التضامن العربي الذي قاده ناصر بعد حرب 1967، هو الأساس في صمود الأمَّة وفي حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، ثمّ في حرب أكتوبر عام 1973 التي كان عمادها التحالف المصري/السوري/السعودي.
كم هي معكوسة الصورة الآن، وكم تحوّلت أيامنا الآن إلى ليالٍ ظلماء!


--------------------------------
*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)
E-mail: alhewar@alhewar.com

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018