البُعد الاجتماعي للطائف../ سليمان تقي الدين

قد تكون هناك تفسيرات سياسية ظرفية عدة لهزال التحرك الذي دعا إليه الاتحاد العمالي العام احتجاجاً على خطة الحكومة الاقتصادية إلى «باريس 3». فالقوى الفاعلة في الاتحاد العمالي العام تاريخياً كانت اليسار على رأسه الحزب الشيوعي، واليمين على رأسه حزب الكتائب. خارج هذين الحزبين لم تكن هناك حركة عمالية ذات وزن. ولم يشارك لا اليسار ولا اليمين النقابيين في حركة الاعتصامات. كما أن قوى المعارضة السياسية الرئيسية لم تدفع بقواها الشعبية لتغطية الفجوة الهائلة بين قيادة الاتحاد العمالي العام، بما آلت إليه من ضعف وهامشية، لحسابات سياسية مختلفة ولاعتبارات تتعلق أيضاً بضعف أدائها النقابي.

لكن هذه الاعتبارات كلها لا تلغي المعطى الأصلي التاريخي المتفاقم وهو ضعف الحركة النقابية عموماً وارتباطها القوي بحركة الأحزاب السياسية. وقد ازدادت هذه الظاهرة بفعل نتائج الحرب التي دمّرت جزءاً مهماً من الاقتصاد المنتج الصناعي والزراعي، وساهمت في شرذمة القاعدة «العمالية» وألحقت ما بقي منها بأحزاب الطوائف. ثم جاءت سياسة وضع اليد على المجتمع المدني من قوى السلطة في عهد الوصاية، لتكمل خطة إلغاء هوامش الاستقلال في العمل النقابي، وجرى تكوين نقابات وهياكل تنظيمية خاوية وتدخل فاضح في الانتخابات، ما أفقد التنظيم النقابي خصوصيته. هذه الواقعات من الضروري استعادتها لفهم ظاهرتين أهم، الأولى هي ضعف التحرك الاجتماعي المطلبي واندثار قواه رغم الأزمة الاجتماعية الخانقة، والثانية الطوفان السياسي الطوائفي واستيلاؤه الكامل على الحياة الوطنية بمختلف تعبيراتها. وما كان ظواهر لبنانية نافرة صار أشبه بنظام عام.

صحيح أن لبنان لم يعرف في تاريخه «ثورة اجتماعية حامية توحّد القاعدة ضد القمة». فمنذ ثورة طانيوس شاهين الفلاحية عام 1858 كانت هناك ملابسات بين الاجتماعي والطائفي، وقد تكرّر هذا في محطات عديدة من تاريخ لبنان. لكن العهد الذهبي للتحرك الاجتماعي كان في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كانت «الموجة الاجتماعية» تتجاوز خطوط الانقسام الطائفي، والتي انكسرت بفعل المسألة القومية والعامل الخارجي الإقليمي. وكانت سنوات الحرب، وسنوات ما بعد الحرب، وهذا هو الأهم، تمنع إعادة تشكّل نسيج اجتماعي وطني واحد.

من هنا، إذا كان من نقد عند الجذور يوجّه إلى خطة الحكومة الاقتصادية، القديمة المتجددة، فهو إلى أنها سياسة «لا وطنية» وطبعاً «لا سيادية». تراكم الحكومة في خطتها الاقتصادية على تهميش فروع الاقتصاد المنتج بمختلف وجوهه وعلى التضحية الكاملة بمصالح الطبقة الوسطى بما فيها البرجوازية الوطنية، لمصلحة الاقتصاد الريعي المصرفي التجاري وما فيه من مركز ثقل للرساميل الأجنبية، وتراكم السياسات الاجتماعية على الفرز الطائفي المناطقي السابق بين اللبنانيين في قطاعات العمل والتعليم، فلا تساهم في توحيد العمال ولا المرشحين للعمل ولا طبعاً العاطلين عن العمل، وتدفع بهؤلاء فريسة سهلة للفاشيات الطائفية المتعددة، التي تحوّر الأزمات الاجتماعية إلى أزمات طائفية وإلى برامج سياسية تدور حول خيارات إقليمية لا محل فيها لهموم اللبنانيين الاجتماعية الحقيقية. هكذا تبدو الحركة النقابية اليوم صورة عن مجتمع مدني مفتت ومقهور وعاجز عن احتلال موقع مؤثر في الاحتجاج. لقد أعيد إدراج بعض شرائح المجتمع المدني في شبكة العلاقات الأهلية التقليدية، وصارت أحزاب الطوائف الفاعلة سياسياً هي التي ترسم حدود المصالح الاجتماعية للناس.

إن واحدة من أهم أسباب الأزمة الوطنية هي أن اللبنانيين منقسمون حول شعارات سياسية، المواطنون إزاءها كائنات إيديولوجية. قد تنتهي الأزمة إلى تسوية ويحصل توزيع جديد للسلطة، لكن ما يحتاجه لبنان لكي يتكوّن كوطن مستقر أن يعيد بناء اقتصاده وبنيته الاجتماعية، وهو أمر يعيب برنامج المعارضة كما يعيب برنامج الحكومة.

لم يكن ممكناً التعبير عن القضية الاجتماعية في الطائف بأكثر من العناوين الواردة فيه، كالعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. وليس هناك من إصلاحات ذكرها أكثر أهمية من اللامركزية الإدارية ومن المجلس الاقتصادي الاجتماعي. هذه العناوين هي ما يغفلها المتنازعون سياسياً ويجب أن تعود إلى صدارة المطالب. لقد كان التعويض الوحيد عن كلفة الحرب الأهلية إنسانياً ومادياً، مشروع الطائف لبناء الدولة نظرياً. لقد أخذت الطبقة السياسية بعد الحرب الطائف إلى تقاسم النفوذ والسلطة. إنها اللحظة الملائمة لإظهار معاني إصلاحية أساسية من الطائف بوجه من أسقطوا مشروع الدولة وقد يسقطون الوطن.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018