الوصفات العقيمة للمأزق الفلسطيني../ نهلة الشهال

بدا مؤتمر مدريد +15 وكأنه صنع خصيصا لاستبعاد حركة «حماس». الرقم غريب أصلا ولا يطابق المألوف من محطات التذكر والاستعادة، ناهيك بالمتابعة. وقد جرى القفز فوق خمسة عشر عاما دفعة واحدة، ومن دون سابق إنذار، للاعتداد بحدث أجهض هو نفسه في وقته بينما كان العالم يتغير، وقد تغير مذاك تماما.

الحضور في المؤتمر باهت، وقد أرسلت الأطراف المدعوة ممثلين عنها من درجات ثانية، بل ابتدعت التمثيل غير الرسمي. والأرجح انه لا أحد يهتم بمدريد +15 هذا إلا بوصفه إشارة أخرى جديدة إلى التصميم الأميركي - والأوروبي - على المضي قدما في مخططات حيال فلسطين تقوم على فكرة غصب التاريخ كي لا يستبقي إلا الوقائع اللائقة سياسيا أو كي يستولدها. فالمهمة باتت معروفة: محو نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في كانون الثاني (يناير) من العام الفائت. لقد مضى عام كامل، يوما بيوم، على تلك الانتخابات التي أوصلت «حماس» إلى الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان وامتلاك حق تشكيل الحكومة الفلسطينية. ومضى عام أو يكاد على المقاطعة الدولية الكاملة للحكومة الفلسطينية وعلى إجراءات تجويع الشعب الفلسطيني وإنهاكه حتى يغير رأيه. والأدق ربما هو القول انه لم يتبلور في الأثناء تصور لما يمكن أن يكون عليه حل ولو موقت في فلسطين، بل اكتفت اللجنة الرباعية بتكرار شروط صارت شكلية من فرط افتقادها لأي معنى ودينامية، تقدمها كشروط مسبقة ومبدئية: الاعتراف بإسرائيل، الاعتراف بالاتفاقات السابقة، نبذ العنف. تشبه هذه الاسطوانة لاءات الأنظمة العربية التي كررتها من مؤتمر قمة إلى آخر، وكانت ستارة ممزقة لا تحجب ما يجري وراءها من سمسرة وتخل. أما الرباعية فتتستر اليوم بشروطها التي لم تصنع بها شيئا يوم كان الممسكون بالسلطة الفلسطينية شديدي الموافقة على كل حرف منها، وكانوا طرفا واحدا بلا تعدد ولا تنوع ولا وجع دماغ.

أي انه لو يعود اليوم الرئيس محمود عباس آمرا ناهيا، وتختفي بضربة عصا سحرية حركة «حماس» من الوجود، فلا تملك الرباعية ما تقدمه حقا، لا تملك خطة لحل سياسي في فلسطين بل وحتى لترتيبات متماسكة ويعتد بها. بالطبع سنشهد عودة الأموال الرسمية وغير الرسمية إلى التدفق، وعودة نظام الإعالة إلى العمل، وهو كما يعرف الجميع، نظام كان يعاني أصلا من «سوء توزيع»، فلا يصل منه إلى أسفل السلم الاجتماعي، أي إلى الطبقة الأوسع من المجتمع، إلا النذر اليسير. هل نسينا أن ذلك - ما يسمى فسادا - كان أحد أسباب النجاح المدوي لـ «حماس»؟ بينما السبب الجذري هو تحديدا إفلاس العملية السلمية واصطدامها بحائط مسدود. وعلى ذكر الحيطان، فقد أنجز عمليا بناء الجدار، واستبطنه الفلسطينيون كأمر واقع، تماما مثل مئات الحواجز العسكرية التي تمزق أوصال الضفة الغربية، مثل المصادرة المستمرة للأراضي، مثل توسيع المستوطنات، مثل إجراءات ضم القدس. وعلى ذكر القدس، فقد أرسلت بلدية باريس بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة، أي منذ أسابيع قليلة، أموالا طائلة لبلدية القدس... الإسرائيلية، كي تزين وتضيء المدينة على غرار باريس. أرادتها لفتة إلى مرور أربعين عاما على «توحيد المدينة» كما يقول بيان البلدية الباريسية، أي على احتلالها وإلحاقها، غير المعترف بهما بنظر القانون الدولي. فإما أن بلدية باريس خارج الشرعية الدولية، أو أن الشرعية الدولية غير قائمة. فباسم ماذا يُطلب من الشعب الفلسطيني ومن قواه السياسية الانضواء داخل الشرعية الدولية؟

هنا تحديدا وليس في أي مكان آخر يقع العطب. في أنه لا تسوية مقترحة لفلسطين. وقد خبر الفلسطينيون ذلك منذ ارتضوا الذهاب إلى مدريد الأولى ضمن الوفد الأردني لأن إسحاق شامير رفض قطعيا حضورهم الرسمي، إلى المباحثات السرية التي أفضت إلى اتفاقيات اوسلو، إلى الذل والمرارة التي تجرعوها بعدها، وعلى مدى عقد من الزمن انتهى بموت أبو عمار أو باغتياله من قبل إسرائيل التي لم تتوقف يوما، وفي أثناء ذلك كله، عن تعديل الاتفاقيات رسميا وعمليا، وعن الضم والإلحاق والاغتيال والاعتقال والقصف والاجتياح، والتي لم يقل لها احد كفى، بل رُفضت قرارات دولية بإدانتها، كقرار محكمة العدل المتعلق ببناء الجدار وقبله قرار البرلمان الأوروبي فرض عقوبات عليها إلى أن تكف. وقد جرى كل ذلك قبل فوز «حماس»، ومع جهة كانت تملأ شروط الرباعية، التي لم تتمكن من تحريك شيء أو لم تشأ ذلك.

تذكّر هذه الحقيقة قد يعصم عن الوقوع في المنطق السائد اليوم في فلسطين، حيث الدخان الكثيف للاقتتال الداخلي يلف كل شيء ويظهر وكأنه هو الواقع. انه انزياح نجحت إسرائيل في تحقيقه كآخر إنجازاتها وقد لا يكون أخيرها، فهي اليوم تبدو بريئة تماما من تحمل تبعة الاقتتال الداخلي الفلسطيني، وهم، أي الفلسطينيين، يتولون تصفية أنفسهم بأنفسهم. وهكذا يجري تناس تام للبيئة والشروط التي وضعوا فيها، ويطلب منهم «التعقل» على غرار ما فعلت مصر والأردن مؤخرا. وبينما يبدو الرئيس محمود عباس محمولا على موجة «خلصنا من حماس ولك ما تريد»، التي ترددها على أسماعه الإدارة الأميركية صبحا ومساء، وهو لا يلتفت إلا لها ولما تقوله، بحيث أهمل كل الأطراف الأخرى، من عالمية وأوروبية وعربية، تذهب حركة «فتح» بعيدا في استنفار العصبية التنظيمية بحجة الثأر لنفسها من هؤلاء الواصلين الجدد بينما هي الأصل (والفروع). بل طال الأمر حد توظيف أي شيء في هذا الصراع، فتقرر «فتح» إقامة تشييع رمزي لصدام حسين، ليس وفاء للرجل وإنما كي تستكمل به هتافات تظاهراتها «شيعة... شيعة» بوجه «حماس»! ولم يبق توتر عشائري أو عائلي تقليدي ولا علاقة له بالسياسة إلا واستخدم، بحيث يخطف الناس ويقتلون تحت مسميات شتى.

كما أن «حماس» تتصرف على أن الانتخابات التي أوصلتها إلى الحكومة هي خاتمة الدنيا، والكل بالكل، وان السلطة «لها»، وهو المنطق الفتحاوي نفسه. ولعل الطرفين يتقاتلان على ملكية الشيء الوحيد القابل للتملك في فلسطين، أي الإطار الرمزي. أما أن يكون ما وراء ذلك خلاء مقفر فلا يشغل بال احد. ولعل عناد حركة «حماس» الذي يبدو بلا حدود (يتضمن هو الآخر الخطف وقتل الأطفال بدل آبائهم واقتحام المنازل واعتلاء مآذن المساجد للقنص كما حدث في غزة مؤخرا)، عنادها على إحباط كل محاولة لمحو واقعة تحقيقها للفوز، فيهدف إلى انتزاع اعتراف دولي، إن لم يكن بشرعيتها، فبحقيقة أنها موجودة ويلزم التعامل معها. وتأمل «حماس» أن ذلك هو بذاته تعديل للتوازن القائم لغير صالح القضية الفلسطينية، فهي على ما قال مؤخرا السيد خالد مشعل، لا تعترف بإسرائيل رسميا وإنما كأمر واقع، وتقبل بدولة فلسطينية على حدود 67 كأمر واقع آخر. وهذا مقترح تسوية كان بامكانه أن يحظى بالاهتمام لولا أن العالم في مكان آخر. فالرئيس الأميركي يستعد لضرب إيران بواسطة تحالف يعمل ليكون عريضا، وكي تتحقق الاصطفافات في المنطقة وفق مقياسه. وهي خطة جنونية قد تدحرج العالم كله إلى أتون الحرب الشاملة، ولكن هذا موضوع آخر.

إن الوضع في فلسطين مسدود الأفق تماما، مقفل سياسيا. ولعل الإقرار بهذه الحقيقة يفتح المجال أمام حل: توافق الأطراف الفلسطينية كافة – أين الجبهة الشعبية، وأين منظمات المجتمع المدني الوفيرة العدد؟ - على تحييد فلسطين عن موجة الصراع العاتي الجديدة القادمة على المنطقة، فلا تكون «فتح» في محور التحالف الأميركي - العربي ضد إيران، وهي لن تحصد شيئا، ولا تتصرف «حماس» وكأن الزمن هو زمن التسويات الصعبة التي تقدر عليها هي أكثر من سواها. وبهذا فقط تعود فلسطين معادلة عصية، وبغيره، بالقائم حاليا، فهي تستبيح نفسها بعد أن استباحها الآخرون.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018