وظيفة المثقف العربي إزاء السلطة../ هشام الدجاني*

كثيرا ما يشكو المثقف العربي من سطوة السياسي وتعديه على مجاله الحيوي. أما السياسي فنجده لا يأبه كثيراً بالمثقف، لا بل يشك في مدى الحاجة إليه. والمثقف بصورة عامة لا يرنو إلى تحطيم سلطان الدولة، بل يرنو إلى دور له في السلطة و المجتمع معاً.

إن حق التعبير عن الرأي حق طبيعي للإنسان كما يقول اسبينوزا. وإذا كان هذا الحق مكفولاً في الغرب منذ قرون فإن فقدنا له في العالم العربي إلى حد كبير يجعلنا نجدد المطالبة باستمرار من أجل جعله واقعاً بعد أن كان مجازاً.

إن الخلاف بين المثقف والسياسي ينبع من اختلاف طبيعة الدور الذي يقوم به كل منهما والمجال الذي يتحرك ضمنه. فالمثقف ينطلق من العقل الذي يجعله نقطة البدء، ويجهد نفسه لإيجاد الطريقة المثلى لإيصال فكرته وتوضيح بيانه. وهذا لا يمنع بالطبع من أن يتوق إلى الشهرة. أما السياسي فينطلق من رغبته في زيادة عدد أنصاره ومحازبيه، ولا يتوقف كثيراً عند جلاء الفكرة وتوضيحها لأنها في نظره ليست أكثر من وسيلة للتواصل بينه وبين مؤيديه .

أما المثقف فإن الفكرة بالنسبة إليه غاية بحد ذاتها وهي مقدسة لا تقبل النقد إلا على أسس عقلانية محضة. هل يمكن تجسير الهوة بين المثقف والسياسي؟!

في العالم المتقدم والديموقراطي يمكن ذلك. أما في عالمنا العربي فإن الصورة تكاد تكون قاتمة. لقد كان سعد الدين إبراهيم، مدير «مركز ابن خلدون» من أبرز من دعا إلى تجسير الهوة بين المثقفين وصانعي القرار في العالم العربي، وانتهى الأمر أن ردم السياسي الفجوة على حسابه. ولكن هذا لا ينفي العلاقة التي قد تكون بناءة أحياناً. فالسلطة في بنيتها لا تستمر ولا تكتمل إلا بوجود مثقفين من دعاتها وحماتها، وهي تحاول أن تستقطب أكبر عدد من المثقفين والتكنوقراط تحت سلطتها. بمعنى آخر إنها تعمل على تدجينهم وجعلهم من صلب بنيتها، مما يحولهم بالتالي إلى «سلطة»، في حين يبقى المثقف الحر التفكير، أو المعارض، مبعداً من «جنة السلطة»، بل والأكثر من ذلك معرضاً لاشكال شتى من الاضطهاد.

لعلنا بحاجة اليوم إلى إعادة تحديد وظيفة المثقف العربي ودوره. فعليه ألا ينعزل في برج عاجي من صنعه من جهة، وعليه ألا يتماهى مع السلطة من جهة أخرى. وأعني بذلك ألا يتحول الى أداة لها، يشرع لها ما تتخذ من قرارات، و أن تتحول وظيفته إلى مجرد مردد لمقولاتها وإخراجها بحلة مناسبة.

مشكلة المثقف العربي اليوم هي الموقف الصعب ما بين قول كلمة الحق، وهذه هي مهمته الأساسية، وبين الخوف من انتقام السلطة، ولا سيما في الأنظمة الشمولية.

ونراه حائراً بين قول الحقيقة بأسلوب مقنع، أو الصمت الأخرس. وهذا ما يجعل دوره هامشياً وغير فاعل، لا بل يلغي دوره كمثقف.

يتحدث كثيرون عن نهاية المثقف العربي، بمعنى نهاية دوره الفاعل و الجوهري. و في تقديري أن هذا القول فيه كثير من المبالغة و التشاؤم. صحيح أن المثقف العربي ما يزال يفتقد - إلى حد كبير - إلى دور فاعل، ولكن هذا لا ينبغي أن يثنيه عن مهمته في الدفاع عن الحقيقة. عليه أن يخرج من شرنقة العزلة والهامشية إلى ساحة الفعل والتغيير، وسلاحه في ذلك المعرفة والكلمة الصادقة.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018