الصفقة والمسؤولية الإيرانية../ د. محمد السعيد إدريس

واضح من تحليل المفاهيم التي ارتكزت عليها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق أنها لا تعتمد على القوة الذاتية الأمريكية بقدر ما تعتمد على الترهيب، وأنها اختارت البقاء في العراق بدلاً من الانسحاب منه على نحو ما كانت تدعو “خطة بيكر هاملتون”، لأن الانسحاب حسب مفهوم الرئيس الأمريكي ليس له غير معنى واحد هو فشل المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط الذي هو جوهر المشروع الامبراطوري الأمريكي العالمي.

وإذا كانت خطة بيكر هاملتون قد دعت الى الحوار من أجل التعاون مع إيران وسوريا في العراق لتأمين استقرار داخلي يجعل عملية الانسحاب الأمريكي مأمونة وميسرة، فإن استراتيجية بوش تستهدف إيران وسوريا، وتحاول الآن الاستعاضة عن الدورين السوري الإيراني بأدوار تؤديها ما تسمى في أدبيات الخارجية الأمريكية “دول محور الاعتدال”. أي أن المطلوب هو أن تقوم هذه الدول العربية الثماني بإنقاذ المشروع الأمريكي في العراق وليس إنقاذ العراق، وأن تقوم بمواجهة إيران وسوريا في العراق، وهي مواجهة يصعب أن تبقى محصورة فقط في حدود العراق بل هي حتما سوف تمتد إلى غيره من الدول المجاورة، وأن تأخذ أبعاداً دينية طائفية في التعامل مع إيران باعتبارها العدو، واعتماد المواجهة الطائفية على أساس السنة في مواجهة الشيعة للحد من تنامي الدور والنفوذ الإيراني في المنطقة.

الأهم هنا أن الولايات المتحدة تلجأ إلى استخدام أسلوب الترهيب والترغيب لدفع الدول العربية المعنية كي تتورط في حرب إقليمية ضد إيران وسوريا، فقد لجأ الرئيس الأمريكي الى أسوأ أنواع الترهيب عندما قال في خطابه الذي أعلن فيه استراتيجيته الجديدة ان “عدداً من الدول العربية ستكون مهددة إذا تلقت بلاده هزيمة في العراق” وهذا يعني أن أمن هذه الدول بات مرتبطاً بالأمن الأمريكي، من خلال استمرار الوجود العسكري في العراق، وكأن الرئيس بوش يريد أن يقول ان هذه الدول صاحبة مصلحة في استمرار وبقاء هذا الاحتلال على حساب حرية واستقلال الشعب العراقي ووحدة أراضيه.

وفي مقابل الترهيب تجيء وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس الى المنطقة وهي تحمل صفقة تقايض فيها دعم هذه الدول للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق مقابل انخراط أمريكي أكثر فاعلية فيما يسمى الآن النزاع الفلسطيني “الإسرائيلي” وليس الصراع العربي “الإسرائيلي” أو الصراع العربي الصهيوني.

من دون الدخول في تفاصيل هذه الصفقة، وهي قطعاً صفقة خاسرة من كل الوجوه، فإن هدفها إنقاذ أمريكا وليس إنقاذ العراق بل تدميره وتحويله إلى أداة أمريكية لتطويع المنطقة للإرادة “الإسرائيلية”.

تطورات خطيرة وتجرؤ أمريكي فاحش وغير مسبوق على الإرادة الوطنية والقومية العربية.

إيران بسياساتها الخاطئة هي التي وضعت نفسها وجهاً لوجه الآن مع الدول العربية الشقيقة. وإذا كانت هذه الدول ترفض الانسياق في المخطط الشيطاني الأمريكي في العراق، فإن إيران بيدها ان تنقذ نفسها وتنقذ علاقاتها مع الدول العربية بأن تبادر مع هذه الدول بوضع مشروع إقليمي لإنقاذ العراق يؤمن الاستقرار الداخلي ويضع الولايات المتحدة وجها لوجه مع العالم كله كدولة تمارس الاحتلال في غير أوانه وغير زمانه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018