بوش وحيداً في استراتيجيته العراقية../ فيصل جلول

إذا كان المرء يقف على حافة الهاوية فإن أول ما ينبغي أن يتجنبه هو السير خطوة إلى الأمام. هذا ما يقتضيه علم المنطق. ذلك أن السقوط في الهاوية ينطوي على خطر الموت، والمنطق نفسه يستدعي البحث عن أفضل الطرق للبقاء على قيد الحياة، ومن ثم البحث عن الوسائل الكفيلة بالخروج من القاع إلى الحافة ومنها إلى مكان آمن ودائم بحسب قواعد المنطق البديهية.

عندما اجتاح الرئيس الأمريكي جورج بوش العراق، بدا لذوي العقول السليمة في العالم أنه وضع قواته على حافة الهاوية وانه يسير قدماً نحو سيناريو فيتنامي جديد وأن عليه ألا يتقدم إلى الأمام، وبالتالي أن يسحب جنوده من بلاد الرافدين بأقصى سرعة ممكنة. وعندما سقط بوش في الهاوية العراقية بدا لكل ذي بصيرة في العالم أن عليه أن يغتنم فرصة الخروج منها بماء الوجه، وأن يكتفي بالخسائر التي لحقت ببلاده. وعندما بدا أن الزمن لا يلعب لمصلحته وأن الهاوية تتسع وتكبر حول جنوده وأن بلداناً كثيرة فضلت الانفضاض عنه وتركه وحيداً في العراق، تدخل الناخب الأمريكي ونزع منه سلطة القرار في مجلسي النواب والشيوخ عل الصدمة تتيح له التبصر بالكارثة العراقية، كما تدخلت لجنة بيكر هاملتون ورسمت له خريطة طريق مشرفة للخروج من الجحيم العراقي لكنه لم يكترث، وها هو يواصل الاعتقاد أن لا هاوية في العراق وأنه سيربح الحرب وأن على المعنيين في بلاده وخارجها أن يقدموا له بديلاً عن هزيمته المدوية. بكلام آخر لا يريد الرئيس الأمريكي الاعتراف بالكارثة العراقية تماماً، كما لم يعترف الرئيس نيكسون من قبل بكارثة فيتنام، ما حدا بالكونجرس الأمريكي إلى الإمساك بزمام الأمور وبالتالي تجرع الكأس المرة التي أحجم الرئيس عن تجرعها والهروب المهين من فيتنام بعد فوات الأوان.

لم تصل الولايات المتحدة في بلاد الرافدين إلى هذه المرتبة بعد، لكنها تسرع الخطى في هذا الاتجاه عبر استراتيجية بوش الأخيرة. ذلك أن الإجراءات التي أعلن عنها ل”الانتصار في الحرب” تنص على زيادة الوسائل العسكرية وإهمال الوسائل السياسية والإصرار على تجاهل الهزيمة ،وبالتالي التوغل أكثر في عمق الهاوية العراقية، مع فارق جديد هذه المرة يكمن في السعي إلى استدراج دول عربية إلى الهاوية نفسها.

قرر بوش في استراتيجيته “الجديدة” أن الدول العربية “المعتدلة” ستدفع ثمناً باهظاً إذا ما هزمت الولايات المتحدة في العراق. وزعم أن ملايين العرب “التواقين للحرية والديمقراطية” سيصابون بالإحباط وسيتعرضون “للاستبداد” ما يعني ضمناً أن على هؤلاء أن يشتركوا في حرب العراق بوصفها حربهم وأن يخوضوا معركة بغداد، وهي محور الاستراتيجية الجديدة بوصفها معركتهم المصيرية. بالمقابل حذر بوش للمرة الألف سوريا وإيران وحمل للمرة الألف أيضاً على التدخل السوري الإيراني في الشؤون العراقية، وبادرت قواته إلى اعتقال دبلوماسيين إيرانيين لاستدراج رد فعل إيراني طائش يخلط أوراق اللعبة العراقية.

أغلب الظن أن الحكومة الإيرانية ستمارس كعادتها ضبط النفس وستواصل الرهان على الأزمة العراقية وفق الحكمة الصينية التي تقول “انتظر عدوك فسيحمله النهر إليك دون عناء يذكر”. أما سوريا فها هي تفرش السجاد الأحمر لجلال الطالباني وقد رحبت بكل أصدقاء بوش العراقيين الذين باتوا يحتاجون إلى الأمان ربما بعد شعورهم بقرب انهيار مشروعه العراقي.

ولعل حكومة دمشق تدرك هي الأخرى أن مبادرات من هذا النوع تصب الماء في طاحونة معارضي استراتيجية بوش الأمريكيين، الذين تقاطروا، ويتقاطرون إلى عاصمة الأمويين وهم لا يكفون عن الدعوة إلى حوار أمريكي سوري ينطوي على حوافز من بينها، إن لم يكن في طليعتها، العمل على استرجاع الجولان المحتل.

أما الدول العربية “المعتدلة” فبعضها يرى بوضوح أن التحالف مع أمريكا لا يعني العمل بالأجرة معها، على ما أكد وزير الخارجية الكويتي، في حين نشرت إحدى الصحف الكويتية المقربة من الحكومة مقابلة غير مسبوقة مع الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بعد مضي اقل من أسبوع على استقبال نائبه في الرياض، وذلك في تجاهل ملفت للهجوم الأمريكي المستمر على الحزب وتعيينه في خانة المهددين المفترضين للدول “المعتدلة”. علماً أن نصرالله كان قد تلقى رسالة خاصة غير مسبوقة من الرئيس حسني مبارك عبر السفير المصري في بيروت مطلع العام الجاري، وفي السياق دعا وزير الخارجية القطري إلى تغيير الأسلوب الأمريكي في العراق، أي إلى رفض استراتيجية بوش الجديدة بوصفها استمراراً للأسلوب القديم.

نقفل باب المؤشرات التي تفصح عن ممانعة “المعتدلين” العرب لإدارة الرئيس بوش، بالتذكير بموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي رفض عرض كوندوليزا رايس بدولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة في مؤتمر صحافي مشترك معها، بعد أن أعلن عن زيارة قريبة لدمشق كان من الصعب تخيل وقوعها قبل اشهر معدودة فقط.

هكذا يبدو أن “المعتدلين” العرب يرفضون السقوط مع جورج بوش في الهاوية العراقية، وأنهم يرغبون في قرارة أنفسهم في الانفضاض عنه قبل فوات الأوان تماماً كما يفعل الأوروبيون وثلثا الشعب الأمريكي ومعظم أمريكا اللاتينية وروسيا والصين وصولاً إلى الهند وباكستان. في هذه الأيام يبدو بوش وحيداً في الهاوية العراقية، وربما أقرب من أي وقت مضى من بطل رواية سرفانتيس الشهيرة، وإن سألتم عن رفيقه بلير فهو يقيم في “10 داوننج ستريت” وقد دافع للتو عن استراتيجية الانتصار الجديدة... في العراق.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018