قراءة في مضامين إستراتيجية بوش الجديدة../ أحمد الحيلة*

أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش إستراتيجيته الجديدة بعيداً عما تضمنه تقرير بيكر ـ هاملتون الذي أوصى بإشراك دول الجوار في حل الأزمة العراقية وعلى وجه التحديد سوريا وإيران، وأوصى بانسحاب تدريجي بعد تأهيل وتسليم المسؤولية للقوات العراقية..، فجاءت إستراتيجية بوش لتعزز التواجد العسكري الأمريكي في العراق والمنطقة ، إضافة إلى اتهام كل من سوريا وإيران برعاية "الإرهاب" وتحميلهما المسؤولية عما يجري في العراق والمنطقة..

وبمتابعة مفردات خطاب الرئيس بوش، يمكن رصد أهم مضامين الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط على النحو التالي:

• أولاً: الاعتماد المباشر على القوة العسكرية في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، مع استبعاد لغة الحوار والمفاوضات مع بعض الدول المعنية كـ سوريا وإيران..، ناهيك عن إشراكهما في حل الأزمة العراقية ـ بحكم الجوار وتداخل المصالح ـ وذلك كما أوصى به تقرير بيكر ـ هاملتون. فخطاب الرئيس بوش وصف العلاج للأزمة العراقية باستعمال المزيد من القوة العسكرية بإرسال نحو 21.5ألف جندي أمريكي إضافي إلى العراق متجاهلاً أسباب اضطراب الساحة العراقية المرتبط عضوياً بوجود القوات العسكرية الأمريكية المحتلة. ومتجاهلاً في ذات الوقت حقيقة أن إستراتيجية القوة في العراق فشلت ولم تجد نفعاً، فرغم اعترافه في خطابه أن إستراتيجيته في العراق ـ والتي وصفها بـ"الخطأ"، للتخفيف.. ـ قد فشلت، إلا أنه حاول الالتفاف على ذلك بتحميل المسؤولية لحكومة المالكي المتهمة بالتقصير، ولسوريا وإيران المتهمتان بدعم المسلحين عبر الحدود.

• ثانياً: استقطاب الدول العربية ودفعها إلى حد الشراكة في إستراتيجية بوش الجديدة بدافع الخوف، وتحت سيف الترهيب من تحول العراق إلى ساحة لتصدير الإرهاب، إذا فشلت الإستراتيجية الجديدة. فالرئيس الأمريكي أشار بشكل مباشر إلى أن هزيمة أمريكا في العراق سيهدد مستقبل مصر، والسعودية، والأردن ودول الخليج، مطالباً الدول العربية بدعم الحكومة العراقية.

• ثالثاً: محاولة عزل كل من إيران وسوريا سياسياً عن المحيط العربي والدولي باتهامهما بدعم "الإرهاب" وتحميلهما المسؤولية عن تدهور الأوضاع في العراق من خلال اتهامهما بدعم المسلحين عبر الحدود، الأمر الذي يعني أنهما دولتان في حالة مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد استبعاد الحوار مع أي منهما، وهذا في حد ذاته يؤسس لما بعده من خطوات لاحقة قد تمس تلك الدولتين.

• رابعاً: تهيئة المنطقة لمواجهة محتملة مع إيران أولاً..؛ فالرئيس بوش في خطابه أعلن أنه اتخذ خطوات لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، قائلاً: "لقد أمرت مؤخراً بانتشار حاملة طائرات إضافية في المنطقة، وسنوسع مشاركتنا الاستخبارية، ونضع نظام دفاع جوي لطمأنة حلفائنا وأصدقائنا..، وسوف نعمل مع آخرين لمنع إيران من حصولها على الأسلحة النووية ومن السيطرة على المنطقة.." هذه المفردات تشير إلى أن المنطقة تتحضر وتستعد لحرب جديدة قادمة؛ فلا يعقل أن إرسال حاملة طائرات أو نشر منظومة صورايخ باتريوت المضادة للصواريخ الباليستية، جيء بها إلى الخليج للتصدي لعمليات المقاومة العراقية بالأسلحة الخفيفة أو لمنع عمليات التفجير التي تستهدف دوريات الجيش الأمريكي في الأنبار وبغداد..!!

لا شك أن خطاب الرئيس الأمريكي دلالة على أن واشنطن تحضر لإدخال المنطقة العربية والشرق الأوسط في دوامة من الصراعات الداخلية والبينية..؛ فالولايات المتحدة نجحت لحد الآن في تشكيل أو بلورة ما أسمته بمحور "الاعتدال" (مصر، الأردن، السعودية ودول الخليج الأخرى) في مقابل دولٍ أخرى أسمتها أمريكيا بمحور "التطرف" (إيران، سوريا، حزب الله، حماس)، وهي تسعى (واشنطن) جاهدة لأن تقوم دول "الاعتدال" بدور الشريك النشط في تنفيذ الأجندة الأمريكية الشرق أوسطية بذريعة محاربة "الإرهاب" المدعومة حسب زعمها من الدول المتطرفة.

وفي هذا السياق، من المرجح أن اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بدول "الاعتدال" في الكويت قد ناقش بشكل أساس كيفية التصدي للمشروع النووي الإيراني، ودور تلك الدول في هذا الاتجاه الذي قد ينحى منحاً عسكرياً في ظل تمسك إيران بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.

إلى ذلك، ستعمل واشنطن جاهدة للاستفادة من أخطاء إيران والطائفة الشيعية بحق السنة في العراق لتأجيج مخاوف الدول العربية من أن إيران تسعى لامتلاك التكنولوجيا النووية كمشروع شيعي طائفي ضد السنة والدول العربية في الخليج والمنطقة عموماً.

وليس بعيداً عن ذلك، سعي واشنطن لتوفير أجواء سياسية مناسبة لمشاركة عربية في أي خطوة عسكرية قادمة ضد إيران، قيام واشنطن بقيادة كونداليزا رايس بلعب دور نشط بين الحكومة الإسرائيلية والرئاسة الفلسطينية، والحديث عن حل مرتقب للقضية الفلسطينية. وليس مستبعداً أن تشهد الأيام القادمة مفاوضات ولقاءات ثنائية أو ثلاثية أو..، تدور في حلقة مغلقة على قاعدة خارطة الطريق، وذلك لتقطيع الوقت، وذر الرماد في العيون بغية إظهار واشنطن أنها طرف حريص على إنهاء الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية. وكل ذلك لن يعدو زوبعة في فنجان يراد منها رفع الحرج عن بعض الدول العربية أمام شعوبها إن هي شاركت واشنطن في استهداف إيران عسكرياً.. حتى لا يقال إن دولة عربية تحالفت مع واشنطن التي تدير ظهرها للقضية الفلسطينية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018