أميركا المتشدّدة بالعروبة ضـد الفـرس والخـوارج!../ سليمان تقي الدين

بينما يباشر الرئيس الأميركي بوش اندفاعته العسكرية في العراق، ويبعث بأساطيله لإحاطة الخليج كما السوار بالمعصم، تمهد وزيرة خارجيته رايس لموجة الضغط الجديدة بتحضير الأجواء العربية. لقد اختارت رايس عنواناً لمهمتها في المنطقة يثير الغرابة والدهشة: «وقف التدخل الخارجي» في مناطق النزاع: العراق، فلسطين، ولبنان. صوّبت باتجاه واحد، بتحذير طهران ودمشق، من مغبّة استمرارهما في تهديد الاستقرار في العراق ولبنان وزعزعة الديموقراطيات الفتية!

لأول وهلة تختلط علينا الجغرافيا بعد أن اختلط التاريخ. ما هو «الخارج» الذي يعبث بأمن المنطقة سواء في دائرة العالم العربي، أم في دائرة الشرق الأوسط. ومن هي الجهة التي أوجدت حالة الفوضى وعدم الاستقرار؟. إذا وضعنا الملف الفلسطيني جانباً ودور الولايات المتحدة فيه، فإن الاحتلال الأميركي للعراق هو الذي أحدث كل هذه التداعيات من العنف ومن «تدخلات» دول الجوار. والقرار 1559 هو الذي أدخل لبنان في دائرة التجاذب الإقليمي والدولي، والحرب الإسرائيلية المدعومة أميركياً على لبنان هي التي انتجت هذه الأزمة الوطنية.

لم يكن متاحاً قبل ذلك كله لإيران وسوريا، الانغماس في دعم القوى والحركات التي تسبب هذا الحرج للولايات المتحدة وخطتها في الشرق الأوسط. في لحظة ما من الهجوم الأميركي على المنطقة قدمت سوريا تنازلات واضحة. تعاونت أمنياً ضد «الإرهاب» حدّت من نشاط الفصائل الفلسطينية على أرضها، انسحبت من لبنان، حاولت الاحتماء من العاصفة بالحضن العربي السعودي المصري، سارعت إلى تحسين علاقاتها بتركيا. قدمت عرضاً مفتوحاً لمفاوضة إسرائيل على الجولان. بدأت بتقديم خطاب إصلاحي داخلي سياسي واقتصادي. وأصرّت على الحوار مع أميركا!

إيران من جهتها استفادت من الاحتلال الأميركي للعراق لكي توسّع شبكة نفوذها عبر سياسة احتواء الاحتلال الذي انشغل بتطويع المقاومة و«اجتثاث البعث» وتدمير القوى القومية والعروبية. وفي لحظة ما قدمت عروضاً للتفاوض والمساعدة. بينما قامت السياسة الأميركية على ركيزتين، تفكيك الدولة وتحطيم مقوماتها البشرية والمادية، واستباحة النهب المنظم لثروات العراق، من النفط إلى الآثار، مروراً بتهجير العلماء أو قتلهم.

هذه وقائع يصعب إغفالها في النظرة إلى ما تسميه رايس: «التدخلات الخارجية» وهي وقائع تعترف بها رايس كأخطاء تكتيكية. أما الملف الفلسطيني فلم يفلت من اليد الأميركية إلا بعد انقضاء ولاية بوش الأولى دون تحقيق شعار «الدولتين» وبعد التعطيل المتمادي «لخارطة الطريق» وشل المبادرات الأوروبية وتجاهل المبادرة العربية في قمة بيروت، حتى صعود «حماس».

من البديهي إذاً القول إن فشل السياسات الأميركية في محاور النزاع كافة هو الذي يسمح بتقدم «محور الممانعة» لكي يهز بعض مواقع النفوذ الأميركي. خارج بؤر التوتر التي فتحتها أميركا هناك نظام عربي مستقر مدجّن يحتضن القواعد العسكرية ويؤمن مسالك العبور للقوات البرية ويوفر المياه الهادئة والدافئة. فحين تتحدث رايس عن «التدخلات الخارجية» تتصرف وكأنها في قلب العالم العربي والشرق الأوسط وكأن بلادها مكون أساسي من مكوناته التاريخية. إنها غيرة أميركية مستجدة على «العروبة» ضد الفرس والخوارج!. لكن أليست الولايات المتحدة هي التي اسقطت بوابة العالم العربي في وجه طهران؟ أليست هي التي اسقطت راية فلسطين من أيدي أصدقائها العرب في «أنظمة الاعتدال» حتى تصبح تلك الراية في أيدي قوى عربية تعاني الحصار والقهر الوطني والاجتماعي؟. وأين يمكن أن تتجلّى الغيرة الأميركية طالما أن الهدف المعلن هو شرق أوسط من ركائزه قوى إقليمية ذات قدرات عسكرية واقتصادية هي: إيران وتركيا وإسرائيل؟. في المنظور الأميركي هذا ليس هناك أي انحياز مسبق لفقه سني أو جعفري ولا تفضيل لعنصر عربي أو فارسي أو تركي. لقد تناوبت السياسات الأميركية على استخدام الجماعات الطائفية بحسب الحاجة في أفغانستان والعراق. وهي تسعى اليوم، رغم قرع طبول الحرب، إلى خلق توازنات تضمن مصالحها في: النفط وإسرائيل.

تُحرِّض الولايات المتحدة، العرب على العرب، والعرب على إيران، ولبنان على سوريا وأثيوبيا على الصومال، و«فتح» على «حماس» والسُنة على الشيعة، والشيعة على السُنة مرّة بالاستفزاز ومرّة بالقهر، وهذه جميعها مكونات تاريخية أصيلة في الشرق الأوسط، من أجل حماية «التدخل الخارجي» الأكثر خطورة على المنطقة: أميركا وإسرائيل. من مهازل التاريخ أن يتحول اللص الأميركي حامياً للبيت العربي، والاستعمار الجديد حارساً لحدود الأمة!


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018