المكتوب يُقرأ من عنوانه.. لا جديد مع رايس/ د.علي الجرباوي

فشلت سياسة الرئيس بوش في الشرق الأوسط فشلاً ذريعاً. فالشرق الأوسط الكبير أولاً، والجديد ثانياً، لم يريا النور. بل على العكس تماماً، فالعراق الذي أُريد له أمريكياً أن يصبح منطلق التغيير الديمقراطي في المنطقة تحوّل إلى ساحة عنف متصاعد، تختلط فيه الصراعات وتتفاقم، وتحصد معها آلاف العراقيين وعشرات الجنود الأمريكيين كل شهر. أصبح العراق مستنقعاً يستنزف الإدارة الأمريكية ويورّطها كل يوم أكثر وأكثر. وتعقّدت بسبب ذلك ملفات المنطقة على الأمريكيين. فإيران تخصب اليورانيوم في تحدٍّ سافر للإرادة الأمريكية، وسوريا تناكف في العراق ولبنان وفلسطين، وحكومة لبنان المدعومة غربياً تواجه معضلة داخلية، والرئيس الفلسطيني الذي يحظى بالقبول الغربي أصبح له حكومة من حماس، والحكومة “الإسرائيلية” تئن تحت وطأة الهزيمة في لبنان، إضافة إلى قضايا الفساد الداخلية. أما دول الاعتدال العربي التي تعتمد على السياسة الأمريكية للإسناد، فقد بدأت تتذمر من تهوّر الإدارة الأمريكية وعجزها عن استيعاب تعقيدات المنطقة وما يتطلبه التعامل معها من ضرورة التحول في السياسات.

بعد تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة حول سياسة بوش في العراق، اضطر الرئيس لتشكيل لجنة مشتركة من الحزبين لتقديم المشورة له بهذا الخصوص. جاء تقرير بيكر-هاملتون مثيراً لقلق أقطاب الإدارة الأمريكية. فعلى عكس منطلقات سياسة هذه الإدارة في منطقة الشرق الأوسط، أكد التقرير تشابك القضايا والملفات فيها، منبّهاً إلى محورية القضية الفلسطينية وضرورة إعطاء التوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني العربي “الإسرائيلي” اهتماماً بالغاً.

لم يكن الرئيس الأمريكي بوارد القبول بتوصيات التقرير لأنها لا تعبّر عن توجهاته وقناعاته، ولكن لم يكن بإمكانه أيضاً أن يتجاهلها بالكامل. لذا، في حين أعلن عن تغيير مضاد لما ورد في التقرير حول الاستراتيجية الواجب اتّباعها في العراق، أوفد وزيرة خارجيته في جولة في المنطقة لكسب الدعم العربي لهذه الاستراتيجية الجديدة. وبما أن البحث عن تسوية للقضية الفلسطينية يتصاعد دائماً كلما وجدت الولايات المتحدة نفسها تمر في أزمة في المنطقة، فقد استُلّت هذه النقطة من تقرير بيكر-هاملتون ليتم من خلالها “ذرّ الرمال في العيون” العربية. الآن أصبحت رايس معنيّة بإنعاش “خارطة الطريق” التي ما أن أطلقها بوش قبل ستة أعوام حتى أدخلها بناء على رغبة شارون في حالة سُبات “الكوما”. الآن عادت رايس فجأة وتذكرت أن الفلسطينيين يعانون وأنهم يستحقون إنهاء هذه المعاناة و”التمتع” بدولة.

ولكن على الرغم من أن هذا التذكر المفاجئ لم يكن في جعبة رايس خطة جديدة للإنعاش والتنفيذ. قابلت ليبرمان وليفني وبيرتس، وتباحثت مع عباس، وعادت للقاء أولمرت، وجابت العواصم العربية، وصرحت في كل مكان عن الاهتمام بإيجاد تسوية سياسية، ولكن لم يكن لديها خطة، فقد جاءت للاستكشاف والاستماع، وكأن هناك مستجدات سوى ازدياد الاستيطان “الإسرائيلي” والمعاناة الفلسطينية. ولكنها مع ذلك حصلت على تأييد عربي لاستراتيجية بوش الجديدة بشأن العراق، ووعدت في المقابل أن يزداد اهتمامها الشخصي بالبحث عن التسوية التي ما فتئت تنشدها الدول العربية المعتدلة، لتبرر بواسطتها سياساتها الداعمة لأمريكا.

واستبشر هؤلاء “المعتدلون” خيراً بإعلان رايس عن عقد قمة ثلاثية مع عباس وأولمرت خلال الأسابيع القليلة المقبلة. فالمهم تحقيق حراك (حتى لو كان شكلياً) يُستدل منه أن المستقبل يحمل في جعبته “إمكانية إيجابية”. أما الضمانات التي من الممكن أن يُستدل بموجبها على التفاؤل فهي لا تزال غائبة، ولكن لا أهمية لذلك، فالوعد من عند رايس مقبول ومأمول.

هل يوجد حقاً “إمكانية إيجابية” في التحرك الأمريكي الحالي بشأن تحقيق التسوية السياسية؟ إن كان المقصود ب”الإمكانية الإيجابية” تحقق المطالب الفلسطينية بشأن إنهاء الاحتلال “الإسرائيلي” وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 (مع تعديلات طفيفة متبادلة) وحل قضية اللاجئين وفقاً للقرارات الدولية، فإن هذه الإمكانية غير واردة في رؤية بوش أو تحول رايس. فالإدارة الأمريكية، كسابقاتها من الإدارات وربما أكثر، تتبنى المواقف “الإسرائيلية” وتُنسّق سياساتها في هذه المسألة بالكامل مع “إسرائيل”. لذلك لا يتوقع منها على الإطلاق أن تمارس أية ضغوط فعلية على الحكومة “الإسرائيلية” لجعلها تتبنى مواقف لا تريدها.

بالتالي فإن التحرك الأمريكي الحالي لن يخرج في إطاره عمّا تقبل به “إسرائيل”. و”إسرائيل” تقبل الآن بعد أن شارفت على إنهاء إقامة جدار العزل داخل الضفة بحل انتقالي طويل الأمد، وفقاً لما حدّده شارون سابقاً، يقوم على أساس انتقائي تحتفظ “إسرائيل” من خلاله بما تريد من أراضي الضفة المفرغة من السكان، ويعطي للفلسطينيين البقايا المكتظة بالسكان.

هذه البقايا تُشكّل دولة الحدود المؤقتة المحصورة داخل الجدار. إن قبل الفلسطينيون والعرب بذلك ستستمر رايس في جولاتها المكوكية في المستقبل لإنهاء “الصفقة”. عدا عن ذلك لن يكون في جعبة الوزيرة الأمريكية أية “إمكانية إيجابية”.

هل يجب على الفلسطينيين والعرب الموافقة؟ بالتأكيد لا، فالأزمة الأمريكية في المنطقة خانقة، والعرب إن تكاتفوا وتشجعوا يمكنهم الاستحصال على أكثر من الحد الأدنى الذي تطرحه “إسرائيل”. في هذا السياق يُفترض بالفلسطينيين والعرب التصميم على عدم القبول بالحلول الانتقالية كهدف، حتى ولو كان مرحلياً من جهة. ومن جهة أخرى عليهم أيضاً رفض العودة إلى عملية المفاوضات وفقاً لطريقتها القديمة (المراحل المفتوحة وغير المتوالية أو الملزمة).

بالمقابل، عليهم التشديد على طرح المبادرة العربية كأساس للعملية التفاوضية، والإصرار على أن يتم الاتفاق الواضح والصريح والمعلن على النتيجة النهائية للعملية التفاوضية، قبل أن يتم الغوص في تحديد آليات ومراحل عملية التسوية السياسية. على الفلسطينيين والعرب كي يحققوا الهدف أن يتشبثوا بضرورة إعلان “إسرائيل” قبولها بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والسيادية، ومن ثم الدخول معها في مفاوضات لتحديد الآليات والأدوات والجداول الزمنية لتحقيق هذا الهدف.

أما إن قبل الفلسطينيون والعرب بالعودة إلى نفس المسار التفاوضي السابق، المفتوح على مصراعيه، فإن رايس، ومن ورائها بوش وأولمرت، سيأخذون الفلسطينيين والعرب في “نزهة” جديدة. وللأسف، على الأغلب أن هذا ما سيحصل فعلياً، وسينتهي الأمر بتبرير القبول بالدولة ذات الحدود المؤقتة التي ستصبح مع مرور الوقت حدوداً دائمة. ولكن ما يجب الانتباه إليه أن مثل هذا “الحل” لن يجلب الاستقرار والأمن للمنطقة، بل سيؤجج صراعاتها ولو بعد حين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018