حوار متوتر.. خطأ متكرر../ زياد أبو شاويش

الحوار الاخوى المفترض بين أصحاب القضية الواحدة تحول إلى قضية بحد ذاتها، حيث تصاعد في الفترة الأخيرة صراخ التجاذبات بين الأطراف الفلسطينية، وخاصة حماس وفتح، إلى درجة غير مسبوقة، بما يوحي بان الحوار نفسه يشكل قضية في حد ذاته.

قبل أن يصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى دمشق انطلقت تصريحات من أكثر من طرف تنبئنا بجملة من التوقعات، وحملت أغلبيتها الصادرة من محيط الرئيس ومستشاريه نظرة متشائمة لنتائج الحوار حسب فرضياتها المبنية على موقف مسبق على ما يبدو تجاه مجمل القضايا المثارة، وحيث ترغب هذه الأطراف في أن تتنازل حركة حماس عن نتائج الانتخابات بشكل طوعي لتشكيل حكومة تلتزم خطاب التكليف المرفوض من جانب حماس والذي يفرغ نصرها الانتخابي من مضمونه، إن وافقت عليه، ليس هذا وحسب بل إن هذه الأطراف تريد حكومة ليس لها لون سياسي لتتمكن من تجاوز ضغوط الرباعية واشتراطاتها المعروفة. وفي المقابل نرى ونسمع الأخوة في حماس ومن يأخذ رأيهم في أولوياته يردون بان الوحدة الوطنية ممكنة فقط عندما تتخلص الرئاسة من الضغوط الأمريكية والاشتراطات الخارجية، ليكون الاتفاق فلسطينياً صافياً على حد قولهم.

وربما أن هذه التجاذبات منطقية بالاستناد إلى مواقف الأطراف المختلفة، لكن من غير المنطقي، ويتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني كما يراها طرفا الحوار الأخوي المفترض، أن يتم طرح رؤية كل طرف بشكل لا يساعد على بدء حوار مثمر ناهيك عن استمرار هذا الحوار إلى نتائج تأخذ بالفعل مصالح الشعب الفلسطيني بالحسبان.

إن أول نتيجة مباشرة لمثل التصريحات التي سمعناها قبل وصول الرئيس إلى دمشق وخصوصا من طرف فتح والرئاسة وفي الردود عليها هو خلق توتر وحرج حول ضرورة عقد اللقاء من الأساس، الأمر الذي دفع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع للدخول بقوة على خط الوساطة، مع باقي الفصائل الفلسطينية التي تعلق الآمال على مثل هذا اللقاء.

إن جملة المشاكل التي تعترض تحقيق الوحدة الوطنية أصبحت واضحة ومحددة بعناوين يمكن وضعها تحت بندين رئيسيين:

الأول : الشق السياسي

حركة فتح والرئاسة ومعها من بقي من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير يرون في استكمال تطبيق اتفاق اوسلو عبر خارطة الطريق حلاً للاستعصاء المستمر منذ سنوات، ويرون أن الطرف الفلسطيني لا يملك ما يكفي من أوراق لتسريع أو تعديل المسار كما يراه الأمريكيون والإسرائيليون برغم ما في ذلك من ارتهان لظروف أمريكا الداخلية وأجنداتها الخارجية، ومركزها العراق كما هو معروف، وفي الطرف الاسرائيلي موضوع نتائج حرب تموز العام الماضي وانعكاساتها على الأوضاع الداخلية في إسرائيل.

وعليه ترى هذه الأطراف أن أي حكومة فلسطينية وأي ترتيبات لابد أن تستوعب هذا المعطى المقرر، والا تعرضت السلطة الهشة وكل إنجازات اوسلو للدمار، وفي تسويقها لهذا الرأي تحرص هذه الأطراف على تصوير الأمور كما لو كانت في طريق بناء الدولة المستقلة، وان على مراحل وان التضحية بالسلطة القائمة تحت اي مسمى هو في خدمة الاحتلال، وعليه لا بد من المحافظة وبأي ثمن على هذا المنجز المسمى بالسلطة الوطنية، واستمرار النضال السياسي لتحقيق الدولة التي أشار لها الرئيس الامريكي وخارطة الطريق.

وفي المقابل ترى حركة حماس أن المرونة المطلوبة يجب أن لا تتجاوز إلى التسليم بكل الأوراق لصالح الرؤية الإسرائيلية لأجندة المراحل الأمريكية والاولويات كما يراها العدو، وانه بالامكان تحسين شروط البقاء وتعزيز السلطة عبر بعض التمرد على هذه الأجندات، وليس نسف كل شيء، ولعل هدوء حركة حماس وانخفاض سقفها السياسي المعلن عبر القبول بحدود 1967 لدولة فلسطينية بالمواصفات التي طرحتها والتي تلتقي مع البرنامج المرحلي المقر من جانب منظمة التحرير منذ ما يزيد عن الثلاثين عاماً قد خلق الأرضية المواتية للحديث عن وحدة وطنية ممكنة دون الإخلال بالالتزامات الدولية الواردة في اتفاقات اوسلو وخارطة الطريق، ورغم كل الحديث المعلن عن صيغة خطاب التكليف حول الإقرار أو الالتزام أو العمل أو غيرها من الصيغ ، فان الأمر لا يعدو كونه تحايل على القضية الجوهرية المتمثلة في استمرار المقاومة من عدمها من جانب حماس أو من جانب حركة فتح والرئاسة بشكلها العسكري والعنيف.

إن إقراراً من حماس بالاتفاقات الموقعة والالتزام بها هو تغيير جوهري في موقف الحركة إن وقع، ويجردها من كل غطائها الشعبي ولذلك تجاهد حماس في تلمس الوسيلة الممكنة لبقاء هذا الغطاء وبأقل الخسائر، لان اي فشل هنا في دمشق سيحسب على حماس كون الرئيس عباس أتى بنفسه إلى سوريا مع حديث ودعاية ذكية صورت الأمور بشكل مدروس بحيث يبدو الرئيس الاحرص على المصلحة الوطنية والمبادر لإصلاح الأمور من اجل الخروج من الأزمة وهذا أيضاً أضاف توتراً آخر على حركة حماس مما دفع بنائب رئيس مكتبها السياسي الدكتور موسى أبو مرزوق ليصرح بان اللقاء لن يتم، ولم يكن هذا بيت القصيد من التصريح بحكم أن الأخ أبو مرزوق من الذكاء بحيث يعلم أن اللقاء ممكن أن يتم في اللحظات الأخيرة وان هناك وساطات جدية على الأرجح ستنجح، ولكن الغرض من التصريح كان تخليص عباس من ورقة القوة التي ذكرناها حول الحرص والمبادرة من اجل الوحدة الوطنية ودرء الفتنة وإراقة الدماء، وقد لاحظنا جميعاً حدة التصريح في تحميل الرئيس ومحيطه مسؤولية فشل اللقاء وعدم عقده.

ورغم كل ما تقدم فان الجانب السياسي من الخلاف ليس هو سبب التوتر الحاصل على شكل المفاوضات والحوارات، وإمكانية عقد اللقاء وحجم الوساطات والجهد المبذول لعقد اللقاء.

ثانياً : الجانب التنظيمي الاداري

وهو ما عنيناه بالسبب الرئيسي للتوتر والذي طالته تصريحات القوم يمنة ويسرة ولم يسلم من تكهنات زادت حجم التوتر وتكرار ذات الأخطاء، حيث يوضع الشكل وطريقة الإخراج مكان الجوهر والتطبيق على الأرض، ويعزز نتائج سلبية يسعى لها البعض، وجود كم كبير من انعدام الثقة بين طرفي الحوار الأبرز أي حماس وفتح، مع تاريخ دموي بينهما يبقي هذا التوجس سيفاً مسلطاً فوق أي محادثات أو نتائج تريح الشارع الفلسطيني وتفتح آفاق الحل لمشكلات ثقيلة من نوع وقف الاقتتال والمخصصات، والاستثمار والتعليم وغيرها من القضايا الحياتية الملحة والغير قابلة للتأجيل.

إن عدم الثقة هو الذي يجعل حماس تتمسك بشكل اكبر وبطريقة غير مفهومة أحياناً بمواقع ووزارات لا قيمة لها في ظل البرنامج السياسي للحركة أو حتى برنامجها الانتخابي، كما أن عدم الثقة هو الذي يجعل الرئاسة وحركة فتح تتمسكان أيضاً بمطالب تقترب من التعجيز لحماس كحكومة تكنوقراط ليس لحماس اي سلطة عليها أو طلب كل الوزارات السيادية أو التشبث بوزارة الداخلية، برغم وجود كل الأجهزة الأمنية بين يديها ومعها حرس الرئاسة الجهاز الأقوى الآن في السلطة الوطنية الفلسطينية.

وفي ظل هذه الحالة يتم الإعلان عن اللقاء وعن أجوائه، المرتقبة فان الأرجح أن يكون هذا الحوار متوتراً ولتخفيف اي نتائج غير مرجوة يتم التصريح بين الفينة والأخرى أن الحوار واللقاء لا يستهدف إجمال كل نقاط الخلاف أو الوصول لحل كل القضايا وكما لو كان مكتوب على الشعب الفلسطيني ليس فقط المماطلة من جانب الأمريكيين والعدو الاسرائيلي في تطبيق ما اتفق عليه بل وان يتحمل أوزار طرفي الخلاف وعدم ثقتهما في بعضهما البعض.

إن المراوحة والعودة للخلف ومن ثم التقدم والحركة باتجاه اليمين ثم باتجاه الشمال قد أرهق الشعب الفلسطيني وفاقم أزماته المعيشية وغيرها، ناهيك عن الدماء الغزيرة التي تجري بسبب وبدون سبب، ويتساءل المرء حقاً عن الوقت اللازم لإدراك حجم الخطر المحدق بكل القضية الفلسطينية وأهمية تنقية الأجواء وتعزيز الثقة للخروج من هذا المأزق.

إن خروجاً محسوبا عن الطوق الامريكي من جانب عباس والرئاسة، يقابله مرونة أعلى من جانب حماس في الجانب التنظيمي ربما يوقفان التوتر ويشيعان جواً من التفاؤل المطلوب بقوة هذه الأيام، ولعل النقطتين اللتين تحدثت عنهما بعض وسائل الإعلام باعتبارهما تحظيان باهتمام الرئيس، وهما وقف الاقتتال ورفع الحصار تشكلان أيضاً مركز اهتمام حركة حماس، ويبقى أن نخفف جميعاً من مستوى التوتر عبر تغليب المصلحة الوطنية على الفئوية وبتصريحات مرنة غير متشنجة توحي بالأمل وليس العكس، والطرفان مدعوان لهذا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018