الكذب والإنتهازية .."قحبنة" السياسة/ أحمد أبو حسين

يبدو أن عدوى الأمراض المزمنة الفيروسية والسلوكية للسياسة الحزبية الإسرائيلية لها تأثيراتها وإسقاطاتها على خريطة الأحزاب العربية في إسرائيل وهي بدون شك موضوع يستحق البحث من جانب الباحثين والمتابعين للشؤون العربية، وقد يتوصل هؤلاء إلى نتائج وحقائق لم ينتبهوا إليها من قبل حول ما فعلته إسرائيل بأصحاب البلد من تشويه أخلاق وهوية إلى درجة التأثير على قوى وفعاليات الناس بمن فيها الحركة الوطنية التي من المفروض أن تتحصن جيدا خوفا من أمراض " الإسرائيلية " كهوية كولونيالية. وقد يتفاجأ هؤلاء من مستوى الكذب والتملق والفساد المستفحل في صفوف الناس، ولا أقصد بالطبع أن العرب لم يعرفوا الكذب من قبل ومن أيام مسيلمة بن حبيب الكذاب، بل بالعكس هناك تراث غني وحال "الكذب عند العرب" حال "الجنس عندهم" باختلاف بسيط في القرون الأخيرة أن الكذب اشتد واحتدم، أما الأخير فقد "ارتخى" في زمن الخصيان وغياب "الفحولة" العربية.

لا أسوق هنا مجرد كلام إنشائي من قاموس "القوميين العرب الكلاسيكيين" لاستفزاز القارئ، هذا كلام قيل في المقاهي والصالونات، لأن الكذب إلى حد استهبال الآخرين لا يطاق في هذه الأيام، يكفينا الكذب العام الذي يلقي بظلاله على السياسة العامة. لذلك لا بد من ملاحظة تقال في هذا السياق خاصة ونحن ذاهبون إلى الانتخابات.

هذا يعني أن الكذب والنذالة ميزة الخائفين من الحاضر والمستقبل، والأنذال يخافون الشجعان والأحرار، والخائفون لا يصنعون الحرية، وهناك علاقة بين الشجاعة والصدق، والشجعان هم الذين يصنعون النصر، وهم الصادقون.

ولو صدق الناس في استطلاع حول " الكذب على الله " ومدى صدقية خشوعهم أثناء تأدية الطقوس الدينية، لوجدنا كذبا من نوع آخر يتعدى "الفضيلة " وهو كذب على النفوس وهي ممارسة ذاتية لتحطيم هوية شخصية.

وهناك من يمارس الفهلوية والحذلقة والكذب كجزء من ممارسة البحث عن بطاقة دخول إلى "الأسرلة" .. فلسطيني في الطريق إلى رام الله وإسرائيلي في تل أبيب وهو لا يختلف البتة عن ذاك الذي يعترف أنه "يكذب على الله " ورغم ذلك مستمر بممارسة الطقوس .

الكذب الإسرائيلي نتاج مجتمع استيطاني مارس "عملية سطو" وله أيضا علاقة مباشرة "بحداثة ونظام الكولونياليين"، ولا نبالغ عندما نقول أن الكذب الإسرائيلي له نكهة خاصة لدرجة أن فنون الكذب تدرّس في المعاهد الأمنية كما تشير أدبيات المخابرات الإسرائيلية لكي يستطيع الدارس "إتقان الكذب" ، ليصبح بعد الممارسة فناناً بالكذب، والسياسة الإسرائيلية مليئة بالكذب إلى حد "القحبنة السياسية" (مصطلح دارج في السياسة الإسرائيلية ) وتحويل الكذب إلى حقيقة وواقع (أنظر كذبة حزب "كديما" بعد غيبوبة شارون وتحويل الحزب إلى حقيقة ومشاركة الإعلام والصحفيين في تحويلها إلى قوة هائلة)، وبث الكذب لا يحتاج إلى "أخلاقيين" بل إلى عديمي الأخلاق أو أشخاص أخلاقيين بأقواس، وبدون أقواس، تلقفوا أو وصلتهم الكذبة على أساس أنها حقيقة ويقومون بتسويقها.

"الغاية تبرر الوسيلة " .. والكذب وسيلة الإنتهازيين في السياسة وتصبح "فضيلة" لأنها من أدوات "عمله " وتساعده في تحقيق المآرب والغايات، ولا يعني لهذا الإنتهازي أو ذاك ما قد يحدث من أضرار وخلل .. المهم النتائج في حالة تمرير الكذب .. وكما ذكرت فإن إتقان الكذب بفن يحتاج إلى موهبة ، لذلك ينفضح في أغلب الأحيان بعض الإنتهازيين لعدم إتقانهم الكذب ليتبين لنا سريعا أنهم يكذبون ولا ينطلي كلامهم على أحد.

ثمة علاقة وطيدة بين الكذب والإنتهازية، وبين الكذب من نوع خاص والأسرلة (إنكار هويتك لصالح هوية كولونيالية) .. وما شهدناه في الشهر الأخير من تحضيرات وتحركات الأحزاب العربية للإنتخابات الإسرائيلية ليس له دخل في العلاقة المباشرة بين الأخلاق والسياسة كما كتب أحد الأصدقاء، إنما له علاقة مباشرة بين والكذب والإنتهازية في السياسة المحلية بالأساس التي لا يتعدى مستواها ما يحدث من "حراك" في قرية عربية تجري فيها الإنتخابات المحلية لأول مرّة.

أمام هذا الكم الهائل من الكذب لا بد للحركة الوطنية أن ترفع شعارها " أخي لا تكذب على نفسك".
- تخيّل عزيزي القارئ النبيه "مناضلا شرسا" يكتب قصيدة تطالب بمقاطعة البضاعة الإسرائيلية أثناء سفرة في باص لشركة "ايغد" الإسرائيلية ويقرأها لصديقته عبر نقال "السيلكوم"..
- تخيّل أيضا نائبا عربيا يكذب ويعرف أنه يكذب، ويعرف أيضا أن الناس تعرف أنه يكذب..
- كذبة مسيلمة بإدعاء النبوّة حوّلته إلى "الكذّاب الخالد"..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018