مشكلة الأنظمة العربية مع المحافظين الجدد../ إلياس سحاب

لا شك بأن الاشهر التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الاميركية في أواخر العام المقبل، ستكون مليئة بالحرج والبلبلة والقلق بالنسبة للعالم كله، وإن بنسب متفاوتة، لكن النسبة الأعلى من الحرج والبلبلة والقلق، ستكون بلا شك من نصيب القوى السياسية الحاكمة داخل الولايات المتحدة، والقوى الحاكمة في مناطق النفوذ الامبراطوري الاميركي، في شتى بقاع الأرض، وربما على رأسها المنطقة العربية وجوارها.

فقد تحددت معالم السياسة الدولية للانظمة العربية وقواعدها السلوكية في هذا المجال، وفقاً لموقفها منذ مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم، القائم على تحالف كامل مع سياسة واشنطن وخططها الاستراتيجية وتحركاتها التكتيكية في منطقتنا العربية بالذات. وقد كان طبيعياً، والحالة هذه، أن تتلون هذه العلاقة منذ مطلع القرن الجديد، بطبائع وأساليب وسلوكيات ورغبات إدارة المحافظين الجدد، الذين استولوا على البيت الأبيض، وسائر المؤسسات الاخرى الفاعلة في رسم السياسة الاميركية، في مناطق النفوذ الامبراطورية، خاصة تلك التي تستمد السلطة فيها نسبة عالية من ركائزها وقوتها، من هذه العلاقة.

وحتى قبل انتخابات مجلس الشيوخ والنواب الاميركيين الاخيرة، وتبلور الفشل الاميركي كاملاً على أرض العراق بشكل رئيسي، كما عبرت عنه بوضوح كامل الأحداث الميدانية نفسها، وتقرير لجنة بيكر ـ هاملتون الديموقراطية ـ الجمهورية، حتى قبل ذلك، كان استناد الانظمة العربية الى علاقتها بالمركز الاميركي الامبراطوري في واشنطن، يتسم بالثقة الكاملة والاستقرار والاطمئنان الى الحاضر والمستقبل، فيما عكس نفسه ليس فقط على السياسة الخارجية لهذه الانظمة العربية، بل حتى على سياستها الاقليمية والداخلية.

ومع أن إدارة المحافظين الجدد، تحاول منذ هبوب عاصفة التحولات السلبية التي رافقها هبوط بشعبية الرئيس بوش الى مستويات بالغة التدني، وفوزه بلقب أفشل رئيس في تاريخ الولايات المتحدة في استفتاء أخير، فإن الشكل الخارجي لتصرفات وتصريحات وقرارات الرئيس الاميركي حتى الآن، تسمح، لمن يريد المكابرة، أميركياً أو عربياً، الاعتقاد والادعاء بأن شيئاً لم ولن يتغير. فهل ان الانظمة العربية الصديقة أو الحليفة لأميركا (أي الانظمة المعتدلة حسب التعبير الاميركي) تعتقد ذلك حقاً، وتبني سياستها في العامين المقبلين بالذات على ذلك؟

قد يوحي الاجتماع الاخير الذي عقد في الكويت تتويجاً لجولة السيدة رايس الاخيرة للمنطقة، وأطلق عليه لقب «اجتماع 6+2»، بحضور وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة الى وزيري خارجية مصر والاردن، قد يوحي هذا الاجتماع، بالشكل الذي عقد فيه، والقليل الذي تسرب من محتواه، ان الامور تسير بهذا الاتجاه.

بعيداً عن تبني هذا الاعتقاد، أو تبني نقيضه، فإني أعتقد أن حيرة بالغة وقلقا شديداً يلفان الآن مراكز القرار في هذه الانظمة العربية، لأنها تعرف بحسها العملي، الذي لا يمكن إنكاره عليها، وبحرصها المؤكد على عدم الدخول في رهانات غير مضمونة النتائج والعواقب، لكل من يقرأ بوضوح وعمق تطور الأحداث الميدانية في هذه المنطقة الحساسة بشكل خاص، ان العام الحالي سيشهد آخر مناورات نظام المحافظين الجدد في واشنطن، لاقتناص ما يمكن من ثمار فرصته الاخيرة، قبل أن يجبره الحزب الجمهوري نفسه في مطلع العام المقبل (عام الانتخابات الرئاسية)، وربما قبل ذلك، على الكف عن المكابرة، حتى الاعلامية والدعائية، وخصوصا المكابرة في القرارات السياسية التي تصر على التصرف بالمنطقة العربية بالذات، كأن سياسة بوش في العراق، وفي التعامل مع دول المنطقة، المعتدلة وغير المعتدلة، قد سجلت نجاحات باهرة، وحققت ثماراً يانعة للنفوذ الاميركي والهيبة الاميركية.

وهذه الانظمة العربية تعرف جيداً بشاعة التعنت الاميركي في مسار القضية الفلسطينية، وتعرف تماما انه تعنت ناجم عن تبن أعمى لوجهة النظر الصهيونية الاكثر تطرفا، حتى لو كان الانحياز لها قد يكلف الولايات المتحدة ذات يوم كان مصالحها في المنطقة، إضافة الى هيبتها والى عواطف شعوب المنطقة.
ألم يقف عمرو موسى، وزير خارجية مصر الاسبق لعدة سنوات طويلة، يوكد أن الانحياز الاميركي لإسرائيل قد قضى على مبادرات السلام؟

ثم ها هو، قبل أيام، وزير خارجية مصري أسبق آخر (أحمد ماهر)، يؤكد ان التصريحات الاميركية عن تبني حل الدولتين، للتسوية في فلسطين، لا يعني شيئا، لان واشنطن عودتنا كلما أرادت دغدغة العواطف العربية، تكرار أحاديث مشابهة بشأن القضية الفلسطينية، دون أي خطوة عملية باتجاه تسوية حقيقية للصراع.

ثم ان هذه الانظمة تعرف، قبل سواها وأحسن من سواها، ان أي عناد يبديه بوش حاليا، لم يعد بمقدوره تحويله الى خطوات هجومية على غرار ما حصل في العراق قبل ثلاث سنوات ونصف، لا ضد ايران، ولا ضد أي دولة اخرى. وتصريحات وتوجهات زعماء الكونغرس الجديد تحمل إشارات واضحة في هذا الاتجاه، لمن يبحث عن الوقائع، لا عن الأوهام.

ومع ذلك، مع كل ذلك، لن يكون سهلا على هذه الانظمة العربية «المعتدلة» أن تبقى ساكنة بلا حراك في مدى السنتين المقبلتين، حتى تبلور الخطوة التغييرية النهائية في الولايات المتحدة، بتغيير سيد البيت الأبيض، وربما يحاول بعضها التحضير العملي، منذ الآن، للتعامل مع الاحتمالات العملية والواقعية، المتوقعة في السياسة الاميركية الدولية بالذات.

لكن الارجح مع ذلك، ان هذه الانظمة، لأسباب تتعلق ببنيتها الداخلية، أكثر من أي أسباب اخرى، ستظل تراوح مكانها في مسايرة سيد البيت الأبيض، حتى في نزوات السنة العملية الاخيرة، انتظارا لأول تراجع علني تضطر الادارة الاميركية الحالية للإقدام عليه عمليا وإعلاميا، حتى تبدأ بتلمس الاحتمالات العملية للمرحلة المقبلة. قد تكون تلك، مشكلـة الانظمة العربية مع الادارة الاميركية الحالية الحاكمة، لكن مشكلتنا أكبر، نحن المواطنين العرب، مع أنظمتنا الحاكمة، التي تكــاد بعجـزها المتمادي، تسد علينـا كل المنافــذ الى المستقبل، بل تكاد تجعل حاضرنا مجرد تكرار يومي لحياة استهلاكية خالية من أي روح وأي قيمة نبيلة.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018