فـي مـواجهـة الحقيقــة../ طلال سلمان

واجه اللبنانيون، مرة أخرى، أمس، الحقيقة التي يعرفونها جيداً ولكنهم يتجاهلونها أحياناً، أو يقفزون من فوقها عندما يأخذ بعضهم وهم القوة المطلقة إلى حد الافتراض أنه قادر على تجاوز «النظام» بغير أن يحطمه، أو أنه قادر على إجراء تعديل جذري في قواعد اللعبة السياسية بغير أن يتهدد الخطر مصير «الكيان».

ونفترض أن المعارضة قد واجهت هذه الحقيقة كما واجهتها الحكومة البتراء التي أوهمها دعم الخارج أنه قد يغني عن الوفاق في الداخل.

في لحظة، انتبه الجميع إلى أن «لبنانهم» قد يضيع منهم جميعاً، وإلى أنه غير قابل للقسمة، ولكنه لا يمكن أن يكون واحداً إلا بهم كلهم، وأن للخلاف السياسي حدوداً (شرعية!!) إن هو تجاوزها خسر الجميع.

كذلك انتبه الجميع إلى أن الضحية الأولى لسوء التقدير سيكون الجيش، الذي تمكّنت قيادته ـ حتى هذه اللحظة ـ من الحفاظ على وحدته، برغم الضغوط بل التهديدات الجدية التي حاولت أن تجعلها تنحاز فتغدو ـ بدورها ـ طرفاً أو بعض طرف في «حرب» مرشحة لأن تلتهم الأخضر واليابس.

الأهم: أن الجميع قد انتبهوا، أو أن هذا ما نتمناه، إلى أن «الخارج» قد يساعد، ولكنه إذا ما اصطدم بجدار الخلافات المستحكمة بين أهل البلاد فلسوف ينصرف عنهم ويتركهم لمصيرهم... وهذا ما حاول أن يلفت إليه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، في الحديث المهم الذي أدلى به إلى عدد من زملائنا في باريس، والذي كانت له صيغة أخرى وموعد مختلف، وتمّ تعديله في ضوء الانفجار الكبير، أمس.

ولعل أهم ما قصده الرئيس الفرنسي بحديثه، هو التوكيد على أنه ليس طرفاً في الصراع الداخلي، مع علمه بأن المعارضين على الأقل لن يسلّموا بهذه الفرضية، فهم ما زالوا يرون فيه طرفاً قوياً وفاعلاً، وإن كانوا مضطرين إلى القبول بمؤتمر باريس ـ 3 الذي سعى بكل جهده إلى عقده تحت رعايته عشية انتهاء ولايته، حتى لا يتهموا بالتخريب وتدمير الاقتصاد اللبناني المتهالك تحت أثقال الديون... والخلاف السياسي.

ونحب أن نفترض أن أهل المعارضة كما أهل الحكومة قد أجروا مساء أمس، في ضوء الحرائق التي كانت ألسنة نيرانها تطاول مرتكزات التوافق اللبناني، فحصاً لضمائرهم، وقرأوا في «الأرض» بياناً ـ إنذاراً، بأنهم يندفعون إلى الفتنة وعيونهم مفتوحة، وأن النار ستمتد إلى الجميع، لا فرق بين «أكثرية» ليست مطلقة وبين «أقلية» حجمها في الشارع أكبر بما لا يقاس من حجم تمثيلها النيابي... الذي لم يعد ـ في هذه اللحظة ـ يعني الكثير.

كان واضحاً أن الصدام بين هاتين الكتلتين سيتعدى إطاره السياسي... فالنذر كانت مقروءة في الشارع، وهي أن مصير النظام كله في خطر أكيد، بما يتعدى التسميات: الحكومة، المجلس النيابي، الإدارة، الاقتصاد، وحدة الشعب وديمومة الكيان.

ولقد كان أمراً طيباً أن توقف المعارضة إضرابها عند هذا الحد، خصوصاً أن «الرسالة وصلت»..
كذلك كان أمراً طيباً أن تمتنع الحكومة البتراء عن المكابرة والمضي في المواجهة قدماً، تحت ضغط البعض من أطرافها الذين امتهنوا الحروب، والذين يرون أن «التوافق» قد يذهب بكثير من مكاسبهم غير المشروعة والتي ما كان يمكن أن يحققوها إلا في ظل خلاف بين الكتل الكبرى... ولذلك فهم يحرصون على استمرار هذا الخلاف لكي يواصلوا جني الأرباح، ولو على حساب وحدة الوطن ودولته.

ومؤكد أن القريب والبعيد، ولا سيما البعيد، قد قرأ «الإضراب» بمخاطره المحتملة، لو واصلته المعارضة، قراءة صحيحة، فامتنع عن التحريض على المواجهة باسم حماية «الشرعية» و«الدستورية»، لأن «الأرض» أفصح من رسائل التأييد التي لا يكف انهمارها من «الخارج»... فالاحتلال الأميركي الذي يعاني من أزمة خطيرة في العراق، قد يفترض أن دفع الأزمة في لبنان إلى ذروة التفجّر، ناقلاً إليها بعض «إنجازاته» التي تكاد تدمّر واحداً من أعظم البلاد العربية، وتكاد تغرق شعبه العظيم بدمائه، ربما تنفع في إخضاع العرب جميعاً لكي يشاركوا في أكل لحوم بعضهم البعض: من العراق إلى لبنان وصولاً إلى فلسطين، بكل ما يعنيه ذلك من إنذارات لدول الجزيرة والخليج العربي.

لا يعني كل هذا أن الخطر قد زال نهائياً، وإن كان يعني أن دروس الأمس لا بد أن تفرض دلالاتها على الجميع: أهل السلطة وأهل المعارضة.

... ولا بد أن تفرض نفسها أيضاً على «وسطاء الخير»، سواء من شاركوا في صياغة المبادرة العربية، ومن وقفوا يتفرجون على عجزها عن فتح طريقها إلى «الوفاق الوطني»، لأسباب ليس هنا مجال شرحها.

ونتمنى أن تكون التجربة المكلفة، أمس، درساً يفيد منه اللبنانيون، أهل حكم أساساً وأهل معارضة مرشحة لأن تكون شريكة فيه غداً، فيلتزمون بقواعد اللعبة حتى لا تغرق السفينة بمن فيها وبمن عليها.

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018