الحرب الاهلية لن تقع لأنها تحرق الجميع../ طوني عيسى

من «الثلثاء الأسود» الى «الخميس الأسود»، هل سيكون هناك يوم اسود آخر في سجل الصراع ‏الدائر. والى اي حد يمكن للبنان ان «يستوعب» المحطات السود من دون ان تنفلت الامور من ‏ضوابطها وتتحول فعلا الى حرب اهلية؟

حتى الثلثاء، كانت القوى المعنية في المعارضة والغالبية تتعاطى مع هذا الملف من باب «عض ‏الاصابع»، فتمارس التصعيد الى الدرجة القصوى سعيا الى تحقيق المكاسب السياسية. وقد ثبت ‏ان احدا غير مستعد لاطلاق صرخة الالم وتقديم التنازل في ظل حالة توازن القوى القائمة على ‏الساحة.

وبدت المعارضة التي «تخيم» في وسط بيروت منذ نحو شهرين عاجزة عن حسم المعادلة ‏لمصلحتها بالأساليب المعتمدة حتى اليوم، ولذلك اختارت للمرة الاولى اسلوب المواجهة غير ‏المعتاد، اي قطع الطرق وشلّ الحركة بالاطارات المشتعلة والدشم والاتربة. وعلى الارجح لم يكن ‏يدور في خلد اي من قادة المعارضة ولا سيما السيد حسن نصرالله، ان هذا الامر يمكن ان يؤدي ‏الى ما ادى اليه لسببين : الاول هو اعتقاد المعارضة بأن هذا التحرك سيفاجىء الفريق ‏المقابل ويوقعه في الارباك. وهو سيقطع التواصل بين اقطاب الغالبية بحيث يصبحون عاجزين حتى ‏عن الاجتماع لتنسيق خطواتهم. والثاني هو اعتقادها بأن احدا في فريق الغالبية لن ينزل ‏الى الشارع لمواجهة عملية قطع الطرق. وجاء تأكيد العديد من اقطاب المعارضة لاحقا ان ‏التحرك اقتصر على يوم واحد خوفا من الفتنة ليثبت ان القائمين بهذا التحرك فوجئوا ‏بالمسار الدموي الذي اتخذه في داخل المناطق المسيحية وطرابلس .. ومن ثم في بيروت.‏

السؤال : من ايقظها ؟

فالفتنة التي تخوف منها الجميع، والتي سبق للبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ان حذر ‏من ايقاظها، لم تعد نائمة، ولم يعد المطلوب تجنبها، بل وقفها، علما ان الجميع «يلعنون من ‏ايقظها» متنصلين من دورهم في هذا المجال. وبالتالي حرّكت صور الدم والنار والدمار والحواجز ‏المذهبية والقناصة ذاكرة الحرب لدى المعنيين. فسارعوا الى اطلاق الدعوات واصدار الفتاوى ‏للانسحاب من الشارع.‏
وخلافا للانطباعات والسيناريوهات المرعبة التي يتوقعها البعض، يقول مرجع سابق ان الصدمة ‏التي احدثها يوما الثلثاء والخميس الماضيان ربما كانت لها المفاعيل الايجابية التي لطالما ‏افتقدناها لدى الاطراف المعنيين. ‏

اذ لم يكونوا يصدقون ان استمرار الشحن يمكن ان يؤدي الى الفتنة، وهم لطالما راهنوا على ‏ان الساحة اللبنانية مضبوطة بمظلة اقليمية - دولية لم تتمزق وانه تحت هذه المظلة يمكن ‏اللعب بالشارع والمساومة الى الحد الاقصى. فجاءت الوقائع لتؤكد انه على رغم وجود ارادة ‏دولية حتى الان باستمرار الاستقرار في لبنان، فإن اللعب بالنار الداخلية التي يمكن ان ‏تغذيها بعض المصالح الخارجية من شأنه ان يخلق وقائع تصعب معالجتها.

وهذا ما حدث احيانا في ‏الحرب اللبنانية خلال 15 عاما، عندما كانت تتصارع الارادة الدولية في بعض المراحل مع ‏حالة الاهتراء الداخلي الذي تغذيه المصالح الاقليمية للاستمرار في الحرب. ولهذا السبب علقت ‏المعارضة تحركها مساء الثلثاء بعدما كانت قد اعلنت استمراره لايام اخرى، ومن ثم اصدر ‏السيد نصرالله فتواه التحريمية بحق الذين لا يستجيبون الى نداء الخروج من الشارع، وهي الاولى ‏من نوعها، وسيكون لها الاثر الكبير في تحرك الشارع الشيعي خصوصا، والشارع المعارض عموما، ‏في الفترة المقبلة، حيث من المتوقع ان تستعيد المعارضة تحركها الاعتراضي بعد دراسة متأنية ‏له وتحت عناوين سملية تماما.‏

الساحة» لمن؟

وفي رأي المرجع السابق ان الغالبية ستكون امام إحراج التقاط زمام المبادرة في المرحلة ‏المقبلة. ففيما يمرّر «حزب الله» مناسبة عاشوراء بحدود غير مسبوقة من الهدوء في المواقف وعروض ‏القوى، تقترب مناسبة 14 شباط وكأنها استحقاق «تقليدي» لفريق الغالبية لا يستطيع تمريرها ‏بالظروف القائمة حاليا في وسط بيروت، اي بكون خيم المعارضة تملأ الساحتين: رياض الصلح ‏والشهداء، ولذلك فإن دعوة النائب الياس عطالله الى اعتصام امام مجلس النواب للمطالبة ‏بفتح دورة استثنائية تبدو احد الخيارات المتداولة داخل الفريق المعني. لكن دون ذلك ‏هواجس العودة الى الصدام المستجدّ، بطابعه المذهبي خصوصا، والذي كاد يصل الى شارع المصارف ‏يوم «الخميس الاسود». وهذا يعني ما يمكن ان يعنيه من اعادة رسم للخطوط بدءا من وسط ‏بيروت.‏

وبعبارة اخرى، ادت اطلالة الفتنة في الساحتين المسيحية والسنية - الشيعية، الى مراجعة ‏جديدة للحسابات المحلية، والى حالة استنفار ديبلوماسي عربي - دولي ستظهر مفاعيلها لاحقا.‏

الإيرانيون والتهدئة

وفيما السعوديون يقودون وساطة على الخط الإيراني، وعبّر الرئيس نبيه بري عن اعتقاده ‏بوجود بعض التفاؤل بعد زيارة السفير عبد العزيز خوجة لعين التينة، تشير بعض المصادر الى ‏ان الجو الايراني يوحي بالايجابية لجهة الرغبة في انتاج تسوية داخلية تأخذ في الاعتبار ‏توافق جميع الاطراف، وان طهران تسعى الى جس نبض القوى المتحالفة معها، وفي مقدمها دمشق، ‏حول الأفكار التي طرحها السفير السعودي في واشنطن الامير بندر بن عبد العزيز، والتي قد ‏يحملها معه الأمين العام للجامعة العربية في تحركه المقبل، اذا ما تم التوافق حولها. وهي ‏تتضمن خصوصا تسوية لأزمة الحكم تشكل صيغة 19-10-1 مقدمة لها، على ان يعقبها حوار وطني ‏حول الاستحقاقات السياسية والدستورية المقبلة، اي رئاسة الجمهورية والانتخابات النيابية ‏المبكرة. كما تقدم تطمينات الى فريق المعارضة وسوريا حول المحكمة الدولية.

وهذه الاجواء ‏الايجابية ستسمح للجميع بالخروج من لعبة الشارع، سواء المستمرة حاليا او تلك المتوقعة، ‏بالخروج الى رحاب طاولة الحوار الوطني تحت سقف المجلس النيابي، ووفق قاعدة «لا غالب ولا ‏مغلوب». وهذا ما يفسّر دعوة الرئيس السنيورة الى الحوار امس، اذا تعذّر انعقاد المجلس.‏

وفي رأي المصدر أن هذا المخرج سيتيح للحكومة اللبنانية، كما للمقاومة، ان تعودا الى ‏تحديد الوجهة الأساسية في الصراع الحقيقي الذي يخوضه لبنان، اي اسرائيل.‏

مع الإفادة من تجربة حرب تموز المريرة التي وإن كبّدت لبنان المليارات من الخسائر وحجما ‏كبيرا من الشهداء، لكنها كانت مجالا لإظهار تضامن اللبنانيين على اختلافهم وتوحدهم في وجه ‏العدوان، بدلا من الارتداد على واقعهم الداخلي المتصارع.‏


"الديار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018