بوش إذ يسعى إلى مقايضة، فاشلة سلفاً، مع شعبه../ صالح بشير

بدا الرئيس جورج بوش، وهو يلقي خطابه حول حال الاتحاد، كالساعي إلى مقايضةٍ أو كالراغب في تفاوض مع الداخل الأميركي، كالمقبل في الاحتمالين على تراجعات، أو تنازلات إيديولوجية حول شؤون وقضايا تطال صلب البوشية أو كانت بعض قِوامها.

فقد ترددت في ذلك الخطاب على لسان نزيل البيت الأبيض عبارات لم تكن معهودة لديه، إذ أبدى الرجل حفولا (مفاجئا؟) بقضايا البيئة والاحتباس الحراري، وبشؤون الاقتصاد في استهلاك الطاقة الأحفورية والبحث عن مصادر لها بديلة، وبمآل فقراء الأميركيين ممن تعوزهم التغطية الصحية، فأبدى انفتاحا لافتا على هموم كان لا يعبأ بها أو يمجّها، وكان يناصبها رفضا إيديولوجيا راسخا مكينا، مطالبا مقابل ذلك (بنبرة المُلتمِسِ غير الواثق) بالنزر اليسير: عدم الضن عليه بفرصة إضافية لتمكين «استراتيجيته العراقية»، تلك التي كان قد أفصح عنها قبل نحو الأسبوع من ذلك، فقوبلت بالاعتراض من قطاعات واسعة، لدى الرأي العام وفي الإعلام وفي المراتب التمثيلية، وبالتحفظ أو التشكك حتى من عسكريين يُفترض أنهم من سيتولى إنفاذها.

وكان المطلب ذاك فعلاً نزرا يسيرا. فخطاب بوش الأخير كان الأقل ظافرية والأقل رؤيوية، أقله منذ أن «وضعته» أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) في مواجهة العالم فتنكب مهمة إعادة صياغته. إذ لم يتحدث الرجل هذه المرة حول نشر الديموقراطية في أرجاء «الشرق الأوسط الأكبر» أو سوى ذلك من المهام الخارقة ينهض بها امتثالا لأمر إلهي أو لوحي تلقاه، بل هو لم يعدُ التبشير بـ»استراتيجية» تواضعت وضمُرت، في العمق وبالرغم من ادعائها المبادرة، لتتخذ منحى دفاعيا صرفا أو يكاد، لا تنشد غير درء الإنكفاء من بلاد الرافدين انهزاما واندحارا لا تحقيق نصر بات يلوح متعذرا، ولا تطمح إلى غير تجنيب الولايات المتحدة مكابدة ما قد يستوي في مستقبل أيامها «عقدة العراق» بفعل سياسات الرئيس الذي زعم تخليصها من «عقدة فيتنام».

بل ان الخطاب المذكور ربما أوحى بما هو أنكى، بمدى استشراء الفشل في العراق ضعفا داخليا مُنيت به إدراة جورج بوش. فأن يُساءَل رئيس، على ذلك النحو الذي يكاد يبلغ شأوا جذريا، كما تبدّى من نتائج انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي النصفية، في شأن اضطلاعه بمهامه السيادية، قيادة الحرب والسلام والسياسة الخارجية، لهو من العلامات الأبلغ على انخرام فادح، وذلك حتى في نصاب ديموقراطي شأن ذلك القائم في الولايات المتحدة. فقد استقر الأمر في الديموقراطيات، وإن عرفاً وممارسةً لم يؤسسهما نصّ، أن الشؤون السيادية، من سياسة خارجية وما إليها، ليست مما يحسم في شأنه عموم المواطنين، وهي لذلك عادةً ما تكون غائبة عن الحملات الانتخابية ونادرا ما تتحدد (إلا عندما يتحول الشأن الخارجي شأنا داخليا، كما هي حرب العراق راهنا) اختيارات الناخبين على أساسها. فالاختيارت تلك مجالها المحلّي والمباشر والحياتي، قضايا الصحة والضريبة والهموم الاقتصادية والإجتماعية وما إليها. إذ أن الناخب، في الديموقراطيات، يختار من يحكمه لاعتبارات داخلية في المقام الأول ويمنحه تفويضا، نادرا ما يكون موضوع سجال، ضمنيا وشبه مطلق في ما يتعلق بالشؤون السيادية، ربما لأن الشؤون تلك مما يُفترض أنه محل إجماع، أو لأنها تتطلب خبرة وتتسم بتعقيد ليسا في متناول المواطن العادي، أو لأنها استراتيجية وتندرج في المدى الطويل، وليست مما يجب إخضاعه لتقلبات آراء الناخبين وأمزجتهم.

لذلك، عندما يصبح شأن من الشؤون الخارجية محل خلاف داخلي، يكون ذلك، عادة، من علامات الأزمة. سبق لفرنسا، على سبيل المثال، أن خبرت ذلك، إبان حرب التحرير الجزائرية على ذلك النحو المعلوم الذي أفضى إلى زوال جمهورية (الرابعة) وحلول أخرى (الخامسة)، وسبق للولايات المتحدة نفسها أن شهدت مثل ذلك في أثناء حربها في فيتنام، وها هي تقبل على حالة مماثلة جراء حربها في العراق. ففي مثل الحالات هذه، ينخرم الإجماع، الذي يُفترض أن يكون صلدا منيعا في مواجهة التحديات القصوى، شأن الحروب والمخاطر الخارجية، وتتعرض السلطات السيادية للمساءلة على نحو دراماتيكي.

ولا غرو في أن إدراة الرئيس بوش، ورئاسته خصوصا، تواجه وضعا من هذا القبيل، ومن هنا لجوء نزيل البيت الأبيض إلى المقايضة التي نحسب أن خطابه الأخير حول حالة الأمة قد تضمنها. فهو يبدو كالساعي إلى إعادة الأمور إلى نصابها العادي: حصر الخلاف، وبالتالي التداول، في الشؤون الداخلية، قضايا البيئة والاقتصاد في الطاقة والتغطية الصحية لضعاف الحال، والظهور بمظهر الاستعداد للخوض فيها وللبحث عن سبل التوافق حولها، وإن كلفه ذلك التنكر إلى ما كان (ولا يزال على الأرجح) بالنسبة إليه في عداد اليقين الإيديولوجي، مع تأكيد الحرص على الانفراد (السيادي) بإنفاذ استراتيجيته العراقية، تلك التي أعدها غير آخذ في الاعتبار لا اعتراضات المعترضين ولا توصيات تقرير لجنة بيكر-هاملتون، ومحاولة اجتراح إجماع مستجد عليها. ليس ما يفسر تعنته على الصعيد العراقي مقابل مرونته النسبية حيال المعارضة في القضايا الداخلية، غير محاولة من هذا القبيل.

غير أن المحاولة تلك لن تنجح على الأرجح. ففشل سياسات بوش في التعاطي مع المعضلة العراقية هو الذي حوّل هذه الأخيرة إلى مشكلة داخلية أميركية ارتقت إلى مصاف الأزمة. والحال أنه ليس في الأفق ما ينبئ باحتمال تدارك ذلك الفشل. لا «الاستراتيجية الجديدة» تلوح مبشرة بحسم عسكري ولا الإدارة الأميركية تبدو ممتلكة لأدوات الحل السياسي.

لكل ذلك، ليس لدى الرئيس بوش، في الحقيقة وواقع الحال، من مقاربة غير تلك المتمثلة في العمل على تأجيل «الاستحقاقات»: تأجيل إعلان الهزيمة في العراق، وتأجيل الأزمة الداخلية، تلك التي قوامها مساءلته في صلاحياته السيادية...

وأقصى ما يمكن أن يحققه الرئيس بوش من وراء ذلك «خلاصه» الشخصي: أن ينجح في التمادي في التأجيل حتى نهاية ولايته، وهي ثانية وأخيرة، حتى توريث المشكلة، برمتها، إلى من سيأتي بعده.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018