الشباب بحاجة الى مرجعية../ عوض عبد الفتاح

ينظم إتحاد الشباب الوطني الديمقراطي يوم الجمعة، مهرجاناً شبابياً حاشداً لإطلاق صوت الجيل الفلسطيني الشاب داخل الخط الأخضر ضد مؤامرة إغتصاب هويته وحاضره ومستقبله – مخطط فرض "الخدمة الوطنية الإسرائيلية".

أن يبادر الشباب، أو النخب الواعية منهم، إلى إخراج الرفض الى العلن وبصورة منظمة، ليس أمراً مفروغاً منه، وليس أمراً شديد السهولة. ذلك أن الحالة الفلسطينية الراهنة، والحالة العربية عموماً وحالة عرب الداخل تزدحم بالتناقضات والمفارقات؛ وأحياناً يعلو فيها صوت المقاومة والكرامة وفي أحياناً أخرى يعلو صوت الخنوع والإنحطاط الأخلاقي المتمثل بالإستنجاد بالأجنبي. ويرافق هذين الإتجاهين، إتجاه المقاومة وإتجاه الخنوع، إعلام قوي وبلاغة شديدة التأثير في العواطف.

في لبنان تتحقق هزيمة جزئية لإسرائيل أمام مقاومة إسلامية ذات توجه عروبي تقسم بمسؤولية وطنية وقومية عالية، يقابل ذلك إصطفاف قوى لبنانية مع الأجنبي لإجهاض هذا الإنتصار مما يعني سلب الأجيال الشابة والقادمة حقها في الإستفادة من تجارب سياسية تاريخية يستمدون منها قوة الدفع والإنطلاق الى المستقبل.

في العراق، يتعثر المشروع الأمريكي الإمبراطوري أمام ضربات المقاومة العراقية، التي تؤخر امتداده الى بلاد عربية مجاورة متهمة بعدم الخنوع والإستسلام، يقابل ذلك بروز قوى تكفيرية وطائفية توجه نيرانها الى صدور الشعب العراقي من كافة الطوائف والمذاهب.

في فلسطين، يعجز المحتل عن إنتزاع استسلام من الشعب الفلسطيني رغم استسلام نخب أساسية فيه، فنتحول الى أدوات في أيدي الأعداء لتنفيذ مخططاتهم. نقتل بعضنا البعض.
في معظم دول العالم العربي، يتحالف الإستبداد والفساد مع الأجنبي من أجل قتل كل مبادرة شعبية للديمقراطية والحرية، وإطفاء كل شعلة للمقاومة.

أما على ساحة عرب الداخل، حيث تشتد المؤامرة الصهيونية ضد هذا الجزء من شعبنا ويتفرع عنها مخططات ضد الشباب العربي الفلسطيني الذي فاجأ العنصريين في هبة أكتوبر 2000 بقامته العالية وشموخه القومي، تطل الإنتهازية والعصبيات الطائفية والعائلية كنقيض للهوية القومية، وكنقيض للتوجه الوطني السليم. ومن مظاهر الضياع والإنحراف، تسلـّم عربي منصب وزير في حكومة الإحتلال والعنصرية مكان وزير يهودي صهيوني لم يحتمل بقائه مع ليبرمان الترانسفيري. وفي نظرنا لا يجوز الجلوس في حكومة صهيونية احتلالية حتى بدون ليبرمان. إنه انحلال أخلاقي على المستوى الفردي وعلى المستوى الوطني العام.

وعلى المستوى الداخلي، تجد من ينصّب نفسه وصياً على الأخلاق وكلما دق الكوز بالجرة بفتح ناره على التيار القومي بمناسبة وبغير مناسبة فلا يناقشه نقاشاً موضوعياً بل يتهجم عليه، وكأنها عقدة مرضية لدى هذا البعض، الذي يعرف أن بيته ليس خالياً من الثقوب. إنه شكل من أشكال السلوك التكفيري الذي تجاوزته قوى اساسية في العالم العربي. وأصبحت أكثر نضجاً وتعقلاً وتواضعاً.

إذ منذ سنوات أصبح القومي والإسلامي يجلسان الى جانب بعضهما البعض في مؤتمر سنوي هو المؤتمر القومي – الإسلامي لمناقشة قضايا الأمة. فمن قال أن تفسيراً واحداً لأيدلوجياً معينة هو المطلق. إن هذا البعض لا يروقه حقيقة أن هذا التيار الأصيل في الداخل، يشكل بوصلة وطنية وأخلاقية لعشرات الاف الشباب العرب من كافة الطوائف.

أليست من شأن هذه التناقضات والمفارقات والسلوكيات أن تثير البلبلة والحيرة والتخبط لدى أوساط واسعة من الأجيال الشابة التي تحتاج الى بوصلة.

في هذه الأجواء، أجواء الحالة الراهنة، التي على خلاف ما يبدو، تنطوي على نزوع كبير للمقاومة والرفض، يصبح توفير الحماية التنظيمية والسياسية للأجيال الشابة وتجنب ما يُبعدهم ويقصيهم عن السياسة وعن دورهم في الحياة العامة ومقاومة الظلم في غاية الأهمية.

إن ترك الأجيال الشابة بدون هذه الحماية والرعاية والتوجيه خاصة في عصر عولمة الإستهلاك، سيفقدها الحافز للإحتفاظ بهويتها ليحل محلها النزوع للفردية والمصلحة الخاصة وإدارة الظهر للمجتمع وهمومه ومصيره وبالتالي تصبح فريسة سهلة للمخططات الإسرائيلية. تشير الإحصائيات الى تزايد أعداد المجندين العرب في الجيش الإسرائيلي، والى قبول أعداد متزايدة في الخدمة المدنية الطوعية. وهو أمر يهدد كياننا القومي والفردي.

ولكن كل ذلك لا يرضي المؤسسة الإسرائيلية فالغالبية الساحقة من الشباب العربي تعارض ذلك، ولكن ليس لأنهم جميعا واعون لمخاطرها.

ولذلك تجدد المؤسسة الإسرائيلية محاولاتها لجعل الخدمة الوطنية الإسرائيلية إجبارية. وواجبنا أن نُقدم للأجيال الشابة الحماية والدعم والتوعية الكافية على هذه المخططات، كما واجبنا أن نكون كقوى سياسية مرجعية وطنية وإخلاقية لهؤلاء بعد أن ضعفت المرجعيات العائلية وغيرها. لا شك أن جميع هذه المرجعيات، القومية والدينية والعائلية لعبت دوراً حتى الأن في الحد من الإنزلاق الى هاوية الجندية والأشكال الأخرى من الخدمة الأمنية . ولكن في ظل التدهور الأخلاقي على مستوى الأفراد وعلى مستوى مرجعيات سياسية، نحتاج الى إعادة الإعتبار لهذه المرجعيات عبر الحوار الجاد وتحقيق التفاهم الصريح والصادق لا المسايرة والمجاملة.

إن المهرجان السياسي والتوعوي الذي تنظمه شبيبة التجمع ليس إلا تتويجاً للعديد من النشاطات التوعوية على مدار الشهور الماضية، ونقطة إنطلاق لنشاط أوسع في المرحلة القادمة. هذا النشاط يعني تسليح الجيل الشاب بالوسائل والأليات لتطوير اليات نضاله ضد الصهيونية ومعركته من أجل الحرية، ومن أجل مجتمع ديمقراطي متنّور ومفتوح على المستقبل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018