أمر العمليات: اقتتلوا!../ جوزف سماحة

الاقتتال الذي تشهده شوارع غزة جزء عضوي من السياسة الأميركية في المنطقة. تستطيع الإدارة الادّعاء أنها فوجئت بحجم الانقسامات الأهلية العراقية وما تؤدي إليه من مذابح متبادلة. تستطيع الإدارة، أيضاً، الادّعاء أنها لا تضع التوتير في لبنان هدفاً مباشراً لها. يستطيع بعض المتأمركين العرب إغراقنا بفيض من التحليلات المبتذلة عن «الحتميّة السوسيولوجية» الجاعلة من الاحتراب الداخلي أفقاً وحيداً للتعدّد في العراق ولبنان. يستطيع الجاهزون دوماً لجلد أنفسهم المجادلة بعدم جواز تعليق أخطائنا كلها على المشجب الأميركي والاهتمام، بدلاً من ذلك، برؤية العورات في مجتمعاتنا وثقافتنا وسياستنا...

لكن لا أحد يستطيع الزعم، من غير أن يفقأ عين الحقيقة، أن تصديع المجتمع الفلسطيني لم يكن جزءاً بنيوياً من السياسة الأميركية الحالية. لقد كان ذلك سابقاً لفوز حركة «حماس» في الانتخابات التشريعية، وانتقل ليصبح خطة تنفيذية محدّدة المعالم بعد ذلك.

في البدء كان الحصار التجويعي رداً على نتائج الممارسة الانتخابية الحرّة. إلا أن المطلوب كان ترك الحصار يفعل فعله لإنهاك المجتمع الفلسطيني ودفعه إلى ما دون السياسة. وواكب ذلك الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد من أجل إخلاء الساحة تماماً من أي طرف يمكن استهدافه وتأمين الحد الأدنى من التوحّد ضده. إلا أن ظروف الاقتتال لم تكن ناضجة تماماً. كان لا بد من توفير شروط إضافية.

من هذه الشروط إقدام إيهود أولمرت على سحب مشروعه بتكرار تجربة غزة في الضفة. نعم حصل ذلك في سياق المصير الذي آل إليه العدوان على لبنان، ولكن الهدف منه كان التلويح لبعض الفلسطينيين بأن العودة واردة إلى حلول متفاوض عليها إذا حسموا أمرهم.

جاء، بعد ذلك، السعي إلى تغيير موازين القوى في غزة. فالتقدير كان يقول إن حسم المواجهة عسكرياً في مدن الضفة وارد رغم نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية، ولذلك يجب توفير المناخ نفسه في القطاع. الوسيلة إلى ذلك هي تشديد الحصار المالي على السلطة الوطنية وفتح الأبواب أمام المال والسلاح للجهات الأكثر استعداداً لخوض المنازلة، والمعطيات الخاصة بهذا النهج هي نوع من السرّ الشائع في غزة.

تلى ذلك المضي قدماً في بناء ائتلاف إقليمي تكون إسرائيل ركيزة فيه وتكون «قوى الاعتدال العربي» الركيزة الأخرى. أما المضمون البرنامجي لهذا الائتلاف فهو أن المعركة الفاصلة هي ضد المتطرفين العرب بغضّ النظر عن أيديولوجياتهم، فكيف إذا كانت إسلامية وأصولية لا يمكن للبراغماتية أن تقاربها، حتى إذا ادّعى أصحابها خلاف ذلك وحاولوا ممارسته.

إلا أن «حلف الاعتدال» يحتاج إلى ورقة توت. لا بد من ستر العري. وهنا لم تفعل الولايات المتحدة سوى استعارة تقليد سياسي تبرع فيه الأنظمة العربية: ضع فلسطين على لسانك وافعل ما شئت. استعارت كوندوليزا رايس هذا الأسلوب واعتبرت أن التظاهر بتحريك المساعي لإيجاد حل للنزاع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي كافٍ من أجل تجنيد عرب كثر. الاسم «الكودي» الذي أطلق على هذه المناورة هو «فتح الأفق السياسي». المعتدلون العرب يحتاجون إلى ذلك. و«البلطجية» في فلسطين يريدون هذه الورقة من أجل عسكرة النزاع وإسقاط آخر تحفّظات يمكن أن يعبّر عنها محمود عباس. لا مجال، من دون هذا الأفق، للتطرّف الالتحاقي في الساحة الفلسطينية باسم الاعتدال. إن من يريد استخدام السلاح في الداخل بعدما أسقطه في العلاقة مع الاحتلال يحتاج إلى أن يبرّر ذلك بالادّعاء أن تسوية عادلة تنتظر في نهاية الأفق وأن العبور إليها يحتاج إلى عملية جراحية مؤلمة.

إذا كان «حلف الاعتدال» يريد إنهاء علاقة العداوة مع إسرائيل، فهو يحتاج إلى إعلاء شعار العداوة مع جهة أخرى. لقد كانت هذه الجهة جاهزة. إنها إيران صاحبة المشروع العدواني التوسّعي المذهبي ضد العرب. أما «حماس» فهي مجرد أداة من أدواتها بحيث يصبح القضاء عليها مشاركة من «البوابة الغربية» في المعركة التي كانت، حتى الآن، من اختصاص «البوابة الشرقية». وهكذا شهدنا، في غزة، مشهداً غرائبياً تميّز بهتافات فتحاوية عالية تتّهم «الإخوان المسلمين» بأنهم... شيعة! هذا، في الحقيقة، إنجاز. فإذا كان ممكناً اتّهام إيران وشيعة العراق بالكثير، وإذا كان هناك من يمكنه اتّهام إيران وشيعة لبنان بالكثير، فإن الإنجاز الذي يقارب الإعجاز هو إقناع أهل السنّة في فلسطين، بعد عقود من البطش الإسرائيلي ـــ الأميركي، وبعد عقود من الاحتلال والتهجير والتبديد، بأن الخطر الذي يتهدّدهم هو غير الخطر الذي يختبرونه يومياً.

لقد جرى، إذاً، إعداد دؤوب وممنهج لدفع الفلسطينيين إلى الاقتتال. إعداد إسرائيلي، وعربي، وإقليمي، ودولي، وتمويلي، وتسليحي، وثقافي. لم يعد باقياً سوى إعطاء إشارة الانطلاق، وقد أعطاها جورج بوش بقراره تعميق الحرب في العراق وتوسيعها، وبمطالبته المعتدلين العرب بدور فيها، وبتشجيعه الزبائن المستفيدين من التحاقهم به على أن «يساعدوا» أنفسهم، عبر الحروب الداخلية، من أجل أن يساعدهم.

لقد كان ساطعاً في وضوحه أن التحوّل الأميركي نحو استحضار التسوية في فلسطين سلاحاً في المواجهة العامة هو استحضار يريد تحويل الاقتتال الفلسطيني إلى ممر إجباري نحو الحل، أي، عملياً، نحو حل هو، في الأصل، سراب، وسيتبدّى بصفته سراباً عند انجلاء غبار الاحتراب الأهلي.

والخوف المشروع هو أن يكون «لقاء مكة» مناسبة لتوجيه الإنذار الأخير إلى من يرفض هذه الوجهة. إلا أن الخوف الأكبر، وهو ما تؤكده التجارب التاريخية السابقة كلها، هو أن ينتهي الأمر، في ظل موازين القوى التي يمكن إنتاجها، إلى حكومة إسرائيلية جديدة أكثر تصلّباً ويمينية من الحالية. إن كل ما يجري يرجّح هذا الاحتمال. سيقال عند ذلك إنه لا بد من أخذ الوقائع الجديدة بالاعتبار وهي وقائع لا تسمح بحل عادل ولا بأي حل على الإطلاق. وسنعود، مرّة أخرى، لنفتّش عن قعر جديد لـ«الاعتدال» وعن كل ما يستوجبه ذلك من «تطرّف» حيال من كان حذّر من هذا السلوك الانتحاري.

"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018