المنتصر المهزوم!!../ هاني حبيب

رئيس الحكومة والناطق باسم الرئاسة، ادانا عدم رفع الحصار من قبل اللجنة الرباعية الدولية التي اجتمعت الجمعة الماضي لدراسة ملف المسار الفلسطيني- الاسرائيلي، واستئناف العملية التفاوضية وتسريع تنفيذ خارطة الطريق، والمفاجئ في هذه الادانة ان الشعب الفلسطيني بات محاصراً من الفلسطينيين انفسهم، وإذا كان الحصار الدولي اتخذ من المال والغذاء والرواتب ادوات لاخضاع الشعب الفلسطيني، فإن القوى النافذة في القيادة الفلسطينية وعبر اذرعها المختلفة باتت تزنر حصارها للجمهور الفلسطيني بالدم والبارود والدماء، هذا لا يبرئ الحصار الدولي، لكنه يفتح اولويات لجهد حثيث لوقف الحصار الدموي الذي تقوم به قيادات فلسطينية تسهم في تحويل قطاع غزة الى ميدان معركة لحسابات اطراف اقليمية تلعب بالورقة الفلسطينية لصالح اجندتها الخاصة، وتبدو الادانة للمجتمع الدولي، في هذا السياق غير مفهومة وغير مبررة وليست بمكانها وزمانها من حيث ان من يقتل الفلسطيني اليوم ليس الجوع ولا ندرة الرواتب، بل طلقات غير طائشة تستهدف كل فلسطيني يخالف احد طرفي الاحتراب الدموي في الرأي والموقف في ظل حصار داخلي يفرضه امراء الحرب على المواطن الفلسطيني.

عباس ومشعل باركا اتفاق الهدنة الاخير، رغم ذلك، احترق الاتفاق فور التوقيع او التفاهم بشأنه بعد دقائق، لكن الاغرب في هذا السياق، ان الاتفاقات السابقة، لم تخرق الا بعد مرور بعض الوقت مع اصرار معلن على عدم العودة الى الاقتتال، هذه المرة استمر الخرق ليتوسع بمعارك شملت مواقع ومناطق ومؤسسات جديدة، فالوضع الامني في قطاع غزة كان افضل حالاً نسبياً مما هو عليه الامر بعد الاتفاق على الهدنة، وإذا ما كان هناك تفسير لذلك، فإننا لا نجد سوى انعدام الارادة لدى الاطراف المعنية لوقف نزيف الدماء، وكأن دعوات التهدئة والادانة ما هي الا عبارات لا معنى لها ولا يقصد بها سوى خداع الجمهور الباحث بين اركان الغرف المغلقة عن مكان آمن بعيداً عن الرصاصات غير الطائشة التي تبحث عنه اينما ذهب او اختبأ.

والمراهنة على الرباعية الدولية بفك الحصار لا تشير الى عقم التفكير القيادي الفلسطيني اذا كانت رهاناتهم جدية وليست تسويقاً اعلامياً، فالرباعية اجتمعت لفك الحصار عن الولايات المتحدة من خلال تسويق خطتها حول تنشيط الجهد لتفعيل خارطة الطريق بهدف انجاح مساعي الولايات المتحدة بتشكيل محور عربي يدعم خطتها حول العراق- ايران، اجتمعت الرباعية لتساعد الادارة الاميركية في اعطاء انطباع - مجرد انطباع- بأن المجموعة الدولية بقيادة الرباعية ، تسعى جاهدة لتذليل العقبات امام استئناف العملية التفاوضية دون ان تخطو خطوة جدية بهدا الاتجاه، خاصة وأن طرفي الملف، فلسطين واسرائيل ليسا في وضع يسمح لهما باجراء اية عملية تفاوضية، وربما راهن البعض على تقارير رفعتها بعض الجهات البرلمانية، في بريطانيا تحديداً، تدعو الى فك الحصار لأنه بدلاً من ان يعزل حركة حماس فإنه قرب كثيراً بين الحركة وايران، هذا رهان خاسر ايضاً لأن مصالح الدول ورؤيتها لهذه المصالح، تتجاوز برلماناتها في حالة كان الطرف الآخر من الضعف بحيث لا يمكن له المواجهة، معظم الشعب الاميركي، والكونغرس الديمقراطي، ضد ارسال جنود اميركيين اضافيين الى العراق، لكن الادارة الاميركية تتجاوز ذلك وتمضي قدما في خطتها لارسال ما يزيد على عشرين الف جندي اميركي كي يذبحوا في العراق، هذا مثل واحد فقط على عدم جدوى الرهان على الدعوات والتقارير البرلمانية وسواها، خاصة وأن خطة بوش الجديدة حول العراق، تنكرت لتوصيات لجنة بيكر- هاملتون رغم انها هي التي شكلتها، وها هي الرباعية تجتمع في واشنطن لمباركة جهود الولايات المتحدة لتسريع تنفيذ خارطة الطريق، التي لم تشهد اي تفعيل او تسريع، حيث ان النوايا تشير الى ان وزيرة خارجية الولايات المتحدة كوندوليزا رايس، ستجتمع مع عباس وأولمرت بعد قرابة اسبوعين، حيث ستسعى الى تسويق انطباع بالجهد الاميركي الهائل من اجل تسريع وتنفيذ خارطة الطريق التي لا يعرف احد، اذا كان المقصود بهذه الخارطة، الرؤية الاميركية ام الرؤية الاسرائيلية بعد التحفظات العديدة التي اجراها رئيس الحكومة الاسرائيلي ارئيل شارون السابق على هذه الخارطة.

مع ذلك، ومع كل اشكال الموت والدمار والاقتتال التناحري الثأري، تتناقل الانباء قرب التوصل الى اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، ربما في مكة يوم الثلاثاء المقبل، علماً أن الدعوة السعودية، لعقد لقاء بين عباس ومشعل، شددت على ضرورة ان يتم بعد استقرار الوضع الامني الداخلي، لأن اللقاء سيناقش المشكلات ذات الطابع السياسي وإزالة العقبات التي تحول دون تشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الاوضاع في قطاع غزة تحديداً لا تبشر بمثل هذا الاستقرار المنشود، الا اذا كانت احدى القوتين، تعتقد ان بامكانها حسم الموقف لصالحها قبل انعقاد اللقاء في مكة، ويبدو ان هذا الرهان هو الذي ينفذ الان على ضوء التصعيد المتسارع في الاحتراب الدائر كل لحظة في كل مكان من قطاع غزة.

وبعد فشل كافة الوساطات، ترنو انظار الفلسطينيين الى مكة، لأن لا خيار سوى المراهنة على العودة الى العقل ولو بضغط سعودي يأمل الجميع ان يتكلل بالنجاح، مع اننا لا نزال نراهن على تحرك شعبي جماهيري يشكل ضاغطاً على امراء الحرب لوقف نزيف الدم الفلسطيني المهدور على اعتاب مصالح فئوية وأجندات خارجية، لكن مثل هذا التحرك على المستوى الشعبي ما زال بعيد المنال، رغم المحاولات الحثيثة التي تشكل خيمة الاعتصام امام المجلس التشريعي في غزة، والمؤتمر الشعبي الذي عقد قبل ايام في قاعة الشوا، تشكل بداية لا بد من ان تراهن على توسيعها، رغم صعوبة وصول المواطنين الى امكنة التجمع خاصة وأن احدى التظاهرات الشعبية في شمال قطاع غزة، تفرقت بعد قمعها باطلاق الرصاص على المتظاهرين العزل.

مع ذلك، ولذلك، فليس هناك من خيار سوى اعمال العقل وإعادة تقييم كل طرف لدوره الوطني وتغليب الاجندة الفلسطينية على ما عداها من اجندات، وإعادة تقييم التحالفات التكتيكية لصالح التحالفات الاستراتيجية الداخلية، خاصة وأن ما يجري اليوم من عملية تدمير منظم، وارهاب للشعب الاعزل من قبل المسلحين، لا يمكن من الوصول الى منتصر في نهاية الامر، وها نحن نشهد عمليات التعبئة والتحريض التي تؤسس لثقافة الثأر، بحيث لا يمكن "لمنتصر" ان يضمن استمرار انتصاره الهش، وفي حرب يبدو فيها احد الطرفين مهزوماً، لا بد من ان تستأنف من جديد لعبة تعديل ميزان القوى، وهذا يعني ان دوامة الارهاب الداخلي لا تنتهي بحسم الموقف لطرف على حساب الطرف الآخر، وليس هناك حسم في الحروب الداخلية، فالكل بها خاسر ولو ظهر ان الامر على خلاف ذلك، خاصة وأن العدو الذي نتجاهله، اسرائيل، استمر في استثمار ما يجري في قطاع غزة لتمرير خططه باتجاه تهويد القدس المحتلة وتعديل مسار الجدار الحدودي لمصادرة المزيد من مناطق الضفة الفلسطينية، فمن الخاسر او الرابح من هذه الحرب المجنونة!!


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018