السلطة الفلسطينية وحوار الفرصة الأخيرة قبل الانهيار أو الحل../ عامر راشد

الفشل المتكرر لجولات الحوار بين حركتي فتح وحماس، وتخبط وتناقض التصريحات الصادرة عن مسؤولي السلطة الفلسطينية، وقياديي حركتي حماس وفتح، تعبير صارخ عن حدة المأزق السياسي المركب والفوضى العارمة التي يتخبط فيها النظام السياسي الفلسطيني منذ عشرة أشهر، وبؤرة صراعه الساخنة الصراع المفتوح على مؤسسات السلطة الفلسطينية، على خلفية فشل التوافق بين الحركتين على مفهوم وأسس تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، ومخاطر تجدد مظاهر الاقتتال الداخلي الفلسطيني على نطاق واسع، كما وقع في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2006، حيث دارت إشتباكات عنيفة بين القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية (حماس)، وأجهزة الأمن الأخرى التابعة للرئاسة الفلسطينية (فتح)، وسقط من جرائها ستة قتلى وأكثر من مئة جريح. ومع دوران الحوار الفلسطيني في حلقة مفرغة، بدأت تظهر من جديد أصوات فلسطينية تطالب بحل السلطة الفلسطينية، وقد أصبح مَغَْرَمُ التمسك بمؤسسات السلطة راجحا على مَغنمِها، ولا تلوح في الأفق بوادر انفراج قريب بين حركتي فتح وحماس، ولا في المواقف الإسرائيلية والأميركية كما كان يأمل رئيس السلطة محمود عباس، وهذا ما تثبته نتائج جولة رايس الأخيرة ولفائها .

وما يدعو للتفكر في هذا الطرح أنه يلقى قبولاً علنياً أو ضمنياً من تيارات وشخصيات فلسطينية عرف عنها التوازن في مواقفها وردود أفعالها، وحجة أصحاب هذا الرأي ضرورة وضع إسرائيل أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية، وتحملها تبعات سياستها كدولة احتلال، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، التي تخلى عنها لصالح الاستفراد الأميركي الداعم للسياسات التوسعية والدموية الإسرائيلية، ووضع الدول العربية والإسلامية أمام مسؤولياتها في دعم وإسناد الشعب الفلسطيني، واستعادة القضية الفلسطينية لموقعها بما هي قضية مركزية عربية، ووقف التدهور الرسمي العربي الذي تجلى بمواقف بعض الدول العربية التي شاركت في تطبيق الحصار على الشعب الفلسطيني الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية بطلب من إسرائيل، ضمن مخططها الهادف إلى فرض الرؤية الإسرائيلية للحل، كما عبرت عنها خطة الفصل الأحادي الجانب الشارونية، وخطة «الانطواء» التي أطلقها أولمرت لاستكمال ما بدأه سلفه شارون.

ويضاف إلى ما سبق، ان سنوات الحقبة الأوسلوية مثلت مواسم حصاد وفير لإسرائيل، إذ استطاعت أن تعيد تكييف احتلالها، كـ»احتلال ديلوكس»، بأن تعفي نفسها من التزاماتها كدولة احتلال حسب ما تقره شرعة الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا بل أكثر من ذلك استطاعت إسرائيل أن تقونن استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والأمنية التي وقعتها مع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بدءًا من أوسلو وما تناسل عنها، مقابل منح الفلسطينيين سلطة حكم ذاتي لا تمتد ولايتها لتشمل الأرض، وبصلاحيات أمنية وتشريعية وسياسية محدودة، تستمد مشروعيتها من الاتفاقيات الموقعة مع دولة الاحتلال، وضمانات انفرد في تقديمها وتفسيرها الراعي الأميركي.

إن الدعوة إلى حل السلطة الفلسطينية ليست بالفكرة الجديدة، ولم تولد مع نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في 25 كانون الثاني (يناير) 2006 وفازت فيها حماس بالأغلبية، وقلبت صورة النظام السياسي الفلسطيني رأساً على عقب. فعلى امتداد عمر السلطة الفلسطينية، والمنعطفات الحادة التي مرت بها، بقيت الدعوة إلى حل السلطة أحد الخيارات، واتسع نطاق الدعوة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في حزيران (يونيو) 1999، كما نصت على ذلك اتفاقية أوسلو الموقعة في 13/9/1993.

وحين وصلت العملية السياسية والتفاوضية إلى طريق مسدود، وأعادت إسرائيل احتلالها لمناطق السلطة الفلسطينية في آذار (مارس) 2001 هدد الرئيس الراحل ياسر عرفات صراحة بحل السلطة، حيث اعتبر في لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية أنه أحد الخيارات المطروحة في حال استمرت إسرائيل في اجتياحها للمناطق السلطة الفلسطينية. ومعلوم أن تصريح الراحل عرفات استدعى تدخلاً من مصر والأردن أثمر في الضغط عليه وأخفق في الضغط على إسرائيل لوقف اجتياحها لأراضي السلطة الفلسطينية.

واليوم على ضوء استمرار الحصار المالي والاقتصادي لمناطق السلطة باتت الدعوة إلى حلها أشبه بما يكون حثاً على فعل استباقي في مواجهة احتمال أن تنهار مؤسسات السلطة الفلسطينية بفعل تأثيرات الحصار، وإقدام الفلسطينيين على حل السلطة سيختصر عليهم زمن المعاناة، والمرشحة أن تطول بعد أن لجأت الولايات المتحدة بالتفاهم مع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل إلى إيجاد آليات تمنع انهيار مؤسسات السلطة الفلسطينية، وفي ذات الوقت تبقي على فاعلية وتأثير الحصار، وذلك من خلال تحويلات مالية مباشرة إلى رئاسة السلطة الفلسطينية، أو مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الصحي.

وفي هذا السياق يندرج قرار حكومة أولمرت الإفراج عن مئة مليون دولار أميركي من الأموال الفلسطينية المحتجزة في البنوك الإسرائيلية، فإسرائيل تدرك قبل غيرها أنها ستكون المتضرر الأكبر من انهيار السلطة الفلسطينية، لأن ذلك سيعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 1993، وبالتالي سيكون لزاماً على إسرائيل من موقعها كقوة احتلال أن تتولى بشكل مباشر وحسب ما تنص على ذلك اتفاقية جنيف الرابعة، المسؤوليات التي تتولاها حالياً السلطة الفلسطينية.

الإسرائيليون ومن خلفهم الأميركيون يريدون تجويع أبناء الشعب الفلسطيني كأداة ضغط في سياق محاولاتهم المستمرة لفرض حلول سياسية تنتقص من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ووجود سلطة فلسطينية ضعيفة متناحرة يساعد في زيادة فاعلية الحصار الأميركي، في حين يواصل الفلسطينيون الدوران في حلقة مفرغة من حورات غير مثمرة، ولم يعد واقعياً ثمة مؤسسات سلطة فلسطينية موجودة وفاعلة على الأرض، ما يدفع البعض إلى القول إن الدعوة إلى حل السلطة الفلسطينية بناء على واقع الحال المعاش ليس أكثر من إصدار حكم إعدام على جسد ميت ومتهالك، وأن انهيار مؤسسات السلطة لن يكون أكثر من إقرار بأمر واقع منذ زمن بعيد.

وخطورة الوصول إلى مثل هكذا استخلاص أنه يأتي في وقت تعاني فيه منظمة التحرير الفلسطينية من أوضاع متردية جداً على الصعيد البنية المؤسسية والواقع التنظيمي، وانعكاس ذلك على دورها القيادي والتمثيلي، وقرار إعادة تفعيلها وتطويرها الذي نادى به إعلان القاهرة في آذار 2005 ما زال يصطدم بالخلاف على دورها وبرنامجها.

ولهذا فإن الدعوة إلى حل السلطة لا يشكل خياراً يخرج الحالة الفلسطينية من المأزق الراهن، بمقدار ما هو دليل عجز الفلسطينيين عن خلق خيارات ناجعة في مواجهة السياسات الإسرائيلية المدعومة أميركياً، وهذا يتطلب أولاً وجود توافق فلسطيني على العناصر الأساسية للبرنامج الوطني التحرري، وغني عن القول إن التوافق غير ممكن إلا بالحوار، وثمن التوافق الفلسطيني - الفلسطيني تنازلات متبادلة بين قطبي الصراع الداخلي فتح وحماس، في كل الأحوال تبقى أقل بكثير من ثمن الذهاب إلى المجهول بحل السلطة الفلسطينية ، أو تركها تنهار، أو إعادة ترميمها بالنزول عند الشروط الأميركية والإسرائيلية.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018