لقاء مكة: ممنوع الفشل../ رجب أبو سرية

لم يكن الفلسطينيون بحاجة للعدوان الإسرائيلي الذي يستهدف المسجد الأقصى، ولا للاستعدادات الإسرائيلية لاجتياح قطاع غزة، حتى يعودوا إلى رشدهم، ويعيدوا توحيد أنفسهم، بعد أن أدمى الاقتتال الداخلي الجميع، وأتعب القلوب وشتت العقول، فقد كفى الاقتتال البغيض الإسرائيليين حتى عن الرد على عملية إيلات!. ورغم أن جذور التدهور الأمني، التي وصلت ذروتها بالاقتتال في غزة، تعود إلى فلتان أمني، لم يتم وضع حد له، منذ سنوات، إلا أن المفتاح، كما يعلم الجميع يكمن في التوافق السياسي، وتكفي الإشارة الى لقاء أبو مازن ـ مشعل في دمشق، قبل أكثر من أسبوعين، للتذكير بأنه ـ أي اللقاء ـ رغم أهميته، لم يضع حداً، بسبب عدم الإعلان عن التوافق، لحالة الاقتتال، بل على العكس، تدهورت الأمور، حتى قبل أن يعود الرئيس إلى رام الله، لتصل حداً غير مسبوق في أحداث يومي الخميس والجمعة الماضيين. لدرجة أن ذلك التدهور أفشل الحوار الذي كان قد بدأ لتوّه في غزة، والذي جاء كمحاولة لاستكمال اللقاء في دمشق، بذلك يبدو لقاء مكة، فرصة تكاد تكون الأخيرة حقاً لإنقاذ الوضع برمته، بعد أن وصلت الأمور ميدانياً إلى حالة حرجة، وبعد أن بدا أن الطرفين قد استنفدا الحوار بينهما، وما عاد أمامهما سوى الاتفاق، وهذا ما يفسر إعلان الأخ خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي بأنه ليس أمام الطرفين سوى النجاح.

ولأن أهل مكة أدرى بشعابها، فإن التصريحات التي جاءت على لسان وزير خارجية السعودية، الأمير سعود الفيصل، ثم السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية، تؤكد مسؤولية قادة الطرفين، الذين سيلتقون اليوم في مكة، في ضرورة إبداء أقصى درجة من المسؤولية تجاه شعبهم، والترفع عن الصراع على سلطة ما زالت تحت الاحتلال، والتوحد لتجنيب شعبهما الويلات والكوارث من كل نوع.

هناك ما يدعو إلى التفاؤل مما سينجم عن اللقاء في مكة، ذلك أن الفلسطينيين الذين يلتقون في المدينة المباركة، يعلمون أن عليهم أن يتطلعوا الى دهاليز القدس، وأن يستوحوا من سيرتهم النبوية العبرة، خاصة ان التطرف الإسرائيلي يجلس وراء بواباتها المقدسة، متربصاً بها الشر والعدوان. وإذا كانت محطة الحوار قد توقفت في غزة دون أن ينتج عنها شيء، فإن كل الأمل بات معلقاً في لقاء مكة، الذي رغم ذلك، قد لا يكون مطلوباً منه التوصل لاتفاق حول تفاصيل كل شيء، بل أن يجمل الاتفاق العام، الذي يحدد إطار نظام الشراكة السياسية، بترتيب أوضاع كل من السلطة والمنظمة.

ولا عذر للطرفين، بعد أن استنفدا الوقت والجهد، وجربا عضلاتهما في الميدان وفي أروقة الصراع والحوار السياسي، متعدد الأشكال والأطراف والمستويات، وليس أمامهما من سبيل سوى الاتفاق، ذلك أن نتيجة أخرى غير ذلك، ستعني انفجاراً مدوياً وصراعاً دموياً مفتوحاً، وللجميع أن يتخيل ما يمكن أن يكون عليه الوضع ميدانياً، في حالة ان انفض اللقاء في مكة، دون التوصل إلى اتفاق. لا شك في أن المواجهة ستكون دامية للغاية، حيث سيضطر الرئيس إلى الإعلان رسمياً عن انتخابات مبكرة، وربما أيضاً عن أحكام عرفية، وهذا سيكون من شأنه تكسير أدوات اللعبة السياسية بين الطرفين، والذهاب إلى حرب أهلية، ستضع حداً ـ لا قدر الله ـ لكل الوضع الفلسطيني، ومنجزاته التي شارك فيها بقوة الطرفان، ومستقبله الذي يتطلع إليه الجميع.

ما يدعو إلى التفاؤل، ليس خطورة الحالة التي سينفتح عليها الواقع الفلسطيني في حالة الفشل وحسب، بل الاستجابة الفورية من قبل الطرفين لدعوة خادم الحرمين الشريفين للقاء في مكة، كذلك ترؤس كل من الرئيس أبو مازن والأخ خالد مشعل وفدي الطرفين، بما يؤكد أن الطرفين يمتلكان القرار الكافي لاتخاذ القرار، وأنه ليس هناك ما يمنع من أن يضع الطرفان كل ما لديهما من أفكار وآراء ووجهات نظر واقتراحات، إضافة الى وجود رعاية تتمتع باحترام الطرفين وثقتهما، ولديها ما يكفي من ضمانات اقليمية، خاصة لجهة تحقيق الهدف من التوافق على حكومة الوحدة، ونقصد فك الحصار.

وما يؤكد مكانة الرياض، أن اللقاء يجري قبل أسابيع، وفي سياق التحضير للقمة العربية المقبلة، حيث من شأن التوافق الفلسطيني أن يشكل رافعة سياسية في غاية الأهمية، على طريق إنقاذ الوضع العربي بأسره، الذي يواجه ملفات متوترة، بما يؤكد أن فلسطين، في الوقت الذي تشكل فيه بؤرة توتير للمنطقة، فإنها تشكل أيضاً مفتاح تهدئته ودفعه في الاتجاه الذي يحقق مصالح الشعوب العربية، أو على الأقل يمنع عنها المزيد من التدهور والانهيار.

ومن الضروري الإشارة هنا بالخصوص إلى أن الأطراف الاقليمية باتت تدرك خطورة دفع المنطقة الى حالة من الاقتتال على الأساس الطائفي والمذهبي، وقد سجلت اتصالات سعودية ـ ايرانية بهذا الشأن تؤكد مصلحة دول المنطقة في منع التدهور، ليذهب بهذا الاتجاه، خاصة في العراق ولبنان ومن شأن تهدئة الوضع الفلسطيني أن تساهم إلى حدود كبيرة في تهدئة كل من ملفي العراق ولبنان.

يتضاعف الشعور بالمسؤولية على كاهل طرفي اللقاء الفلسطينيين، فهو يتجاوز حدود فلسطين وشعبها على أهميته، وهذا ما يفسّر بعض التصريحات التي صدرت قبل اجراء اللقاء، التي وصل بعضها الى الحديث عن توافق على معظم القضايا الخاصة بحكومة الوحدة.

المهم في الأمر، أن الطرفين ومنذ وقت قد أدركا عبث التذاكي، أحدهما على الآخر، وأنه لا يمكن لأحدهما أن يلتحق بالآخر، وأن عهد التفرد بالقرار السياسي قد انتهى، وهكذا فإن لقاء مكة، قد يتجاوز في أهميته اتفاق الطائف الذي جرى قبل ثلاثة عقود ووضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية من حيث انه في حال نجاحه وهذا ما نأمله، أن يدشن نظاماً سياسياً فلسطينياً جديداً، يقوم على أساس الشراكة والتعدد، وأن يفتح الباب واسعاً لإنجاح قمة عربية قادمة، بما قد يؤهلها إلى تجنيب شعوب عربية ويلات حروب أهلية تلوح في الأفق، وربما حرب إقليمية طاحنة، ستأكل الأخضر واليابس، ليس في فلسطين وحسب، ولكن في الشرق الأوسط بأسره.


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018