التنمية الفلسطينية في عصر السوق الحرة../ فراس جابر

أظهرت الفترة الماضية، وتحديداً العام الماضي مظاهر خلل كثيرة وكبيرة في آن واحد داخل بنية المجتمع الفلسطيني، ناقضت كثيراً ما درجنا على اعتباره مسلمات في حياة هذا المجتمع، بدايةً من حرمة الدم الفلسطيني، إلى صمود هذا المجتمع بوجه الضغوطات العالمية من أجل الخضوع والاستسلام، وما أظهرت وكشفت عنه الأزمة الماضية كذلك في الشق الاقتصادي، حيث ظهر للعيان ضعف البنية الاقتصادية الوطنية التي تستطيع تحمل أزمة من نوع مشابه، بل وتشكيل طوق نجاة اقتصادية للمجتمع، في ظل عدم القدرة على الحديث عن تنمية بمعناها الشمولي في ظل وجود الاحتلال.

أطلق الباحثون على مرادف التنمية الشمولية في الخصوصية الفلسطينية تنمية الصمود التي تتجه نحو تنمية مصادر ذاتية قادرة على مساندة المجتمع الفلسطيني في سعيه نحو التحرر الوطني من منطلق اقتصادي، واتضح جلياً خلال الأزمة الماضية أنه حتى البنية الاقتصادية الفلسطينية غير قادرة على القيام بتنمية الصمود لأسباب عدة، ونرى ذلك جلياً خلال أزمة الرواتب، والحصار الاقتصادي على الحكومة الأخيرة التي من نتائجها وقوف المجتمع الفلسطيني بجانب هاوية الفقر، والاعتماد على معونات الطوارئ وبرامج الأغذية في سيناريو مشابه لما يحصل في أفريقيا.

البنية الاقتصادية الوطنية الفلسطينية تتكون من أجزاء متنوعة من أهمها البنوك والشركات والمصانع، والبنى الإنتاجية الزراعية والصناعية الأخرى، وإجمالاً حافظت البنى الصناعية والزراعية على حد أدنى من التشغيل، وكذلك الإنتاج، وبالتالي الحفاظ على استمرارية لدعم قطاع من العمال والموظفين المعتمدين عليها، ولكنها تلقت ضربات ليست بالهينة نتيجة الحصار المفروض، وبالتالي تعرضت هي لهزات أثرت على قوتها.

الشق الثاني هو القطاع الخدماتي المتطور والقوي قياساً لقطاع الإنتاج، والذي أتضح أن دعمه للمجتمع الفلسطيني كان محل شك كبير نتيجة ظروف مختلفة، ومن أهمها علاقاته القوية مع السوق العالمية الحرة، وبالتالي وجود ازدواجية في العلاقة، الأولى تلك مع المجتمع المضيف "الفلسطيني" والثانية مع السوق الحر "المجتمع العضوي" لهذا القطاع الخدماتي، ويبدو أن الثانية أكثر تأثيراً في القطاع الخدماتي من الأولى.

بالإضافة إلى قطاعي الإنتاج والخدمات يوجد لاعبون آخرون داخل السوق الفلسطينية من أهمهم الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك السلطة الوطنية الفلسطينية، بالإضافة إلى القطاع الأهلي، والقطاع الاقتصادي غير المنظم، وتلعب هذه القطاعات أدواراً مختلفة ومتباينة ارتباطاً بتنمية المجتمع الفلسطيني.

الاحتلال الإسرائيلي هو المعيق الأكبر لتحقيق أي تنمية اقتصادية داخل المجتمع الفلسطيني نتيجة سياساته وممارساته المعروفة للجميع لتحقيق استدامة خضوع المجتمع الفلسطيني له بكل المقاييس، وعدم تحقيقه قدرة ذاتية على الاستقلال في أي مجال، ومنها المجال الاقتصادي، وبالتالي إجراءاته وسياساته هي لتدمير وجود أي قطاع اقتصادي فلسطيني قوي قادر على تحقيق تنمية فلسطينية تدعم حياة المجتمع بشكل كريم.

لاعب أساسي آخر ومركزي هي السلطة الوطنية الفلسطينية التي تلعب دورين أساسين هما؛ وضع التشريعات والسياسات العامة على المستوى الاقتصادي لتحقيق تنمية فلسطينية، وهي بالمجمل تتجه نحو الاعتماد على مفهوم السوق الحرة في هذه السياسات دون تدخل مركزي من السلطة باتجاه الموازنة بين الخاص والعام، وبالتالي عدم وجود أي نوع من أنواع التحكم بآليات عمل هذا السوق.

المهمة الثانية هي التشغيل، حيث تعتبر السلطة الوطنية أكبر مشغل للأيدي العاملة داخل المجتمع الفلسطيني، وبالتالي اعتماد أكثر من مليون مواطن على الدخل القادم من رواتب السلطة الوطنية شكل تهديداً جدياً لاستقرار المجتمع في الفترة الأخيرة نتيجة عدم قدرة السلطة على توفير الرواتب في ظل الحصار، وهذا ما يطرح سؤالاً جدياً حول أهمية تقليل اعتماد المجتمع الفلسطيني على العائدات القادمة من تشغيل السلطة للأيدي العاملة، ونقل جزء كبير منها إلى قطاعات أخرى تستطيع تحمل تشغيل هذه الأيدي وفي نفس الوقت تحقيق عوائد اقتصادية مجدية للمجتمع.

القطاع الأهلي والمجتمعي متباين الاتجاهات بداخله والدخول بتفاصيل تركيبته الداخلية أمر طويل، ولكن الاتجاه العام لهذا القطاع الاعتماد على التمويل الدولي والأجنبي، مع وجود أجزاء منه تعتمد على المجتمع المحلي، وبعض النشاطات الإنتاجية لتمويل نشاطاتها، ولكن الأمر الأساسي هنا عدم وجود سياسة تنموية واضحة تحكم القطاع الأهلي أو يعمل لترويجها، وبالتالي تعتمل بداخله تناقضات أساسية في هذا المجال؛ ما بين الاعتماد على المجتمع المحلي أو نشاطات إنتاجية لتمويل استدامته أو الاعتماد على التمويل الأجنبي والدولي لاستمرار عمله. المأزق هنا في عدم وجود مأسسة تنموية تستطيع تحقيق دعم استمرار المجتمع الفلسطيني، وكذلك الضغط على السلطة الوطنية لتبني هذه السياسة، في مسعى لترشيد استخدام الموارد المحدودة بأفضل صورة ممكنة.

مساهمة القطاع غير المنظم في التنمية الفلسطينية غير واضحة، وهو قطاع منتشر بشكل كبير داخل كافة التجمعات المحلية الفلسطينية، وتعتمد عوائل كثيرة على استمراره لدعم وجودها اقتصادياً، ويبدو أن هذا القطاع ساهم بشكل جلي خلال الحصار الأخير في توفير موارد مالية استطاعت التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، وبالتالي ساهم في منع الانهيار المجتمعي، وإن كانت هذه المساهمة غير واضحة الحدود لأسباب تتعلق ببنية هذا القطاع نفسه.

يمكن القول أن العلاقة بين مختلف هؤلاء اللاعبين غير واضحة من جهة، وإشكالية من جهة أخرى، فالعلاقات تتجه من التنافس للعداء فالمشاركة في حدها الأعلى، وبالتالي لا يمكن الحديث عن دور متكامل هنا، أو حتى على الأقل غير متعارض تنموياً.

الإجابة على السؤال المطروق حول كيفية تحقيق تنمية اقتصادية داخل المجتمع الفلسطيني تستطيع حماية هذا المجتمع في وقت الأزمات وتشكل حاضنة حقيقية له، يبقى مرهوناً بدور السلطة الوطنية، مع تكامله مع إجابة القطاع الاقتصادي الفلسطيني، وتحديداً القطاع الخدماتي منه، الذي يفترض أن يلعب دوراً أكثر ايجابية مع تركيزه على تطوير بنية اقتصادية صلبة بدلاً من توسيع قطاع الخدمات عمودياً وأفقياً، في معنى أوسع لصفات العالم الثالث التي تتمثل بهذه الزيادة على حساب البنية الإنتاجية – الصناعية.

إذاً من المهم بمكان لعب دور اقتصادي وطني يخرج من حسابات السوق الحرة، والتعامل مع السوق الفلسطينية كجزء مربح من السوق العالمية، بما يؤدي إلى حرمانها من أسباب البقاء والتنمية لصالح أسباب الربح والخسارة، واستمرار العلاقات المتشابكة مع هذه السوق، التي أحدى آلياتها المهمة للسيطرة هي الشركات الخدماتية الضخمة.

العلاقة مع السلطة الوطنية يجب أن تتكامل بصياغة سياسة تنموية واضحة المعالم تتجه لتحقيق عدالة أكثر للفقراء والمهمشين، وفي نفس الوقت توفير بنية اقتصادية واسعة تستطيع تشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة الفلسطينية، مع مركزة الموارد في هذا المجال، ومن أجل هذا السبب يبقى دور المجتمع المدني الفلسطيني غير الناشط حتى اللحظة في هذا المجال من أجل المساهمة والضغط لتحقيق هذا الهدف، ومن اجل هذا يجب التوافق داخل هذا المجتمع المدني حول هذه السياسة، مع الإدراك بوجود تناقضات جوهرية داخل المجتمع المدني نفسه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018