مفاوضات طحن الهواء وخض الماء؟!/ راسم عبيدات

إسحق شامير، كان يخطط أن يفاوض العرب عشرات السنين دون أن يعطيهم شيئا، وأحد أبرز أقطاب السياسة الإسرائيلية والحائز على ما يسمى جائزة نوبل للسلام شمعون بيرس، قال ما المانع أن نفاوض الفلسطينيين عشرين عاما ولا نعطيهم شيئا، وهناك الكثير من أقطاب اليمين الإسرائيلي، يريدون من المفاوضات مع العرب، أن تصل إلى حد أن يسلم العرب، بالمطالب الإسرائيلية، أي منحهم وإعطائهم الأراضي المحتلة، مقابل منحنا الأمن والسلام.

هذه الرؤيا والمنطق، هما اللذان يحكمان قناعات وتصورات القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، فشارون على سبيل المثال لا الحصر، عندما طرحت خريطة الطريق، كأحد الحلول الأمريكية للقضية الفلسطينية، ورغم أنها لا تستجيب للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، إلا أنه وضع عليها أربعة عشر تحفظا، وذلك لكي ينقل التفاوض حول اشتراطاته، قبل التفاوض حول المقترح أو الوثيقة نفسها، واليوم أولمرت، وبرعاية أمريكية عقد ويعقد سلسلة من اللقاءات مع الرئيس محمود عباس، حصيلتها حتى الآن صفر بامتياز، وهي لا تعالج أية مسائل جوهرية وإستراتيجية، مثل الإستيطان وإنهاء الإحتلال، وإزالة الجدار، واللاجئين، ووقف تهويد القدس وأسرلتها، بل تعالج أموراً حياتيه من طراز تمديد فتح عمل المعابر، وإزالة حاجز هنا أو هناك، أو إزالة كومة من التراب عن هذا المدخل أو ذاك، وحتى هذه الأشياء البسيطة، سرعان ما يتم التراجع والتخلي عنها، تحت حجج وذرائع الظروف السياسية والأمنية.

والزعامة الإسرائيلية التي أقرفتنا وأشبعتنا طحن هواء وخض ماء عن التنازلات المؤلمة والمفاوضات الجادة في سبيل السلام والعملية السلمية، فهي تتلكأ عند إزالة أحد الكرفانات الفارغة، أو إحدى النقاط الإستيطانية العشوائية، ويقيم المستوطنون الدنيا ولا يقعدونها، وحسب سياسة الباب الدوار الإسرائيلية يعدون إليها، ولعل الجميع يذكر أنه في أحدى القمم في شرم الشيخ، والتي طرح فيها رفع الحواجز والانسحابات من المدن الفلسطينية، ما أن انتهت القمة، وعلى أساس أن يشرع في تنفيذ ما أتفق عليه، كيف حول الإسرائيليون القضية إلى جدل ونقاش وتفاوض على حاجز العوجا، ولتنتهي الأمور، إلى عدم تطبيق أي من بنود ما جرى الإتفاق عليه في القمة.

وفى إحدى القمم أيضا، وكبادرة حسن نية، وما أكثر حسن النوايا الإسرائيلية، والتي يلمس آثارها شعبنا على جلده وأرضه، قتلا ً واعتقالا ً، ومصادرةً وهدما ً، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي إطلاق سراح عشرين أسيرا ً فلسطينياً، ممن تبقى لهم مدة قصيرة وأحكامهم خفيفة، وبعد دراسة مستفيضة من الشاباك، والهيئات والدوائر الأمنية لملفاتهم، ولكن حتى هؤلاء لم يتم الإلتزام بإطلاق سراحهم.

والمفاوضات الجادة والتنازلات المؤلمة التي يتحدث عنها، القادة الإسرائيليون، هي التي تمنحهم الأرض والأمن والسلام والتطبيع، وأن يأتي العرب برؤيا واقعية وعقلانية، بمعنى أن يأتي العرب والفلسطينيون، ويقولوا أن الإحتلال نعمه، وأن يتخلوا عن مرتكزات القضية الفلسطينية، اللاجئين، القدس، والقبول ببقاء المستوطنات وضمها إلى إسرائيل، والتخلي عن المياه، وحتى المناطق التي يتم الإتفاق على الإنسحاب منها على، سبيل المثال، يقوم المجتمع الدولي بتعويض إسرائيل عنها، أو تقوم إسرائيل باستئجارها.

وباختصار قصتنا مع المفاوضات طويلة، والتي يرى البعض فلسطينياً وعربياً أنها الخيار الوحيد الذي يملكه العرب، وإذا ما تحدثت عن المقاومة كخيار أو إستراتيجية، فأنت غير واقعي، أو كما يقول المأثور الشعبي في رأسك مية عتيقة أو أنت حالم أو تعيش في زمن آخر، والجميع يذكر عندما طلب النبي موسى عليه السلام من اليهود أن يذبحوا بقرة، وذلك تكفيراً عن الانتهاكات والاعتداءات التي حصلت في يوم السبت، فقالوا له يا موسى إسأل لنا ربك عن شكل البقرة، ومن ثم لونها، ومن ثم ماهيتها، ومن ثم نوعها... الخ، باختصار كانوا يريدون تعجيز موسى عليه السلام، وأخيرا كلم الله موسى وقال له، قل لهم صفراء فاقع لونها.

إذا كانت هذه العقلية والذهنية الإسرائيلية منذ القدم، والتي يعبر عنها قادتها حاليا بشكل واضح، فأنا أجد من الغرابة أن يبني البعض فلسطينياً وعربياً، إستراتيجيته على هذا الأساس، وأن يستمر في طحن الهواء، أو خض الماء، وكأن الماء سيخرج زبداً، فكم لقاء عقد الرئيس محمود عباس مع أولمرت وماذا كانت حصيلتها ونتيجتها؟، وهل جرى أي تقدم على صعيد القضايا الجوهرية للشعب الفلسطيني؟، أم أن الأمور تراوح مكانها!، بل وتزيد من حالة الإحباط واليأس في الساحة الفلسطينية.

هذه اللقاءات التي ينظر لها على أنها تشكل غطاء للسياسات والممارسات الإسرائيلية، ففي الوقت الذي يجتمعون فيه مع الرئيس عباس، يواصلون عمليات الإغتيالات والاقتحامات في الأراضي الفلسطينية، وكأنه مطلوب من الشعب الفلسطيني المحتل، أن يسكت ولا يدافع عن نفسه وعن حقوقه.

والجميع منا يذكر المقولات الإسرائيلية بأنه لا مواعيد مقدسة، وأن من الصعب تنفيذ أو الإستجابة للمطالب العربية والفلسطينية، لأن اليمين الإسرائيلي قد يسقط الحكومة، والحكومة غير قادرة في هذه المرحلة على القيام بخطوات إستراتيجية، والحكومة مهددة بالسقوط، والحكومة قد تضطر للذهاب إلى إنتخابات مبكرة، وهكذا دواليك، والعرب والفلسطينيون، تحت رحمة الحكومة والأحزاب الإسرائيلية، وينتظرون ويبنون إستراتجياتهم ويرهنون قضاياهم وحقوقهم على المجتمع الإسرائيلي وحكوماته المتعاقبة، والتي جميعها من أقصى ما يسمى باليسار، إلى ليبرمان و آفي إيتام أقصى اليمين، لديها خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها أو التنازل عنها، لا لعودة اللاجئين، لا لوقف الإستيطان، ولا لعودة القدس، ولا لإزالة الجدار، وألف لا ولا.

ونحن عربيا وفلسطينياً، وحتى لا نتهم ب الإرهاب ومعاداة السلام قلنا في القمة العربية الأخيرة، نعم للمفاوضات، ونعم للسلام، ونعم للإعتراف، ونعم للتطبيع بعد السلام، وأصبحنا غير قادرين على قول كلمة لا واحدة، ومن يقول هذا الخيار غير مجد ولن يوصلنا إلى حقوقنا، أصبح كمن يشتم الذات الإلهية، أو أكثر، فهذا الإنسان يحلم أحلام وردية وشيطانية، ولا بد أن يتكيف ويستجيب للمتغيرات الدولية، والمسألة يا عرب وفلسطينيو المفاوضات، أننا لسنا ضد هذا الخيار، ولكن أن نبني إستراتيجيتنا ونرهن حقوقنا لهذا الخيار، فهو قطعا لن يوصلنا إلى حقوقنا، والعالم لا يحترم الضعيف، والحق بحاجة إلى قوة ورافعة تسانده، ولدينا من إمكانيات القوة الكثير الكثير، ولكن المشكلة في عدم امتلاك الإرادة، فهل نصحو، ونوقف مسلسل المفاوضات من أجل المفاوضات، ومفاوضات طحن الهواء وخض الماء؟ أم نستمر في هذا المسلسل الهزلي ونزداد ذلاً وتهميشاً واحتقارا من كل الشعوب والأمم؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018