رسائل أولمرت لبشار الأسد../ راسم عبيدات

....... أشرت في مقالة سابقة لي بعنوان " الصيف يزداد سخونة على الجبهة السورية "، إلى أن عمق التناقضات والأزمات الداخلية التي تشهدها وتعيشها القيادتان الأمريكية والإسرائيلية، وتعثر وفشل مشاريعهما وسياساتهما الخارجية، تدفع بالقوى المتشددة من اليمين المتطرف، إلى شن حرب إقليمية شاملة، قد تكون حلقتها المركزية سوريا، نظراً لدورها المحوري في العلاقات والتحالفات بين دول وقوى المقاومة والمعارضة والممانعة للمشاريع الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة، إيران وسوريا والمقاومة اللبنانية، وعلى رأسها – حزب الله، والمقاومة الفلسطينية.

وهناك من يحاجج بأن المعطيات غير ذلك، وخصوصاً أن هناك رسائل من " أولمرت" حملها مبعوثون ألمان وأتراك إلى الرئيس السوري بشار الأسد، حول استعداد إسرائيلي لانسحاب شامل من الجولان مقابل معاهدة سلام شاملة، وكذلك فك عرى التحالف الإيراني السوري، ووقف دعم وإسناد المقاومتين اللبنانية والفلسطينية.

ورغم أن العديد من الخبراء يرجحون أن هذا التحرك الإسرائيلي يأتي في إطار حصيلة أمرين في غاية الأهمية:

أولهما الهزيمة القاسية التي ألحقها حزب الله في الصيف الفائت بهيبة الجيش الإسرائيلي وقوة ردعه، وإظهار إسرائيل بأنها نمر من ورق، وهي ليست عصية على الهزيمة والانكسار، إذا ما توفرت قيادة لديها الإرادة، وتمتلك رؤيا واضحة وإستراتيجية واضحة، وتخضع لمركز قيادي واحد. وهذا الإنكشاف الإستراتيجي الإسرائيلي تمثلته المقاومة الفلسطينية، وبالتالي أفشلت المخططات الإسرائيلية للقضاء على المقاومة الفلسطينية في القطاع. ناهيك عن الغوص الأمريكي المتزايد في الوحل العراقي، وما يعبر ذلك عن فشل أمريكي ذريع، واقتراب من النصر للمقاومة العراقية، وهذا العامل بالأساس، هو الذي يدفع الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية لإطلاق بالونات الإختبار، ولإثارة الجلبة والنقاش والجدل حولها، في إطار إدارات الأزمة وكسب المزيد من الوقت من أجل إعادة تأهيل وتسليح وتحديث قواتهما العسكرية، تمهيداً لشن حربهما الإقليمية الشاملة.

ثانياً :- الضغوطات الشديدة التي تواجها حكومة "أولمرت"، في ظل حكومة منهكة بالفضائح والهزائم والفشل المتكرر، وحيث أن النظام السوري، رغم كل الضغوطات التي مورست عليه أمريكياً من عزل وحصارً، لم يتخلى عن مبادئه ولا ثوابته في إطار تحالفاته الإيرانية، أو العلاقة مع حزب الله وقوى المقاومة الفلسطينية، وحيث رأت أمريكيا وأوروبا، أنه إذا ما أريد ترتيب الأوضاع في المنطقة فإنه لا مناص من مفاوضة السوريين، وهذا ما حصل فعلاً، وكون مراكز القيادة والقرار في إسرائيل باتت مقتنعة بالدور المركزي لسوريا في الصراع العربي الإسرائيلي، ولكي لا تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، فإن حكومة "أولمرت" أقدمت على طرح مبادرة اعتراضية، تتلخص في الإنسحاب الشامل من الجولان، والعودة بالمفاوضات إلى نقطة وديعة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "إسحق رابين"، وهي تدرك جيداً أن ربط ذلك بسلسلة من الاشتراطات من طراز أن تقطع سوريا علاقاتها بإيران، أو تفك علاقاتها التحالفية مع حزب الله والمقاومة الفلسطينية غير ممكن، لكون سوريا ترى في ذلك نقاط وعناصر قوة لها، ولم تظهر تراجعاً أو تخلياً عن ذلك حتى في أحلك وأشد الظروف قسوة، وكيف الآن والمشروع الأمريكي – الإسرائيلي مأزوم ومتعثر؟ .

إذاً أمام هذه المعطيات فإن اللوحة تشير إلى أن السوريين حسموا أمرهم، وقالوا بوضوح تام إن هذا العام سيكون حاسماً؛ فإما تسوية إقليمية شاملة، أو حرباً إقليمية شاملة، وخصوصاً بعد أن وجد السوريون في الهزيمة الإسرائيلية في الصيف الفائت أمام حزب الله، أن هناك تآكلا وتراجعا في هيبة وقوة الردع الإسرائيلية، وبما أن الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية في ظروف داخلية لا تحسدان عليها، من حيث عمق الأزمات التي تعصف بحكومتيهما، وفشل خارجي لسياساتهما الخارجية متكرر ومتصاعد، فإن كل ذلك يضع علامة استفهام كبيرة على إمكانية أن تكون هناك تسوية إقليمية شامله، وبالتالي فإن ما هو مرشح أن تنفجر الأمور على نطاق واسع باتجاه حرب إقليمية شاملة، يبقى الخلاف على توقيتها ومن يبادر لها، والحلقة التي ستبدأ الحرب من خلالها، لبنان أو سوريا أو إيران، لأن هذا هو المخرج المرجح لتلك القيادتان للخروج من أزماتهما، والحفاظ على مصالحهما وامتيازاتهما، وخصوصاً أن استمرار الفشل وتكراره، قد يشكل مخاطر جديه على كامل المصالح والمشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وهذا لن يتوقف فقط على النفوذ والدور الأمريكي في المنطقة، بل ربما أن الأمور ستصل حد أنظمة موالية لواشنطن في المنطقة العربية، قد تتعرض أنظمة حكمها للاهتزاز والسقوط، وبما يوسع من جبهة المقاومة والممانعة والمعارضة للمشاريع والسياسات الأمريكية في المنطقة، وكذلك أن يصبح هناك مخاطر جدية وحقيقية على قوة الردع الإسرائيلية، ودورها كعصا غليظة في فرض السياسات الأمريكية على المنطقة، وتحديداً على دول النظام الرسمي العربي في المنطقة .

وأنا أرى أن هذه الرؤيا ليست عدمية، استنادا لمقولة التحليل الملموس للواقع الملموس، والأيام والأشهر القليلة القادمة ستكون حبلى بالتطورات، فالمنطقة تعيش آلام مخاض شديدة، وحتماً تريد أمريكيا وإسرائيل أن ينتج عن هذه الآلام، شرق أوسط جديد أسوء مما عبرت عنه وزيرة الخارجية ا؟لأمريكية "كونداليزا رايس"، في الصيف الفائت أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهي تريد أن تعم الفوضى الخلاقة كل المنطقة العربية، وأن تغرق في حروب وصراعات مذهبية وعرقية وطائفية وجهوية وعشائرية وقبلية، وأن يتم تجزئة وتقسيم وتذرير البلدان العربية إلى كيانات إجتماعية ضعيفة، ليست بينها أية روابط قومية، وبحيث تصبح القومية العربية شيئاً من الماضي، وهذا لن يتأتي إلا من خلال حرب إقليمية شاملة يجري التمهيد والتخطيط لها على الأرجح والأغلب خلال هذا الصيف من قبل أمريكيا وإسرائيل .

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018