القوات الدولية: للحماية أم للوصاية؟../ هاني المصري

أعترض على فكرة احضار قوات دولية الى غزة من اجل فرض الأمن الداخلي واجراء الانتخابات المبكرة. ولا يلغي الاعتراض التفسيرات غير المقنعة التي قدمها بعض المسؤولين الفلسطينيين في محاولة لترقيع الفكرة، بقولهم ان القوات الدولية تأتي من اجل حماية الشعب الفلسطيني من العدوان الاسرائيلي، وتأمين حرية العبور على معبر رفح، وتأكيد الوحدة ما بين الضفة وغزة، لان المطروح - حسب زعمهم- ان تنتشر قوات دولية في الضفة أيضاً في مرحلة لاحقة.

أسباب الاعتراض كثيرة اهمها:

أولاً: إن فكرة احضار قوات دولية هي هذه المرة، وليس مثل المرات السابقة، فكرة اميركية اسرائيلية تهدف الى نشرها على الحدود المصرية - الفلسطينية لمنع تهريب السلاح وبحجة ان مصر لا تقوم بواجبها بتحقيق هذه المهمة. لذا فان احضار قوات دولية موجه بشكل مستتر ضد مصر، ولا اعتقد ان هذه الفكرة ستقبل بها مصر، وان قبلت بها سيكون ذلك على مضض، مثلما قبل حزب الله بحضور قوات دولية على مضض، وهذا يختلف عن المبادرة لطلبها عندما تكون الفكرة الآن لصالح اسرائيل.

ثانياً: بعد انقلاب حماس على الشرعية في غزة تطورت فكرة احضار قوات دولية بحيث اصبحت مطلوبة ايضاً من اجل فرض الامن الداخلي واستعادة الشرعية في القطاع، وهذا الامر يعني ان القوات الدولية ستكون الى جانب طرف ضد طرف، وهذا من شأنه ان يذكي الصراع الداخلي ويضيف اليه عوامل اشتعال جديدة، اما بالنسبة لضمان نزاهة الانتخابات فيمكن توفيرها باحضار مراقبين دوليين وباعداد كبيرة.

ثالثاً: ان احضار قوات دولية من اجل اجراء الانتخابات المبكرة فكرة تبدو جذابة جداً، لان الاحتكام الى الشعب هو المخرج الوحيد من الانقسام السياسي والجغرافي الذي وصل الى حد الاحتراب والانقلاب العسكري، ولكن الانتخابات لن تعقد بعد العبور على نهر من الدماء الفلسطينية، ولن تعقد دون وفاق وطني فلسطيني على عقدها، الا اذا كان هناك من يفكر باجراء الانتخابات دون مشاركة حماس. وما يدعوني لقول ذلك ان حماس ملاحقة في الضفة، واذا ما مد هذا المنطق على استقامته فانها ستعلن خارجة على القانون، وسيتم وضع الشروط لمشاركتها في الانتخابات تتضمن الموافقة او الالتزام بالاتفاقات الموقعة ونبذ العنف والاعتراف باسرائيل. واذا حدث ذلك، فان الانتخابات المقبلة لن تكون انتخابات حرة ونزيهة، وانما انتخابات صورية نتائجها مقررة سلفاً. حماس حركة اساسية ولا يمكن تجاهلها، والتعامل بخفة وكأنها غير موجودة بحجة انها ارتكبت الحماقات والجرائم.

رابعاً: ان احضار قوات دولية لهدف يتعلق باسباب داخلية فلسطينية اساساً ولا تكون مهمتها حماية الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال تطبيقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، ولا الفصل ما بين الحدود الفلسطينية والاسرائيلية، ولا جزء من خطة لانهاء الاحتلال فانها ستضفي الشرعية على الاحتلال، وتساعد على تطبيق الخطة الاسرائيلية الرامية لفرض حل اقامة كانتونات منفصلة عن بعضها البعض، في هذا السياق، فان احضار قوات دولية الى غزة فقط، يؤكد الفصل ما بين الضفة وغزة، ويمهد لتكرار نفس الامر في الكانتونات المقبلة في الضفة، وبالتالي، فان القوات الدولية ستأتي في ظل المعطيات الحالية للوصاية وفرض الحلول الاسرائيلية وليست للحماية. وهذا ممكن لان الشرعية الدولية مختطفة من الولايات المتحدة الاميركية.

خامساً: ان القوات الدولية حتى تأتي بحاجة الى وفاق محلي واقليمي ودولي، فلا تأتي القوات الدولية في الغالبية العظمى من الحالات لكي تحارب معارك عن احد، وردة فعل اطراف فلسطينية عديدة، مثل حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية، والتي وصلت عند كتائب القسام الى حد الاعلان عن الاستعداد لشن حرب على القوات الدولية واعتبارها احتلالاً جديداً. حتى الشخصيات والفصائل والاحزاب التي ايدت احضار قوات دولية دعت الى ان تكون قوات حماية الشعب الفلسطيني من العدوان العسكري ومساعدته للتخلص من الاحتلال، وطالبت بأن ترابط في كافة الاراضي المحتلة بما فيها القدس. والكل يعرف ان اسرائيل ترفض حضور القوات الدولية في هذا السياق، والفيتو الاميركي جاهز للاستخدام اذا عرض مشروع قرار باحضار قوات دولية للحماية على مجلس الأمن.

سادساً: ان احضار قوات دولية للعب دور داخلي فلسطيني في ظل الضعف والانقسام يمثل وصاية على القرار الفلسطيني ويزيد التدخلات المتنوعة في الوضع الفلسطيني، بحيث يضعف الخيار الفلسطيني ويقوي الخيارات الاخرى.
تأسيساً على ما تقدم، ادعو لسحب فكرة احضار قوات دولية لقطاع غزة واستبدالها باعادة طرح الفكرة القديمة - الجديدة وهي احضار قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان العسكري في كافة الاراضي المحتلة العام 1967, وان تكون جزءاً من خطة لانهاء الاحتلال، وقوات سلام للفصل ما بين الحدود الفلسطينية - الاسرائيلية، وهذا غير ممكن حالياً كما يعرف الجميع، وخصوصاً المدافعين بحرارة عن فكرة احضار القوات الدولية.أما الانتخابات سواء أكانت عادية أم مبكرة، فلن تعقد دون وفاق وطني، واذا عقدت في ظل الانقسام لن تكون حلاً ولا ديمقراطية ولا حرة ولا نزيهة وستصب الزيت على النار. فالانتخابات لن تكون المحطة الاولى للخروج من الازمة وانما المحطة الاخيرة.

ان التجربة المرة التي تجرعناها خلال العامين الماضيين اثبتت ان اجراء الانتخابات دون الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة الديمقراطية وعلى رؤية استراتيجية واحدة، ودون وفاق وطني لن تكون حلاً على الاطلاق، والاتفاق على كل ذلك لا يعني ان كل مشارك في الانتخابات يجب ان يوافق على اوسلو والاتفاقيات ونبذ العنف والاعتراف باسرائيل، فمثل هذا الشرط يلغي التعددية وحق الاختلاف، ولكنه يعني ان اي حكومة فلسطينية قادمة عليها ان تلتزم بالتزامات الحكومات السابقة حتى وان كانت تعارضها تحقيقاً لمبدأ الاستمرارية المعمول به في القانون الدولي مع احتفاظها بحق مراجعة وإلغاء هذه الاتفاقيات اذا رأت ان ذلك يحقق المصلحة الفلسطينية. ان الواقع يقول ان اسرائيل تجاوزت الاتفاقات وتخلت عملياً عن اتفاق اوسلو ولا تعترف بالحقوق الفلسطينية، وجزء من الاستراتيجية الفلسطينية المطلوبة لا بد وان يتضمن اتفاقاً فلسطينياً على الاصرار على اعتراف متبادل بحيث تعترف اسرائىل بدولة فلسطينية على حدود العام 1967، مثلما اعترفت المنظمة والسلطة باسرائيل. وان تلتزم اسرائيل بوقف العدوان العسكري بكل اشكاله بما في ذلك العنف العسكري وعنف الاستيطان والجدار وتقطيع الاوصال والحصار، وان تلتزم اسرائيل الاتفاقيات. فالالتزام بالاتفاقيات والاعتراف ونبذ العنف من جانب واحد لم ولن يجلب السلام وانما يشق الطريق نحو الاستسلام.

ان خطورة فكرة احضار قوات دولية تكمن في محاولة تجنب اللجوء للحوار كمدخل لاستعادة الوحدة والشرعية رغم ان هذا المدخل، شئنا ام ابينا هو المدخل الوحيد شرط توفير المناخ لانطلاق حوار جاد وقادر على الوصول لاتفاق، فما دامت السلطة الشرعية عاجزة عن استعادة غزة حرباً، وما دامت اسرائيل ليست بوارد العودة الى غزة واذا عادت ستعود لتحقيق اهدافها والانسحاب مجدداً، فهي اي السلطة تفكر باللجوء والاستقواء بالقوات الدولية بدلاً عن الحوار، وهذا يعمق الانقسام السياسي والجغرافي.

هناك فرق بين من يريد استعادة الشرعية والوحدة ما بين الضفة وغزة، ويضع شروطاً لضمان ان يتم ذلك على اسس صلبة ومتينة تمنع الانفجار مجدداً، وبين من يضع شروطاً تعجيزية لانه يعتبر الانقسام هدية هبطت من السماء لانه كان يريد حكومة الطوارئ منذ شباط 2006، لانه يخشى من الوحدة على مصالحه ونفوذه.

لا بديل عن الحوار والاتفاق. لا بديل عن ازالة آثار الانقلاب، لا بديل عن معالجة الازمة من جذورها والتي ادت الى ما حدث، من الانتخابات دون الاتفاق على مرجعية وقواعد اللعبة الديمقراطية، الى عدم تمكين حماس من الحكم رغم فوزها باغلبية تمكنها من الحكم، الى عدم اصلاح الاجهزة الامنية بحيث تصبح اجهزة للوطن وتخضع لسيادة القانون وليست اجهزة للفصائل وتخضع لمراكز القوى، الى عدم اصلاح وتفعيل وتطوير م.ت.ف، الى الاستمرار في المفاوضات او البحث عن المفاوضات العبثية دون سقف ولا مرجعية ولا ضمانات الى المقاومة العبثية التي تستخدم كوسيلة في تحسين شروط الفصائل في الصراع الداخلي، الى الافكار التفريطية والعدمية والمتطرفة التي تخون وتكفر وتلغي الاطراف الاخرى وتريد بيع الوطن بأبخس الاسعار.

"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018