"الطابور الخامس" ومهمة ضرب الحركات الوطنية../ خالد خليل

عندما استحدث الجنرال كريبو كيللانو، قائد القوات الثورية في الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام 1936، مصطلح الطابور الخامس، إنما كان يقصد بذلك تلك القوى الثورية المساندة للطوابير الأربعة الزاحفة على مدريد، وكان الطابور الخامس بهذا المعنى ايجابيا.

لكن مع الزمن اتسع هذا المعنى، وتحول إلى مصطلح سلبي يصف الجواسيس ومروجي الإشاعات من مثقفين وصحفيين وكتبة ممن تحولهم الأموال إلى أدوات طيعة في أيدي السلطة، تقلب الحق باطلا، حتى وإن كان على حساب شعوبهم ومصالحها الوطنية.

وفي حالتنا، نحن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، صرنا نشهد في الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا في عدد هؤلاء المحسوبين على الطابور الخامس (بالمعنى السلبي) وخاصة بعد هبة أكتوبر وانتفاضة الأقصى، حيث قررت المخابرات تحجيم الحركات الوطنية والإسلامية من جهة، وتعزيز التيارات "المعتدلة" بين العرب في إسرائيل.

فمن الملاحظ أن السنوات السبع الأخيرة كانت زاخرة بحملات ترهيبية، استهدفت تحديدا هذه الحركات دون غيرها، مبتدئة بالقيادات البارزة والمناضلة أمثال الدكتور عزمي بشارة والشيخ رائد صلاح. ومن الطبيعي أن نتوقع اتساع هذه الحملات، لتشمل الأطر والجمعيات والمؤسسات المرتبطة بالتيار الوطني والإسلامي على السواء، ولن تكون آخرها محاولة إخراج الحركة الإسلامية والتجمع الوطني عن القانون كما يحصل بالشهر الأخير.

وكما يبدو فإن الأجهزة الأمنية لم تقرر حرق الجسور والعودة إلى قوانين الطوارئ وأساليب الحكم العسكري في تعاملها مع الجماهير العربية، وإنما اختارت طريق المثابرة في تسديد الضربات التدريجية واستخدام وسائل مستحدثة لحرق هذه الحركات، حتى يتسنى الانقضاض عليها بعد إضعافها جماهيريا.

وهذه الأجهزة تعرف تمام المعرفة أنها لن تستطيع فعل ذلك من خلال الضربات السلطوية المباشرة لذا أخذت تلجأ إلى استخدام أدوات أخرى لتشكل طابورا خامسا.
ومن المؤسف أن هذا الطابور لا يتشكل فقط في عملاء السلطة المعروفين، وإنما اخترق أيضا حركات وأحزاباً تصنف نفسها أنها تقدمية وثورية، واقصد تحديدا الجبهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي، اللذين يمتشق كتبتهما أقلامهم في كل شاردة وواردة للهجوم على التجمع الوطني الديمقراطي، عبر التحريض الذي يشمل نشر الترهات ضد كل وطني منافس فعلا، خاصة ضد عزمي بشارة، حتى لو كان ذلك بالتواطؤ الواعي مع السلطة، وحتى حينما تشن هذه حملتها المسعورة. لقد التفت القاصي والداني إلى غياب أي تضامن إنساني أو وطني عند هؤلاء في زمن الحملة. نقول ذلك ليس لأن التضامن يفيد التجمع أو عزمي بشارة في وجه إسرائيل بل لأنه صفة أخلاقية غابت وأضر غيابها بقواعدهم وبمجتعمنا. ولم يكتفو بغياب التضامن، وهو إثم بحد ذاته، بل تواطأوا ويا للهول في خدمة السلطة التي تلاحقه وتلاحق كل الوطنيين الشرفاء.

والأنكى من ذلك أن الأمر لم يعد يقتصر فقط على بعض الكتبة الصغار ممن تربوا على الفئوية الضيقة والتنافس الحاقد ضد الحركات الوطنية، وإنما أخذ يشمل أيضا جزءا أساسيا في القيادات التنفيذية داخل الحزب والجبهة، حيث لم يحتمل رئيسها آلام الاختباء وراء قناع المسؤولية المصطنع، فاندفع في حملة تحريضية علنية، خلال ندوة طلابية عقدت في جامعة حيفا، ضد عزمي بشارة، تحديدا، مكيلا له سيلا من الاتهامات التي تروجها السلطة في العلن والخفاء، وقد سبقه إلى ذلك انتهازيون قليلو الاخلاق وشاهرو الطائفية من أمثال سميح القاسم ومدمن السطحية والوشايات الذي يحول الكتابة الى نوع من الزعرنة رجا زعاترة وغيرهما. قد يكون الرأس الجبهوي المقلد مقتنعا أن الميدان قد أصبح خاليا له، بغياب بشارة عن الساحة المحلية، فلا يجد عيبا في المشاركة في جنازة نادرة لإحدى ضحايا صواريخ القسام في "سديروت"وما رافقه من "استقبال مبهدل" هناك، لكنه لا يخجل من التغيب المفضوح عن مهرجانات التضامن مع عزمي بشارة والتجمع. لقد حسبوا ان الساحة خلت لهم بغياب عزمي بشارة لممارسة ما كانوا يخجلون عن ممارسته بوجوده خوفا من "مزاودته" عليهم.

إذا لم يكن هذا الهجوم المنهجي بمضمونه الخطير وتوقيته المشبوه، يخدم السلطة ومشروعها التصفوي ضد الحركات الوطنية فمن يخدم إذن؟! ولماذا هذه الكثافة التحريضية في ظل الهجمة السلطوية تحديدا؟!

هل هي حملة منسقة مع السلطة بعد أن "بشرنا" نفس "الرأس" أن أولمرط وعده بعدم وجود نية لقمع الجماهير العربية!! أي يطمئننا أن الحملة فقط عزمي بشارة وكل من لا يسلم بيهودية إسرائيل. أم أنها تماد بالانتهازية؟! أين هو الحد الذي يفصل بين الانتهازية والتحالف مع المؤسسة الحاكمة ضد من تلاحقهم. ومذا يسمى هذا الموقف، وهذا النهج؟

في كل الحالات حملة التحريض ضد التجمع وعزمي بشارة والحركة الإسلامية هي خدمة للأجهزة الأمنية وخدمة للمشروع الصهيوني، ولا يجوز ولا يسمح لهذه القيادات الحزبية بتوريط جمهورها الوطني بالإشاعات والأضاليل التي تخدم المشروع المعادي.

في السياسة الإقليمية هناك قياس متعارف عليه في الحكم على الشخصيات السياسية: من تهلل وتطبل أمريكا له فانه حتما مع المعسكر المعادي. كذلك في السياسة المحلية هناك مقياس متعارف عليه في الحكم على الشخصيات السياسية: فمن تطبل وتهلل له "الصنارة" أسبوعيا لا بد وأن تثار حوله ألف علامة سؤال.

فكم بالحري من يستقي ويسقي معلوماته من وإلى المدعو "أمير الرشيد"، المراسل السابق لإذاعة الجيش الإسرائيلي و"يديعوت أحرونوت"، ذلك الملوث في رذيلة اعتبار الفدائيين مخربين (كما دأب على ذلك في الصحافة العبرية) الذي لا يغمض له جفن ليل كل خميس قبل أن يبتدع تحريضا وافتراء جديدا ضد عزمي بشارة، باسم مستعار هذه المرة، وبإيحاء من زميل "جبهوي" مريض بحقده ومشبوه الأجندة يعمل في نفس الصحيفة، حتى بعد أن أصبح بشارة مطلوبا لإسرائيل مثل أي مطلوب فلسطيني ولبناني، وربما خاصة منذ أن بدأت السلطات الإسرائيلية بملاحقة بشارة مباشرة وحولته الى مطلوب.

من يتطاول على الحركة الوطنية وعزمي بشارة ويحرض في هذه المرحلة ضدها لا يمس بها بل بنفسه إذ يشهر نفسه كطابور خامس ويجاهر بذلك. ولكن يجب أن يعرى تماما ويعرف للناس جميعا من هو وماذا يفعل. الصمت عليه خطأ ليس لأن كلامه مضر، بل لأن الصمت عليه مضر، فالصمت يجعله يظهر كأمر طبيعي، وهو في الواقع فضيحة مشينة لصاحبه.

الحركات الوطنية ماضية في طريقها وستبقى دوما رأس الحربة ضد المشروع الصهيوني، وهي حتما ستخرج منتصرة أمام الهجمة السلطوية وطابورها الخامس أيضا، ولن تكون منشغلة كثيرا بالردود السجالية بقدر ما ستنشغل بتطوير المشروع الوطني ونسج التحالفات الصحيحة على أساسه، وهي أنضج من أن تقع في مطب التصنيفات البائدة على وزن علماني ليبرالي، أصولي، ظلامي.......الخ، فالظلامي هو الواشي، وهو المتواطئ مع سلطة الاحتلال وسلطة الاستيطان ضد من تلاحقه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018