إعادة إنتاج "الأفق السياسي"!../ نواف الزرو

مرة أخرى وربما تكون الأخيرة في عهده يتحدث الرئيس بوش في خطابه الاخير يوم/2007/7/15/ عن "مؤتمر دولي– أو إقليمي للسلام"، وعن "دولة فلسطينية" في الأفق، دون أن يتعهد بإقامتها ضمن برنامج زمني واضح، في الوقت الذي تحدث فيه عن سلسلة من الشروط الأمنية التي يتوجب على الفلسطينيين القيام بها، فما الذي طرأ يا ترى حتى يطل علينا الرئيس بوش مجددا برؤية الدولتين والمؤتمر الاقليمي بعد أن شبعت "خريطة الطريق" و"الرؤية والحلم" موتا....؟!

ولماذا يعيد بوش إنتاج أكذوبة "الأفق السياسي" التي لا تستند إلى حقائق على الأرض...؟!
يقول المحلل الاسرائيلي المعروف ميرون بنفنستي في أحدث مقال له "على خلاف التنبؤات، فنحن نشهد نشاطا سياسيا فعالا – ذاك الذي سمي في الماضي البعيد "المسيرة السلمية"، فهناك لقاءات على المستوى الرفيع، وهناك تحرير معتقلين وتفضلات– تسهيلات- اقتصادية، وتصريحات متفائلة وخطط سياسية – وكل هذه تولد إحساسا بأن هناك شيئاً ما جدياً يحدث، لأنه لو لم يكن كذلك لما كان أناس جد مهمين يخصصون وقتا كثيرا جدا للانشغال بالمسيرة السياسية، وبخاصة في وقت عطلة الصيف/ عن هآرتس 19/7/2007".

ويضيف بنفنستي: "حتى لقد بدأ طوني بلير في تعزيز المؤسسات الفلسطينية، كقاعدة لإقامة دولة"، وقد تعجل حاييم رامون الأمر، فلم يكد يدفئ مقعد نائب رئيس الحكومة، حتى بادر الى نشر خطة سياسية تسمى "الانطواء المخفف" وإن يكن قد اعترف "بأنها ليست حتى في القماط".

وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك ما أطلق عليه "رزمة بادرات حسن النية الإسرائيلية" المتعلقة بالأسرى والمطلوبين وتحريك الحواجز والسماح للقادة الفلسطينيين الخمسة بالدخول الى رام الله- وان لم يدخلوا- وكذلك اللقاءات الثنائية بين عباس وأولمرت وغيرها، فإن المرء الذي يرى هذه "البادرات الإسرائيلية"، ويستمع إلى خطاب الرئيس الأمريكي الأخير حول "المؤتمر الإقليمي" وحول "الدولة الفلسطينية"، والى التصريحات الأمريكية المتلاحقة حول عملية السلام، وحول فتح "أفق سياسي" جديد للتسوية على أساس "خريطة الطريق" أو "المبادرة العربية"، يكاد أن يصدق أن الأمور تجري في هذا الإتجاه...!

نقول يكاد المرء يعتقد بأن أبواب الجنة قد فتحت فجأة أمام هبوط حل مفاجئ سحري للقضية الفلسطينية، المنتهكة حقوقها وحقوق شعبها منذ ما يقارب الستين عاما.
فهل الأمور والأوضاع تسير فعلا أو تبشر بـ"مؤتمر سلام إقليمي حقيقي وجاد" وبـ"أفق سياسي"حقيقي وجاد للحل؟!! أم أن وراء خطاب بوش و"المؤتمر الاقليمي" و"الافق السياسي" ما وراءه من أجندة أخرى تمتطي القضية الفلسطينية؟!..

وإسرائيليا - وصف المحلل الاسرائيلي "يسرائيل هرئيل" في مقال له في هآرتس/ 19/07/2007/"رؤيا جورج بوش عن دولتين لشعبين، التي كررها في خطبته في بداية الاسبوع رؤيا خلاصية بأنها "رؤيا كاذبة"، وبينما كشف "شمعون شيفر" حقيقة فكرة المؤتمر الاقليمي قائلا إن "الـمـؤتـمـر.. صـنـاعــة إســرائـيـلـيـة"
/عن يديعوت/2007/7/18"، كتب - تومي لبيد في معاريف 2007/7/18 تحت عنوان:"لعبة أوهام السلام في الشرق الاوسط" يقول"يوجد شيء ما يمس القلب في سذاجة الرئيس بوش والرئيس بيريس، اللذين خطا هذا الأسبوع الطرق التي يفترض أن تفضي إلى السلام المأمول في الشرق الأوسط، فلا أمل في السلام". وفي الوقت الذي أعربت فيه "إسرائيل" الرسمية عن "ارتياحها" لخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش يوم 15/7/2007 ودعوته إلى عقد مؤتمر دولي لـ "دول الجوار" في الشرق الأوسط لتحريك عملية السلام، التقى كبار المحللين الإسرائيليين في اعتبار الخطاب مجرّد كلام "لم يحدد جدولاً زمنياً" ألقاه رئيس أميركي بلغت شعبيته في أوساط شعبه أدنى مستوى، "فيما المعنيان الآخران بمثل هذا المؤتمر، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن)) ورئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت، يواجهان وضعاً مماثلاً كل في أوساط الرأي العام في بلده". ووصف المعلقون الزعماء الثلاثة بوش وعباس وأولمرت بـ "بطات عرجاوات"، يعني كلاً منهم تثبيت حكمه أولاً وقبل كل شيء".

وقال ألوف بن في صحيفة "هآرتس /2007/7/17" إن الرئيس الأمريكي ألقى "العظام" لكل من يتهمه بتجاهل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، فقد ألقى خطاباً منهكاً بدا كأنه قائمة تشمل كافة القضايا المعلقة والتي تنتظر المناقشة والتنفيذ، وتعهد بزيادة الجهود الأمريكية من أجل تعزيز ثقة الطرفين بحل الدولتين، ورغم أن تصريحاته بدت جميلة إلا أنها كانت أقل حماساً من التصريح الذي أطلقه في بداية ولايته الثانية، والذي نثر الوعود فيه بـ"استثمار ثروات أمريكا في إقامة الدولة الفلسطينية"، وأكد بن على" أن بوش امتنع عن التعهد بإقامة الدولة الفلسطينية، واكتفى بوضع معضلة أمام الفلسطينيين، حيث طالبهم بالاختيار بين "المتطرفين من حركة حماس" وبين" ثنائي المعتدلين؛ رئيس السلطة محمود عباس، ورئيس حكومته سلام فياض"، وعرض بوش مساراً على مرحلتين، الأولى "أن يقوم الفلسطينيون باجتثاث الإرهاب والفساد، بموجب التعليمات المشددة لخارطة الطريق، والتي تتضمن اعتقال المقاومين (الذين وصفوا بـ"الإرهابيين")، ونزع وتفكيك المنظمات الفلسطينية ومصادرة أسلحتها. وفي حال جرى تنفيذ ذلك، تبدأ مفاوضات إسرائيلية- فلسطينية حول الحل الدائم، حيث تناقش القضايا الجوهرية: الحدود واللاجئين والقدس"، ولعل الاهم في تحليل بن قوله "إن بوش وافق على مطلب عباس بمناقشة الحل الدائم، والقفز عن مرحلة الدولة بحدود مؤقتة، إلا أنه لا يوجد أي مدعاة لقلق رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، الذي يرفض مناقشة القضايا الجوهرية الآن، فقد حصل على مهلة تمتد إلى حين "تصبح السلطة الفلسطينية خالية من الإرهابيين والفاسدين" (موقع عــ48ـرب).

ولذلك نعود الى تساؤلات كنا أثرناها في العديد من المقالات التحليلية:
- إلى أين تسير فلسطين قضية وشعبا وحقوقا يا ترى في هذه الأيام الصعبة في أعقاب ما جرى في غزة وفي أعقاب هذا الانقسام/الانشطار الفلسطيني الجيوسياسي الخطير..؟!!
- هل تسير على طريق تحقيق "حلم بوش" و"خريطة الطريق" في إقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية إلى جانب بعضهما البعض..؟!
- أم تسير على طريق استكمال مخطط شارون بمضامينه الجدرانية والبنتوستانية..؟!
- أم أنها تعود في الجوهر والاستراتيجيا بقوة هائلة الى "المربع الأول" في الصراع الوجودي على أرض فلسطين..؟!!
- والاهم.. ما العلاقة الحقيقية بين "رؤية وحلم بوش" و"خريطته الطريق للحل"، وما بين "وعده" الواضح والصريح والسافر لشارون في الرابع عشر من نيسان/2004..؟
-ولماذا تسارع تلك الإدارة الأمريكية إلى إعادة إنتاج الرؤية والخريطة كلما جد جديد في المشهد الفلسطيني..!.
- وما مدى مصداقية وجدية ورصيد التطمينات الامريكية العاجلة التي انطلقت مؤخرا على أرض الواقع هناك في فلسطين..!؟
- وهل نصدق نحن العرب من المحيط إلى الخليج وعود وتطمينات بوش في أعقاب "وعده - النكبوي – لشارون" وفي أعقاب "اعترافه بحقائق الأمر الواقع"..؟!
- فما الذي جري ويجري لنا نحن فلسطينيا وعربيا في مواجهة السياسة الرسمية الأمريكية تجاه فلسطين والصراع العربي - الإسرائيلي..؟

كان الرئيس بوش أكد غداة رحيل عرفات قائلا "إنه من الممكن قيام دولة فلسطينية مستقلة بحلول نهاية ولايته الثانية عام 2009" بينما كانت رايس قد سبقته موضحة "أنه لن تقوم قائمة للدولة الفلسطينية ولا بعد مئة عام إلا إذا قامت القيادة الفلسطينية أولا وقبل كل شيء بمحاربة الإرهاب".

ونقول بدورنا في الخلاصة إن كل قصة "الأفق السياسي" كذب وخداع ومضيعة للوقت وإنه ليس هناك "أي أفق سياسي" حقيقي لقيام دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، خاصة في ضوء انعدام المصداقية لدى الطرف الآخر، وبعد أن تدهورت الأوضاع الفلسطينية الداخلية على هذا النحو الذي لم يأت في الحسابات الفلسطينية أبدا.

وليتبين لنا أن المهمات الملحة والعاجلة جدا على الأجندات الفلسطينية أصبحت تتعلق بكيفية لململة الأوضاع والأوراق الفلسطينية، وبكيفية المصالحة والتعايش الفلسطيني بين الفصائل، وبكيف يمكن إحباط مشروع الاحتلال الرامي إلى تكريس العزل والفصل والقطع الكامل الشامل بين غزة والضفة، بعد أن كانت في وقت سابق تتركز حول بناء مقومات الاستقلال والدولة...!