في ذكرى ثورة يوليو: نحو توحيد التيار القومي العربي/ عوض عبد الفتاح

من المفيد دائماً التذكير بالحقبة الناصرية وإنجازاتها وما تحقق خلالها من إعادة إكتشاف لمكامن قوة الأمة العربية وحضارتها الإسلامية في مواجهة التخلف والإستعمار. ولأن من شأن ذلك أن يذكر من إقترب من حافة اليأس أنه حين تحضر الإرادة ويُستحضر التاريخ خاصة الجوانب المشرقة منه، تنفتح الآفاق وتتحقق الأماني. كما ويردّ هذا التذكير على كل الذين انسحقوا بإرادتهم تحت أقدام المستعمرين وتجوفت عقولهم ووجدانهم.

غير أن التوقف عند عظمة الإنجازات، وحتى عند أخطاء التجربة الناصرية والتجربة القومية عموماً لا يكفي. بل يجعلنا كالسلفيين التقليديين الذين يجترون الماضي ويقبعون فيه.

في الذكرى الـ 55 لثورة 23 يوليو، ثورة الضباط الأحرار التي قادها أحد شباب الأمة الموهوبين والجسورين وذوي الحسّ المرهف بمظالم الشعب هو جمال عبد الناصر، يقف أمام التيار الناصري والتيار القومي العربي عموماً مهام وتحديات كانت دائماً مطلوبا الإجابة عليها ليس فقط نظرياً بل عملياً.

والآن في ضوء الحالة الراهنة المتّسمة بتجدد الحملة الإستعمارية وبالنهوض المجدّد بروح المقاومة العربية تصبح الإجابة أكثر إلحاحاً. ربما على المستوى النظري نستطيع القول أن معاهد الدراسات العربية القومية، وشرائح المثقفين القوميين أشبعت الموضوع تحليلاً وتشخيصاً نافذين الى عمق التجربة وأخطائها وطارحين اقتراحات حلول جديّة وهذا بحدّ ذاته إنجاز هام. إذ استطاع جُلّ المفكرين القوميين تجاوز ظاهرة التقوقع في دائرة التمجيد لعظمة التجربة ولعظمة القائد – وهي فعلاً تجربة أو بداية تجربة عظيمة وهو قائد قومي كبير. وهم قدّموا اجتهادات ثرية وعميقة تسمح للطلائع العربية الحاضرة والصاعدة التقاط المبادرة عبر الإستفادة من تراكم التجربة العملية والنظرية.

ولكن التحدي الأكبر الذي يقف أمام الناصريين وعموم القوميين في مصر والعالم العربي هو كيفية استيلاد التنظيم القومي الموحد على أنقاض التشظي غير المبرّر. فهل يجوز أن يبقى التيار الناصري المصري مشتّت رغم حضوره البارز في المؤسسات النقابية والمهنية (كالمحامين والصحفيين على سبيل المثال).

بطبيعة الحال لا يمكن أن تتحقق هذه الولادة إلا بعد عملية إنضاج واعية تتخلص من النوازع الشخصية ورواسب الصراعات الوهمية وغير المهمة واستكمال الإجابة على جملة من القضايا الفكرية والإجتماعية المطروحة منذ نشوء الفكرة القومية وفكرة النهضة العربية في أواسط القرن التاسع عشر والتي اشتد الجدل بشأنها بعد مقابلة الآخر (المستعمر) وبعد إنهيار الدولة العثمانية والخلافة وظهور الحركة الإسلامية عام 1948.

ومن أهم هذه القضايا هي:
- العلاقة بين القومية والديمقراطية والمواطنة.
- العلاقة بين الإسلام والقومية العربية.
- العلاقة بين القومية والمسألة الإجتماعية (المقصود نوع النظام الإقتصادي-الإجتماعي المطلوب).

في المسألة الأولى والثانية، رغم الإجتهادات الكثيرة والهامة التي بذلت والكتب التي صدرت والندوات التي عقدت، لا تزال بحاجة الى صيغة متفق عليها بين القوميين سواء على مستوى الدولة – نظام الحكم أو على مستوى العلاقة بين الدولة والفرد – المواطن أو على مستوى العلاقة مع الأقليات الدينية والأقليات غير العربية، أو على مستوى ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب القومية وفيما بينها. لقد غابت الديمقراطية الليبرالية عن التجربة الناصرية بمفهوم التعددية الحزبية وفصل حقيقي للسلطات والسماح لمراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها. وكانت حالة الديمقراطية في ممارسة حزب البعث سواء العراق أو السوري أسوأ.

وينتظر من الإخوة في سوريا المضي قدماً في الإصلاح والإنفتاح الحقيقي خدمة للمواطن العربي السوري وللفكرة القومية العربية. إذ يتطلع المواطن العربي الى سوريا باعتبارها الدولة الوطنية العربية التي تقف في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، ويتطلع الى أن تكون نموذجاً قومياً جذاباً على الصعيد الداخلي.

وقد أدرك عبد الناصر هذا النقص في مراحل لاحقة وخطا خطوة متقدمة باتجاه إصلاح هذا العطب بعد هزيمة 67 وربما لو قُذّر له أن يعيش أكثر ربما كان خطا خطوات إضافية في اتجاه تصويب مسيرة الثورة ومسيرة الدولة (يبقى ذلك في دائرة التقدير والتنبؤ. وقد ترافق ذلك مع إدراكه أيضاً لأهمية الثورة الثقافية التي أعلن عنها بعد الهزيمة، على اعتبار أن الفجوة بين العرب والغرب (واسرائيل) هي في الأساس حضارية ثقافية وليست سياسية.

وهنا تأتي المسألة الثانية ألا وهي العلاقة بين العروبة (القومية) والإسلام (الحضارة العربية الإسلامية).
لقد هُدرت طاقات وأرواح كثيرة نتيجة الصراع المفتعل بين دعاة الجامعة الإسلامية (الدينية) والجامعة العربية القومية واتخذت أشكالاً مأساوية منذ الخمسينيات على أثر محاولة اغتيار جمال عبد الناصر فيما يسمى حادث المنشية، وبدا من هذا الصراع وكأن العروبة والإسلام على طرفي نقيض في حين هما متكاملان. ولا سبيل إلا في إيجاد الصيغة السليمة بينهما. وهذا ما تقوم به أوساط واسعة من دعاة القومية ودعاة الجامعة الإسلامية بل تم مأسسة هذه الجهود بالمؤتمر القومي الإسلامي الذي بدأ بعد حرب الخليج على أثر إعادة غزو المنطقة العربية من جانب القوات الأمريكية والعربية وما شكله ذلك من تهديد لمجمل شعوب المنطقة العربية وقواها القومية والإسلامية والديمقراطية الوطنية.

إن هذا التقارب بين التيار القومي والإسلامي هو خطوة هامة باتجاه تجميع طاقات الأمة من أجل النهوض بالمجتمعات العربية ولكن المواطن العربي لا يلحظ نتائج فعلية ومؤثرة في حياته. من المفترض أيضاً أن يكون من ثمار هذا التقارب دفن نزعة الإقصاء والتكفير، وتخفيف الإنفتاح على مكونات المجتمع. هناك بطبيعة الحال أوساط من كلا التيارين غير راضية عن هذا التوافق أو المعني بالتوافق، ولا تزال تبدي قدراً كبيراً من التشنج والتزمت وضيق الأفق.

إزاء ذلك لا تزال أمام التيار القومي مهمة تطوير الصيغة التي اعتمدتها الناصرية أو بعض التيارات القومية باتجاه ترسيخ الفكر القومي بالحضارة العربية الإسلامية والأخذ كل ما هو مفيد من التجربة الغربية الحديثة – التعددية، حرية المواطن، الحكم الديمقراطي وغيرها.

تبقى مهمة توحيد التيار القومي العربي المهمة الأصعب والأهم في هذه الظروف التي تعيشها الأوطان العربية – أو الوطن العربي. لقد وفّرت المقاومة العربية في العراق ولبنان وفلسطين وسوريا خاصة تجربة حزب الله حوافزاً قوية لإعادة تنظيم التيار القومي العربي وإيجاد قيادة واحدة وموحدة وذات رؤية استراتيجية سليمة وآليات عمل قادرة على التغلغل بين الناس والتجاوب مع حاجاتها الأساسية. لقد حان الوقت للخروج من أتون الصراعات والخلافات الداخلية، ومن دائرة التشخيص الى دائرة العمل.

هناك مساعٍ تجري مؤخراً في هذه الأوساط نحو هذا الهدف، ونحن في التيار القومي الديمقراطي داخل فلسطين (48) والذي يواجه هذه الأيام تحديات خطيرة من جانب الدولة العبرية بعد تحقيقه نجاحات هامة، نتطلع الى تحقيق هذا المطمح القومي الكبير.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018