هل يصمد ساداتيّو المنطقة؟../ رياض صوما*

تبدو منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تطورات خطيرة وغير عادية، سواء كانت تسويات كبيرة، أو مجابهات عسكرية واسعة، أو انتفاضات شعبية، أو حروباً أهلية قد تؤدّي إلى انهيار سلطات، أو انكفاءً أميركياً متسارعاً يترك فراغاً تملأه فوضى غير مسبوقة. لا يمكن استبعاد أي من هذه الاحتمالات. وكان الرئيس السوري بشار الأسد قد لمّح إليها في خطاب ولايته الثانية حين حذّر من أنّ الأشهر المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى مستقبل المنطقة، وربّما مستقبل العالم.

والمتابع لتوقعات أهم مراكز التفكير والتحليل الغربية والعالمية، وتصريحات المسؤولين الأميركيين والأوروبيين السابقين والحاليين، يلحظ ترداد توقّعات مشابهة. نكتفي بالتذكير بكلام جورج دبليو بوش المتكرّر عن مخاطر الانسحاب الأميركي من العراق على استقرار الأنظمة الحليفة للأميركيين على امتداد المنطقة. ربما اعتبر هذا مبالغة من الرئيس الأميركي للدفاع عن تورطه بوجه الرأي العام الأميركي وقرارات الكونغرس الديموقراطي التي تلح عليه بوضع جدول زمني للانسحاب من العراق. ولكن ورود كلام مشابه على لسان هنري كيسنجر في صحيفة «الواشنطن بوست» بتاريخ العاشر من تموز 2007، يعطي المسألة طابعاً أكثر جدية.

دعا كيسنجر في مقالته المشار إليها إدارة جورج دبليو بوش إلى الاقتناع الجازم والنهائي باستحالة البقاء في العراق، وأكد أن إطالة أمد الصراع العسكري سيجعل الهزيمة أكثر خطورة. وهذا ما تشير إليه التقارير الأخيرة لوزارة الدفاع الأميركية، حتى لو لم تصل الى الاستنتاج نفسه. فقد أظهرت تراجع الاعتداءات العشوائية على المدنيّين، وتصاعد العمليات ضد قوات الاحتلال، إذ بلغت خمسة آلاف عملية خلال شهر حزيران الأخير.

يكشف ذلك فشل كل الخطط الأمنية من جهة، وتراجع دور القوى العدمية والمشبوهة من جهة أخرى، لمصلحة القوى المقاومة العراقية الوطنية الجدية. ويستند كيسنجر الى تجربته خلال الحرب الفيتنامية لتقديم نصيحته لإدارة بوش، فيدعوها الى ربط الانسحاب العسكري بتسوية سياسية تشترك فيها القوى الإقليمية والدولية المعنية، حتى لا يؤدي الانسحاب الذي لا مفر منه، الى فوضى عارمة. فمثل هذه الفوضى ستفيد القوى الاسلامية الأصولية. ولكن تجربة الخروج من فيتنام، التي يستلهمها كيسنجر، تؤكد صعوبة ضبط تداعيات الهزيمة، حتى عندما تكون «محصّنة» بتسوية سياسية.

إنّ هذه القوى، على رغم تبايناتها الفكرية والسياسية، تجمع على أن الخط الساداتي الذي باشر صعوده بتخطيط هنري كيسنجر ورعايته، يتحمل مسؤولية كل الانهيارات التي عاشها العالم العربي والاسلامي منذ ذلك التاريخ. وتعي دور الساداتيين المعاصرين، من برويز مشرف وحامد كرزاي الى أبو مازن وفؤاد السنيورة، مروراً بكلّ «المعتدلين العرب والمسلمين»، في تكريس هذه الانهيارات.

والحقيقة أن الرهان الأميركي- الإسرائيلي- الساداتي لا يستند الى الفراغ، بل إلى التباين الذي حصل في وجهة تطوّر المديَيْن الشيعي والسنّي بعد وفاة جمال عبد الناصر ومجيء أنور السادات الى السلطة. إذ اتّجهت إيران الخمينيّة في اتجاه تكريس استقلاليّتها حيال الأميركيين والغرب، حتى بعد الانهيار السوفياتي، بينما ذهب المدى السنّي بقيادة خليجية- مصرية- باكستانية- تركية، في اتجاه تعميق الارتباط والالتحاق بالأميركيين والحلف الأطلسي. وقد ثبتت إيران وجهتها الاستقلالية لاحقاً، من خلال التحالف مع سوريا والقوى الشعبية المناهضة للتحالف الغربي- الصهيوني- الإسلامي المعتدل في المنطقة، وتعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا وفنزويلا...

وقد جاء الفشل الأميركي في العراق وأفغانستان والمنطقة عامة، والفشل الإسرائيلي خلال عدوان تموز 2006 على لبنان، ليثبت وجهة المزاج الشيعي العام ضد الخيار الغربي- الساداتي، انطلاقاً من ارتباطه الوجداني بإيران، ومن ذاكرته النضالية، ومن تقديره لمصالحه الراهنة والمستقبلية. وسيفتح استمرار التعثر الأميركي أفقاً أوسع وأبعد مدى لثبات هذه الوجهة، وسيضمن عناصر أقوى لتماسك الكتلة الشيعية على المستويات الوطنية والإقليمية، وسيساهم في ضبط التوترات وتقنينها بين القواعد والقيادات الشيعية، لتوافق الخيار الاستراتيجي الذي تتّخذه هذه القيادات، مع المصالح الراهنة والتاريخية للشيعة وللمنطقة العربية والإسلامية عامة.

ولكن الصعوبات ستظهر، إذا استنقعت عملية ترجمة التغير الجاري في المزاج السني في اتجاه تجاوز مرحلة الرضوخ لخيار الاستسلام والذهاب الى خيار المواجهة. وهذا يشبه، مع احترام الفوارق، ما واجهه البلاشفة بعد ثورة أوكتوبر، نتيجة إجهاض العملية الثورية في أوروبا. فالجميع يدرك أن حسم الصراع مع الخيار الساداتي مستحيل خارج المدى السني. لذا سيكون الصراع داخل هذا المدى وعليه، عنوان المرحلة المقبلة. وفي ضوء حصيلة هذا الصراع، سيتحدّد مستقبل المنطقة والعالم. وهذا التقدير قد يتجاوز ما لمّح إليه الرئيس السوري. فمنذ بدايات الاختراق الأوروبي للمشرق العربي والإسلامي، كانت هزيمة الشرق، بالدرجة الأولى، هزيمة أهل السنّة. وكل ما يحاوله الغرب حالياً، هو إبقاؤهم في وضعية الراضخ لمفاعيل تلك الهزيمة. لذلك يجهد لإقناعهم بأن نجاحات إيران وحلفائها ليست دليلاً على قدرة الشرق على النهوض، بل هي خطر وعلى أهل السنّة مواجهته.

وليس إيغال ساداتيّي المنطقة راهناً في مسارهم وانتقالهم من التعاون مع الهجوم الغربي إلى تنظيم الحروب الأهلية لمساندته، سوى تعبير عن خوفهم مما يجري. لذا يبدون أشدّ تمسّكاً بالعدوان من القائمين به. وترعبهم فكرة فشل المشروع الأميركي أكثر من الأميركيين أنفسهم. فلدى هؤلاء الأخيرين بدائل، أما هم فليس أمامهم سوى التحول الى كبش فداء. لذا ينبغي النظر الى تصاعد شراستهم الكلامية والميدانية كدليل قلق وضعف، أكثر مما هو دليل قوة وتماسك. فالقمع الدموي المنفلت والمتصاعد من باكستان الى المغرب، مروراً بكل عواصم المنطقة، يشير الى بلوغ الصراع بين القوى الساداتية المنخرطة في «الحرب الأميركية على الإرهاب»، وأخصامها مستويات غير مسبوقة. وباتت المنطقة، وخاصة مداها السني، بفعل الخط الساداتي والعدوان الغربي، أمام مسارين لا ثالث لهما: الاهتراء المتمادي أو الانفجار الكبير، وذلك بسبب الانكفاء الأميركي الحتمي، مهما كابرت إدارة بوش.

فالسؤال الذي يقلق مفكري الغرب وقادته راهناً: إذا كنا قد استطعنا حماية ساداتيّي المنطقة حتى الآن، وخاصة بعد الانهيار السوفياتي، فهل نستطيع ذلك بعد النكسات المتتالية «لحربنا على الإرهاب»؟ هكذا ينبغي أن نفهم حرص هنري كيسنجر، وزبغنيو بريجنسكي، وبيكر- هاملتون، وغيرهم، على تحصين الانسحاب، الحتمي على حد توقعهم، بحل سياسي يحول دون حصول انهيار في البنى السياسية المتأمركة في المنطقة العربية والاسلامية. وهكذا ينبغي أن نرى الى مهمة السيد بلير الذي يعتقد بأن تجميل الاحتلال يكفي لتغطية الملتحقين به، ويمكّن حكام باكستان وأفغانستان والعراق والضفة والصومال ولبنان... من تبرير التحاقهم والصمود بوجه العاصفة المقبلة. فهل يستطيعون؟ لننتظر ونرَ.
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018